العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة.. الحلقة السابعة والعشرون.. انكسار الحركة المهدية
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1980
مشاهدات 101
نشر في العدد 488
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 08-يوليو-1980
- دام حكم المهدية للسودان ستة عشر عامًا استطاع الاستعمار بعدها كسر الحركة وتحجيمها.
- ما تزال المهدية تعيش في أوساط الشعب السوداني في إطار الوعظ والإرشاد، ولكنَّ لها وزنًا مؤثرًا في السياسة.
رأينا في مقال سابق... كيف كان الخط العسكري الناجح والثورة الحركية الشعبية المظفرة التي أدارها وأشرف عليها محمد أحمد المهدي، فأرسل الرسائل إلى الأعيان ورؤساء القبائل... واستطاع أن يهزم الجيوش النظامية الحكومية في أكبر ثلاث معارك، وبذلك دخل الخرطوم منتصرًا ونجح إلى حد ما في تسيير دفه الدولة إداريًا وسياسيًا وعسكريًا، واستطاع أن يعالج كثيرًا من المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع السوداني.
بيد أن الأمر لم يطل كثيرًا بالمهدي كي يتسنى له تحقيق ما أراد من إقامة الدولة الإسلامية الموحدة الكبرى فقد وافته المنية في شهر رمضان ۱۳۰۲ هـ الموافق ٢٦ يونيو ١٨٨٥م.
وكان لوفاة محمد أحمد أثر بليغ في نفوس أتباع المهدية خصوصًا أولئك الذين تأثروا بشخص محمد أحمد لما امتاز به من قوة شخصية ومقدرة دعوية، والذين تأثروا بدعوته التي توفى دون أن يحقق لهم ما كانوا يؤملونه من إقامة الدولة الإسلامية الموحدة الكبرى، وهذا كله كفيل بردة قوية عن هذه الحركة أو على الأقل الشك في إمكان نجاحها خصوصًا بعد أن انتقلت الزعامة إلى تلميذه عبد الله التعايشي الذي لم يكن ليسد فراغ محمد أحمد المهدي رغم مصاحبته له من أول بدء الحركة حتى وفاته، إذ لم يكن بمكانته العلمية الفقهية ولا بحكمته وتأثيره. رغم أنه كان ناجحًا من حيث قوته وتفكيره العسكري، وناجحًا من حيث تركيز السلطة بيده إلا أن الاضطرابات بدأت تشتد.
وتركز الصراع بينه وبين الأشراف وبين الثورات العشائرية. ولم يكن هدف هذه الاضطرابات والثورات هو الإطاحة بحكم الخليفة عبد الله التعايشي والاستيلاء على السلطة بدلًا منه، بل كانت مجرد عدم خضوع للدولة بقيادة عبد الله التعايشي، واستطاع عبد الله التعايشي أن يخمد كل هذه الثورات، لأنها لم تتضافر ولم تتفق على أهداف معينة.
وبلغت قوة المهدية أوجها في عهد عبد الله التعايشي في انتصارها على الأحباش في مارس ۱۸۸۹ ودام حكم المهدية للسودان ستة عشر عامًا ثم بدأ نجم الحركة المهدية في الأفول في انكسار الحركة عسكريًا في مواجهة جيش الإنجليز والمصريين خصوصًا في واقعة أم درمان ثم أعقب ذلك هزيمة التعايشي في واقعة «جديد» في ٢٤ نوفمبر سنة ۱۸۹۹ وانتهى الأمر بالمعاهدة الإنجليزية المصرية لعام ۱۸۹۹ والتي خضع السودان بمقتضاها للحكم الثنائي اسمًا الإنجليزي فعلًا.
وفي ١٩ ديسمبر ١٩٥٥ انعقد البرلمان وصوت أعضاؤه في جانب استقلال السودان وفي يناير ١٩٥٦ أنزل العلمان الإنجليزي والمصري ورفع العلم السوداني.
والذي ينبغي هنا التوقف عنده هو موقف محمد أحمد المهدي من الحركة السنوسية فقد كان لانتشار الحركة السنوسية في كثير من الأقطار القريبة من السودان أثره السيئ في تنافس الحركتين على مناطق النفوذ ونشر الدعوة، خصوصًا وأن كلا من الحركتين تهدف إلى بسط نفونها، وما دام المهدي قد طلب من زعماء البلاد الإسلامية الانضواء تحت لوائه فإن ذلك شمل حتى السنوسي الذي يهدف إلى نفس هدف المهدي، ومعنى ذلك تقويض الحركة السنوسية التي أثبتت تأثيرها في تلك المناطق أكثر من الحركة المهدية الناشئة.
