; اندماج المهاجرين المسلمين في أوروبا.. ضوابطه وعوائقه | مجلة المجتمع

العنوان اندماج المهاجرين المسلمين في أوروبا.. ضوابطه وعوائقه

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر الخميس 01-أكتوبر-2015

مشاهدات 89

نشر في العدد 2088

نشر في الصفحة 29

الخميس 01-أكتوبر-2015

  • رغم ما يقوم به المهاجرون في تنمية دول الهجرة فإنهم يعانون من عدة أشكال من التمييز والإقصاء
  • 98% من المجتمع البريطاني يبني أحكامه المسبقة عن المسلمين من التلفاز والصحف
  • ينبغي أن تُحدَّد للاندماج ضوابط وقواعد تتضمن المحافظة على خصوصية المسلم الممثلة في العقيدة والشعائر والأخلاق والأحكام الشرعية
  • أفضل الدول دخلاً للمهاجرين: لكسمبورج والنرويج وبريطانيا.. وأقلها: المجر وسلوفاكيا ولتوانيا وأستونيا ولاتفيا واليونان والتشيك

يحكي التاريخ أن الإسلام وصل إلى أوروبا عبر بوابتين؛ بوابة الأندلس في القرن الثامن الميلادي، وبوابة الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر الميلادي، وقد أنتج الوجود الإسلامي في إسبانيا على مدى ثمانية قرون ثقافة فريدة من التسامح الديني والعلمي والحرية الأكاديمية التي ساعدت أوروبا بشكل غير مسبوق في مسيرتها نحو الإنسانية والنهضة.

ومما يؤسف له أن فكرة التسامح الأندلسي لم تدُم في التاريخ الأوروبي، ومع نهاية القرن الخامس عشر الميلادي أظهر الملك "فرديناند" والملكة "إيزابيلا" عدم التسامح مع المسلمين؛ مما اضطرهم إلى مغادرة شبه جزيرة أيبيريا سنة 1492م، لكن نور الإسلام أشرق على أوروبا من جديد من شبه جزيرة البلقان.

وفي العصر الحديث بدأ وصول جديد، عن طريق بوابات جديدة، منها الدول التي استعمرها الأوروبيون، وكذلك وصول المهاجرين الذين فتحت أوروبا أبوابها لهم لتعميرها من خراب الحرب العالمية الثانية، أو اللاجئين الذين هربوا من خراب بلادهم! 

فهل استطاع هؤلاء أن يندمجوا مع مجتمعاتهم الجديدة؟ وما عوائق هذا الاندماج؟

عوائق الاندماج

على الرغم من كل ما يقوم به المهاجرون في تنمية دول الاستقبال، فإنهم يعانون من عدة أشكال من التمييز والإقصاء في مجالات السكن والتعليم والعمل والحقوق الاجتماعية والثقافية، لكن درجة هذا الإقصاء والتمييز تختلف حسب الأصول الإثنية للمهاجرين ولغتهم ودينهم، وأصبح المهاجرون المسلمون أكثر عرضة للتمييز، وهذا لا يعفي بعض القلة من المسلمين من المسؤولية، ألم يأنِ لهم أن يتركوا خلافاتهم التي ورثوها من بلدانهم الأصلية، وأن يهتموا بأنفسهم وأولادهم، وأن يبتعدوا عن السلبية والتقوقع، وعن مظاهر الكذب والغش والخداع والجهل والجريمة؟ 

وللإعلام أهميته وخطورته، فإن 98% من المجتمع البريطاني يبني أحكامه المسبقة عن المسلمين من التلفزيون والصحف، وهذا الإعلام غالباً ما يخلط بين الهجرة والإجرام، خاصة بالنسبة لذوي الأصول العربية والمسلمة، ويتناسى أن المسلمين البريطانيين – سواء مَنْ تجنّس أو وُلد في أوروبا – هم من أهل البلد ولهم نفس حقوق المواطنة، ومازالت معظم وسائل الإعلام، خاصة الصحف الشعبية الرخيصة، تعطي أحكاماً وتصنيفات مسبقة؛ حيث تلصق بهم تهم الإجرام والتطرف والإرهاب بطريقة روتينية عشوائية.

