العنوان مداد القلم.. انتهى الدرس.. يا مسلمون؟
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1993
مشاهدات 841
نشر في العدد 1058
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 20-يوليو-1993
مأساة البوسنة والهرسك ودروس التاريخ
نعم لقد انتهى الدرس الذي يتكرر دائمًا، ولم يستفد منه المسلمون ولا
مرة منذ حملة نابليون حتى يومنا هذا. ها هي البوسنة والهرسك تتحول إلى «جيتو»، أو
حارة إسلامية ضيقة في قلب أوروبا تنتظر الذبح والتصفية النهائية على يد الإرهاب
الصليبي «الأرثوذكسي الصربي، والكاثوليكي الكرواتي»، بعد أن وثق المسلمون في
«السيدين فانس»، وأوين الصليبيين، ورأوا أن وساطتهما هي الضمان لبقاء البوسنة
والهرسك، وحماية أهلها من الإبادة بالرغم من أنهما أصرا على عدم تسليح المسلمين
للدفاع عن النفس، أو اتخاذ موقف دولي واضح وصريح ورادع يمنع العدوان والجريمة.
كان فانس وأوين يتحركان هنا وهناك، ويدليان بتصريحات تدل على التشاؤم
حينًا والتفاؤل أحيانًا، ويقنعان المؤتمرات «الإسلامية» بعدم اتخاذ موقف أو تأجيل
اتخاذ موقف في الوقت الذي يتدفق فيه السلاح والمرتزقة لمساعدة الصليبيين الصرب
والكروات لاستئصال الوجود الإسلامي من جذوره؛ الناس والمساجد، والمكتبات والآثار،
وكل ما يوحي بالإسلام أو يرمز إليه، بينما المسلمون خارج البوسنة والهرسك يصدقون
ما يقوله «فانس» و«أوين» وينتظرون ما ينتهي إليه التفكير الأميركي والأوروبي
والدولي.
أهداف المؤامرة الصليبية في أوروبا
للأسف الشديد، كانت المؤامرة أوضح من شمس النهار في الضحى الصيفي،
ولكن المسلمين، وبخاصة الحكومات لم يصدقوا أو لم يريدوا أن يصدقوا أن الصليبيين في
أوروبا وأمريكا، فضلًا عن الفاتيكان قد قرروا قرارًا حاسمًا بإنهاء الوجود
الإسلامي في أوروبا، وتصفيته تمامًا.
ولن يكون الأمر قاصرًا عند حدود البوسنة والهرسك بل سيمتد ليشمل
ألبانيا وكوسوفو ومقدونيا والجزء الأوروبي من تركيا الذي يضم إسطنبول ومسجد أيا
صوفيا، حتى «تتحرر» الدولة البيزنطية القديمة.
واقع الشعوب والحكومات الإسلامية
في ذات الوقت كان الموقف على الجبهة الإسلامية «الشعوب» مثيرًا
للغرابة في زمن الإبادة، فهناك شعوب إسلامية لم تعلم أساسًا بمأساة أو جريمة تحدث
في البوسنة والهرسك لأن الحزب القائد مثلًا لا تعنيه مثل هذه المسائل أمام تجليات
الزعيم «الفرعون»، الذي لا يسأله أحد عما يفعل ولو قتل أو سجن أو نفي، وهناك شعوب
إسلامية رضيت من حكوماتها بالهتاف «الثوري»، من أجل حماية المسلمين، ولم تعلم
شيئًا عن صفقات البترول السرية التي عقدتها حكوماتهم مع صربيا بالرغم من أنها
خالفت الحظر الدولي على الصرب مثل ليبيا، وهناك شعوب انتهزت حكوماتها فرصة المأساة
البوسنية ولم تدفع لحكومة سراييفو الدين المستحق كحكومة النظام العراقي المدينة
للبوسنة بـ 700 سبعمائة مليون دولار لم تدفعها حتى الآن، وهناك شعوب إسلامية تعاني
الأمرين من حكوماتها التي تفرغت لمحاربة الإسلام واقتلاعه وتجفيف منابعه تحت دعاوى
حبكتها الصهيونية، وروجتها الصليبية مثل الأصولية والسلفية والرجعية والراديكالية
الإسلامية والإسلام السياسي الخ، فلم تلتفت إلى البوسنة والهرسك، ولا تستطيع،
وهناك شعوب إسلامية فوضت أمرها إلى بارئ الناس لأنها لا تملك من أمرها شيئًا،
وهناك شعوب إسلامية وحكومات تفرغت لكرة القدم ومسابقاتها، وأهل الفن وحكاياهم،
وعيني عينك تضيع البوسنة والهرسك، وتتحول إلى فلسطين أخرى بمباركة الدول الصليبية
الكبرى، ويتحول الصرب وقادتهم والكروات وقادتهم أبطالاً في قلب «الضمير الأوروبي»،
«والوجدان الأمريكي»، ومشاعر الأمم المتحدة في ظل قيادتها الصليبية الحالية «بطرس غالي».
خيارات المواجهة المفقودة
لو أراد المسلمون أن ينقذوا البوسنة والهرسك لفعلوا وكان وما زال
أمامهم الكثير من الأفعال والإمكانات ولكنهم لم يفعلوا شيئًا ألبتة، باستثناء
«الفتات» الذي يسمى معونات إنسانية، ذهب معظمها إلى الصرب والكروات. ماذا لو
أرسلوا السلاح إلى المسلمين في البوسنة والهرسك رغمًا عن إرادة السيد الصليبي؟
ماذا لو جمدوا عضويتهم في الأمم المتحدة التي ما أنشئت فيما يبدو إلا لتدشين
العدوان الصهيوني والإجرام الصليبي ضد المسلمين؟ ماذا لو قاطعوا الصرب والكروات
سياسيًا واقتصاديًا وتجاريًا ودبلوماسيًا؟ ماذا لو ماذا لو ولكن ما فائدة لو وبعض
القادة المسلمين لا يقل عداوة للإسلام عن قادة الصرب والكروات؟ اللهم الطف
بالمسلمين الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.
انظر أيضا:
الحروب الصليبية.. سلسلة حملات للسيطرة على الأراضي المقدسة ووقف المد الإسلامي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل