; انقضى رمضان ولم تنته المشكلة | مجلة المجتمع

العنوان انقضى رمضان ولم تنته المشكلة

الكاتب عبدالمجيد بوناب

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1999

مشاهدات 59

نشر في العدد 1337

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 09-فبراير-1999

أثر الاختلاف في رؤية الهلال بين العلم والواقع

      انقضى شهر رمضان المبارك، وترك نفحاته الإيمانية والأخوية في نفوس المسلمين، كما أبقى المسلمون على الانطباع السنوي المتكرر في تعذر الاتفاق على بداية الشهر ونهايته، ويختلف شعور المسلمين تجاه هذه النقطة بحسب موقعهم، غير أن أكثرهم ملامسة لتداعياتها أولئك المقيمون في الغرب وهي أكثر بروزًا عندهم لأسباب عدة منها:

١-أن المسلمين في الغرب من كل الجاليات الإسلامية باختلاف مذاهبها ومشاربها مما يزيد من صعوبة اتفاقها حول هذا الموضوع.

٢- ارتباط المسلمين ببلدانهم الأصلية خاصة في المناسك، ومما زاد في هذا الارتباط القنوات الفضائية التي تنقل إليه بلده إلى مهجره، ووسائل الاتصال المتطورة، مما يجعل المسلم يقرر الصوم أو الفطر بناء على إعلان بعض الدول الإسلامية التي يبدأ بها ظهور الهلال عادة، ويسبق الدول الغربية حتى قبل قرار المجالس العلمية بالغرب ولجان الأهلة. 

٣-غياب المرجع الموحد للمسلمين والهيئة التي يكون لها الفصل في الموضوع، وبرغم المحاولات العديدة للم شمل الجمعيات الإسلامية والمراكز على مستوى الأقطار كل على حدة، إلا أنها تصطدم دائمًا بالعقبات نفسها مع قلة الإمكانات الإعلامية عندها، وغالبًا ما يتوزع القرار على ثلاثة:

- قسم يقرر الصوم أو الفطر مع أول دولة أو جهة تعلن ثبوت الهلال، ويبلغ ذلك لأوسع دائرة ممكنة من محيطه.

-قسم آخر يكون قد فصل في الموضوع من شهور بناء على الحسابات الفلكية أيًا كانت نتيجة رصد الهلال حتى وإن رآه جل المسلمين مثلما حصل فيمن صلوا عيد الفطر متأخرين يومًا.

-قسم آخر حاول تشكيل لجان الأهلة على مستويات مختلفة، إلا أن الإعلان المبكر لبعض الدول الإسلامية وتأخر البعض، وإعلان العديد من الجمعيات عن قرار الصوم أو الفطر، وعدم تمكنها من اعتماد وإثبات الرؤية الذاتية لأسباب عدة، وكذا طبيعة بلاد الغرب التي يبرز فيها الطابع العلمي واعتماد التكنولوجيا الحديثة في الحساب الفلكي، كل هذا جعل هذه اللجان والمجالس تتأخر كثيرًا في حسم الموضوع، ربما وصل أحيانًا إلى ست ساعات بعد المغرب، مما يربك المراكز بكثرة اتصال الناس بها، إذ وصل الاتصال ذروته في مركز ميونخ مثلًا إلى مكالمة في كل ثانية في كل خط من شبكة فيها عدة خطوط، وربما اقتصر الجواب على نعم أو لا أو بعد قليل، وهذا يزيد في تعقيد القضية.

ملخص لأقوال العلماء في المسألة:

      ذكر ابن حجر في فتح الباري في الموضوع عدة آراء تكلف في التفريق بينها، منها: يعتبر لكل أهل بلد رؤيتهم، ولا يلزمهم رؤية غيرهم، ومنها إذا ثبت عند الإمام فيلزم الناس لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد، ومنها حسب تقارب البلدان وتباعدها فيلزم في الأول ولا يلزم في الثاني، ومنهم من وضع حدًا للتباعد بالمسافات أو باختلاف المطالع أو الأقاليم، ومنها أنه يلزم كل أهل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض.

      وسبب الخلاف قول ابن عباس لكريب -رضي الله عنهما- الذي عاد من الشام وقد أكمل ثلاثين يومًا من رمضان الذي صامه مع معاوية -رضي الله عنه- بعد أن رأى الهلال وراءه الناس لا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقال كريب: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة.

      والحديث الذي قصد ابن عباس -رضي الله عنه- هو قول النبي ﷺ فيما أخرجه الشيخان: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» وقد اجتهد ابن عباس في فهم النص والعمل به سواء بعدم أخذه بشهادة واحد لإثبات هلال شوال كما يرى جمهور العلماء، أو لأن الخبر بلغه في نهاية رمضان ولم يبلغه في أوله، والحديث السابق ظاهره لزوم ثبوت الرؤية لجميع أفراد المسلمين، لكن الإجماع قائم على عدم وجوب ذلك، وأن المسلمين عدول بين بعضهم، رؤية بعضهم كرؤية الآخرين، ومعنى الحديث إذا ثبتت الرؤية بينكم.

      والعبرة عند العلماء بتحقق الرؤية وثبوتها وبلوغها لعموم المسلمين، فالأصل أن تكون وسائل الاتصال الحديثة نعمة إن أحسن استغلالها في زيادة توحيد صيام وأعياد المسلمين لا العكس.

      وفي أن المعتبر في الأهلة هو البلوغ قال ابن تيمية: ولهذا قالوا: إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم اعتبارًا بالبلوغ، وإذا أخطاء طائفة منهم لم يجزهم لإمكان البلوغ، فالبلوغ هو المعتبر سواء كان علم به للبعد أو للقلة، ثم يقول: بل حتى الهلال مأخوذ من الإهلال أي رفع الصوت بالإخبار به، وتقول العرب استهل الولد إذا صرخ عند ولادته ورفع صوته، ولا يثبت بالهلال حكم حتى يخبر به من رآه، ثم خلص إلى قوله: من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدي بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك -وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك مجموع الفتاوى ج۲٥، ص ۱۰۹ فما بعد.

     وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قد أمده، أي الهلال- لرؤيته فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة» أخرجه مسلم والدار قطني وصححه، انظر إرواء الغليل للألباني ج٤ ص ٥.

     وكان يراه أيام رسول الله ﷺ من المسلمين قلة، ثم يأمر النبي ﷺ بلالًا أن يؤذن في الناس بالصوم أو الفطر، وهذا ما رواه أحمد والنسائي والدار قطني، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب -رضي الله عنه-، أن النبي ﷺ قال: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا»

الموقف من الحساب الفلكي:

      أما العمل بالحساب الفلكي الحديث فرأي العلماء المعاصرين ومنهم الشيخ الغزالي -رحمه الله- على جواز الاستئناس به وعدم إهمال الرؤية نهائيًا لأسباب أراها كما يلي:

- مع العلم أن الحساب الفلكي الحديث لا يقصد به التنجيم والتخمين والأبراج، إنما هو تتبع لحركة ومسار القمر ضمن المجموعة الشمسية بآلات متطورة، وأقمار صناعية وتلسكوبات على آخر ما توصل إليه الإنسان في العلم الحديث كمثل تتبع حركة الشمس لتحديد أوقات الصلاة بالدقائق والثواني.

-إمكان الخطأ ولو كان ضئيلًا في تقديرات علم الفلك، ولا يمكن تجاهلها نهائيًا، والخلاف بينها خاصة فيما يتعلق بإمكان الرؤية بالعين، بينما الرؤية الثابتة يقينية.

-الانطباع الذي يتركه الترصد للهلال وما يضفيه على رمضان من بهجة وطعم خاص، وما يتبع ذلك من تهيؤ لرمضان أو العيد، واتصال وتواصل واهتمام المسلمين بالحدث المميز يؤكده، أيضًا نهي الشارع عن صوم أواخر شعبان قصد إضفاء الطابع الخاص برمضان على الأمة الإسلامية.