ضوابط الاندماج

ولاحظت البحوث المقدمة في قضية الاندماج للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث(1) أن موضوع البحث محفوف بالمزالق، وأنه مُعرض إلى أن ينتهي بالذوبان كما حدث في تجارب سابقة للمسلمين؛ لذلك ينبغي أن تُحدَّد للاندماج ضوابط وقواعد تسير به في مساره الوسط المُنتج، وتعصمه من الانعزال أو الذوبان، وقد عرضت البحوث في هذا المحور عدداً من الضوابط والقواعد في ضبط الاندماج، ومنها:

1– تحديد معنى الاندماج المطلوب، وتحديد محتواه، بحيث يتميز عما يُراد منه من قبل بعض الجهات حيث تعني به الذوبان، وقد دعا في هذا الصدد بعض المشاركين إلى أن يسعى المجلس إلى التحاور مع المؤسسات الأوروبية للاتفاق على مفهوم مشترك للاندماج.

2– أن يكون مُقيّداً بالمحافظة على خصوصية المسلم الممثلة في العقيدة والشعائر والأخلاق والأحكام الشرعية، خصوصاً ما كان منها قطعياً، وأن تكون المرونة فيه في سياق ما هو قابل للاجتهاد من أحكام الدين.

3– أن يتم من خلال احترام القوانين التي تُنظم المجتمعات الأوروبية، وأُشير في هذا الصدد إلى أن هذه القوانين فيها سعة للاندماج الإيجابي، ولكنها غير مستثمرة من قبل المسلمين.

4– أن يكون مبنياً على أساس من البحث العلمي للواقع الأوروبي.

5– أن يقوم على استثمار الفرص والإمكانات الكثيرة المُتاحة في المجتمع الأوروبي.

6– أن يكون قائماً على أساس من الحوار المستمر مع مُكونات المُجتمع الأوروبي الثقافية والسياسية والاجتماعية.

مؤشرات

حسب آخر الدراسات الإحصائية "يورو ستات" الصادرة عن الاتحاد الأوروبي (27 دولة) الخاصة بالمهاجرين في أوروبا سنة 2011م، نلخص بعض النقاط الأساسية(2). 

وتزداد خطورة الوقوع في براثن الفقر مع قلة الموارد، وتزداد الفجوة إلى 30% في فرنسا والسويد ولكسمبورج وفنلندا وقبرص.

أما الدخل؛ فالفارق كبير، وهو انعكاس للفارق في سوق العمل بين أهل البلد والأجانب، وأقل الدول دخلاً للأجانب هي المجر وسلوفاكيا ولتوانيا وأستونيا ولاتفيا واليونان والتشيك، وأفضل الدخول للمهاجرين في لكسمبورج والنرويج وبريطانيا.

وهي نسبة الذين هم أكثر تأهلاً للعمل المطلوب، والجدول يدل على أن الأجانب مؤهلون أكثر من المواطنين بالضعف لنفس الوظيفة، ولوحظ أن المهاجرين يعانون لعدم معادلة الشهادات والخبرات التي حصلوا عليها في بلادهم الأصلية، وكذلك قلة اختلاطهم ووقوع التمييز ضدهم، يحدث ذلك في كل دول الاتحاد الأوروبي ماعدا سويسرا، ولكن يحدث بشكل شديد لافت للنظر في اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وأستونيا حيث يصل الفارق إلى 25 نقطة.

العمل

من أسباب هذا الفارق ضعف اشتراك النساء المهاجرات في سوق العمل وصعوبة الاندماج في هذا المجال، وكذلك تختلف نوعية العمل، ففي حين يعمل الرجال المهاجرون في البناء والمواصلات والمخازن، يعمل النساء في الصحة والمجتمع والتعليم، ويشتركان في أعمال أسواق الجملة والملابس والسكن وخدمات الإطعام، وقل تمثيلهم في مجالات الإدارة والخدمة العامة والدفاع والتعليم، ولعل من أسباب ذلك ضعف الاندماج وزيادة القيود الموضوعة أمامهم، ومن النقاط الإيجابية هي زيادة فرص العمل مع طول مدة الإقامة، كما أن هناك أدلة على أن المهاجرين الذين ولدوا خارج أوروبا تزيد فرصتهم في العمل مع استقرارهم في البلاد وإن كان الحصول على الجنسية لا يعني بالضرورة الاندماج الكامل والتخلص من التمييز والإقصاء، فهناك من قام بتغيير اسمه لكنه لم يتمكن من تغيير بشرته وملامحه.

التعليم الجامعي

اتضح عامة أن الجيل الثاني من المهاجرين أكثر من المواطنين تعليماً، والنساء أعلى من الذكور، ولكن أيضاً في بعض البلدان مثل بلجيكا وإسبانيا وألمانيا، فإن نسبة التعليم للجيل الثاني من أصل أجنبي أعلى 10% من أهل البلد، أما في المملكة المتحدة وأيرلندا، فإن المتعلمين بين الجيل الثاني من خلفية أجنبية أكثر 10% من الجيل الثاني من أصحاب الخلفية المختلطة أو الوطنية. 

والمهاجر استطاع ذلك النجاح بالرغم من مشكلات اللغة والمجتمع، ولكن حتى إذا ما تمكن من تجاوز مختلف العقبات والصعاب وحصل على المؤهلات العلمية العالية فهذا لا يعني بالضرورة الحصول على عمل يتلاءم مع كفاءته. 

عوائق غربية

من أصحاب البلد من هو متعالٍ يرى الإسلام من منظار مشوَّه، وينظر إلى المسلمين بمنظور التحدي والغلبة والتفوق الذهني العلمي، ولكنه يعاني أيضاً من متاهات معيشية وأخلاقية وعلاقات اجتماعية مهترئة وصراع نفسي كبير، ولذلك فهم بحاجة ليد حانية تنقذهم من حيرتهم، وعقول واعية تعيد للإسلام بريقه دون اللجوء إلى المواجهة.

الاندماج كالحب، لا يتحقّق من طرف واحد، فإن كان هناك سعي من مسلمي أوروبا للاندماج الإيجابي مع الاحتفاظ بالهوية والعقيدة من طرفهم، فالطرف الآخر في مجمله في وادٍ آخر، يزخم بالتخوّف والظنون، وتستهويه العنصرية والاتهام، ويغرق في التشويه والنمطية، ويكفي اختلاف لكنة اللغة، أو درجات لون البشرة، أو شرقية اللباس، أو عربية الاسم، ليختلف الطرفان! 

وفي الفترة الأخيرة ظهرت الأحزاب والحركات العنصرية، وأُعلنت أبحاث تؤكد التخوّف من وجود أطراف تريد إعاقة الاندماج، وأشارت نتائج الاستطلاع إلى أن 58% من البريطانيين الذين شاركوا في هذا الاستطلاع يربطون الإسلام بالتطرف، في حين اعتبر 13% منهم أن الإسلام يقوم على السلام، وربط 6% بين الإسلام والعدل، وحول سؤال بشأن ما إذا كان المسلمون لهم تأثير إيجابي في المجتمع البريطاني؛ رفض أربعة من كل عشرة أشخاص الموافقة على ذلك(3).

وقد حذرت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية وعدم التسامح في مايو 2013م من أن التردي الاقتصادي وإجراءات التقشف يغذيان عدم التسامح والعنف ضد المهاجرين، ودعا مفوض حقوق الإنسان بالمجلس الأوروبي إلى "ربيع أوروبي" لمواجهة التحيز ضد الإسلام(4).

وفي استبيان لمؤسسة "جالوب" مؤخراً، فإن معظم أهل بلاد شمال أوروبا (السويد، الدنمارك، فنلندا) أعربوا عن موافقتهم لرؤية أعداد المهاجرين إليها تزداد أو تبقى على معدلها الحالي، ما عدا بريطانيا فإن 69% يريدون أن تنقص أعداد المهاجرين، أما دول أوروبا المطلة على البحر المتوسط فتؤيد قلة المهاجرين (اليونان، إسبانيا، إيطاليا، مالطا)، أما فرنسا فتقريباً النصف مع الزيادة(5).

الهوامش

(1) المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث سنة 2007م، البيان الختامي للدورة العادية السابعة عشرة (سراييفو),

(2)  Eurostat statistical book

Migrants in Europe 2011

http://ec.europa.eu/dgs/home-affairs/what-we-do/policies/pdf/migrants_in_europe_eurostat_2011_en.pdf

(3) أحمد عيسى، مسلمو بريطانيا.. فجوة التواصل وعوائق الاندماج، مجلة "المجتمع" العدد (1959).

(4) التقرير العالمي سنة 2013م: الاتحاد الأوروبي- هيومن رايتس ووتش.

(5)  How the World Views Migration: IOM - Gallup World Poll- 23/1/2015

https://www.iom.int/news/how-world-views-migration-iom-gallup-world-poll

الرابط المختصر :