-الحسابات الفلكية برغم اختلافها تقرير تأخر الهلال والحكم بالصوم أو الفطر أو النسك عن تلك الدول التي تعتمد الرؤية، ولم نسمع يومًا أن أهل الحساب الفلكي أثبتوا بداية الهلال قبل الرؤية، ويرجع السبب إلى أن أهل الفلك يحكمون على ثبوت الهلال بإمكان رؤيته بالعين، فإذا ثبتت الرؤية وقد تقرر ميلاد الهلال بالحساب يرتفع الخلاف عندئذ، إلا أن يكون في الموضوع عناد أو الرغبة في الخلاف.

مقترحات لحل الإشكال المتكرر:

-يمكن الاستئناس بالحساب الفلكي في تحديد جهة الترصد في الأفق وبالنسبة لجهة الشمس والوقت المناسب للترصد، وترك المجال للجان والناس في الترصد، وعدم الجزم بعد ميلاد الهلال باستحالة الرؤية والاكتفاء بذلك وترك الترصد، وخاصة قد ثبت مرات عديدة عكس ذلك، كما حصل هذا العام، فقد راسلتنا المراصد الفلكية ولجان الأهلة باستحالة الرؤية يوم الأحد١٧/١/١٩٩٩م، ولأن الجو كان مناسبًا جدًا للترصد، والسماء أصفى من عين الديك -كما يقال- صعدت أنا وإخوان فاضلان إلى أعلى عمارة في مدينة ميونخ «خمس وعشرون طابقًا» برغم اقتناعي ابتداء باستفاضة الخبر أنه يوم الثلاثين من رمضان، وبعد الغروب مباشرة ظهر الهلال واضحًا، لو حضر خلق كثير لأمكنهم مشاهدته بأعينهم، وبقي في الأفق نحو سبع دقائق، وفي الوقت الذي أخذ بالرؤية بعض اللجان مباشرة تردد بعض آخر في الأخذ بالرؤية بالرغم من شهادة الثلاثة، ومعرفتهم لنا من خلال التعاون في ميدان العمل الإسلامي غير أن بعضها مثل لجنة الأهلة في ألمانيا، استدرك وأجروا معنا حوارًا علميًا عبر الهاتف، تم خلاله توضيح جهة ظهور الهلال، ومدة مكثه في الأفق، واتجاه تقوسه، وجهته من الشمس وغيرها، مما سمح باعتماد الرؤية، وهذا أعلى درجات الاستئناس بعلم الفلك في الأخذ بالرؤية واعتمادها.

-إذا ثبتت رؤية الهلال في دول ومناطق عديدة بأن استفاض الخبر، اكتفى المسلمون في كل مكان بذلك خاصة من يقعون إلى الغرب من محل ثبوت الرؤية، واعتمدوا الخبر المستفيض الذي يفيد العلم، وليس واجبًا على كل مسلم أن ينتظر نزول القمر إليه حتى يطمئن أو ينتظر دولة بعينها أو جهة دون غيرها، والعبرة بالدول العربية أكثر، وإليها تتجه أنظار من يعيشون في الغرب.

- تناشد الدول الإسلامية أن تذكر أسماء من شاهد الهلال ومكان ثبوت الرؤية، وإن أمكن تسجيل ذلك أو تصوير شهادتهم وبثها، وذلك لتعميق الثقة في نفوس المترددين، وتوضيح الشهادة ما أمكن، كما قرر العلماء في فهم سنة النبي ﷺ.

-دعم وتوسيع دائرة لجان رصد الأهلة خاصة من قبل علماء الأمة، بعد أن بلغ التعاون في الغرب مثلًا بينها وبين المراصد الفلكية درجة عالية، حيث سخرت الأخيرة الإمكانات والوسائل العلمية الحديثة دون تردد للمسلمين حتى يتمكنوا من رصد الهلال في كل مناسبة. 

     وبهذا يمكن تخفيف آثار الاختلاف خاصة في الغرب، ليهنأ المسلمون بصلاة عيد واحدة جامعة، وينالوا حقهم في إجازة العيد من العمل وكذا إجازة أبنائهم من المدارس بعد موافقة الجهات الرسمية الأوروبية على ذلك.

الرابط المختصر :