ولم يظهر المهدي وأتباعه حسن نية تجاه السنوسية ورجعت رسل السيد السنوسي تحمل أخبارًا سيئة عن وحشية أتباع المهدي وسلبهم ونهبهم في سبيل نشر حركتهم.
ولقد بادر محمد أحمد بعد دخوله الخرطوم بإعطاء السيد المهدي لقب الخليفة الثالث -كما سبقت الإشارة إلا أن ذلك وإن كان يحمل معنى التقدير للسنوسي إلا أنه يحمل في نفس الوقت معنى إخضاع السنوسية للمهدي، وطلب المهدي من السنوسي الحضور لتسلم هذا المنصب إلا أن السنوسي رفض هذا الطلب، بل وكذَب محمد أحمد في ادعائه المهدية.
ولما توفى محمد أحمد في يونيو ١٨٨٥ تابع خليفته التعايشي عداءه للسنوسية حتى وصل الأمر إلى أنه سير جيوشه لمحاربة السنوسي في دارفور عام ۱۸۹۰ حتى بلغت جيوشه حدود واداي، فواجه سلطانها يوسف الذي اعتلى العرش بتأييد من السيد المهدي نفسه وكان عظيم الإخلاص والولاء له، وردهم عن بلاده وأوقف زحفهم، ولم يستطع عبد الله التعايشي بعد ذلك أن يجدد محاولة غزو السنوسية ما دام السلطان يوسف معارضًا له في ذلك.
وتحدد مصير الحركة بعد دخول القوات الإنجليزية والمصرية السودان وفرض معاهدة عام ۱۸۹۹ والتي بمقتضاها خضع السودان للحكم الثنائي.
فتقلصت الحركة المهدية إلى حد كبير وانفض كثير من الأتباع عنها خصوصًا أولئك الذين تأثروا بادعاء محمد أحمد المهدية.
ويعتبر الحكم الثنائي ممثلًا في الحاكم العام الإنجليزي امتدادًا للمد الاستعماري الذي اجتاح العالم العربي الإسلامي خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وكان الحكم الثنائي نهاية للحركة المهدية من الناحية العسكرية والسياسية وحصرًا للحركة في نطاق الزعامات الدينية المتفرقة التي واكبها الضمور مع التطورات السياسية اللاحقة من عام ١٨٩٩ إلى ١٩٥٦ عام الاستقلال.
وما زالت الدعوة المهدية بعد فقدان كثير من دعائمها وقواعدها الشعبية تعيش بين أوساط الشعب السوداني في إطار الوعظ والإرشاد واتخاذ بعض المواقف الإسلامية في مواجهة التحديات التي قد تتعرض لها الشريعة الإسلامية ونشطت في مقابلها الطرق الصوفية وربما غطت عليها بكثرة أتباعها وعمق تأثيرها إلا أن دور الحركة المهدية ما زال يؤثر في تشكيل الكتل السياسية ويحسب لأتباعها حسابًا كبيرًا، خصوصًا بعد المواقف الشجاعة التي واجهتها الحركة في أبا وغيرها.
وبعد هذا العرض السريع لسير الحركة ومنهجها ومواقفها السياسية والفكرية والعقائدية نستطيع تقييم الحركة وهذا ما نفعله إن شاء الله في الحلقة القادمة.
انتهازية الاتحاد السوفياتي مع العالم الإسلامي
يقول مراقبون عرب تنتهز موسكو فرصة الأزمة بين إيران والولايات المتحدة وكذلك التوتر بين بريطانيا والعربية السعودية في محاولة لتحسين صورتها في نظر العالم الإسلامي حيث فشلت دعاياتها بسبب غزو أفغانستان «ولذلك» أخبر زعماء المسلمين في الاتحاد السوفياتي بأن يقوموا بتنظيم مؤتمر إسلامي عالمي في طشقند في سبتمبر «أيلول» ۱۹۸۰ على أساس الاحتفال بالقرن الخامس عشر الهجري ولكن السبب الحقيقي وراء ذلك هو معارضة المؤتمر الإسلامي الذي عقد في إسلام آباد ما بين ٢٧-٢٩ يناير ۱۹۸۰«والذي -أدان بشدة الغزو السوفياتي لأفغانستان».
ويبدو أن المسلمين لا يعتقدون بجدوى حضور هذا المؤتمر إلا أن موسكو ستحاول إیجاد أفراد مسلمين من الدول الإسلامية لإقناعهم بأن الاتحاد السوفياتي هو الطريق الحقيقي للإسلام «!» وأن الغرب هو العدو.
... وقد نشرت البرافدا مقالًا بعنوان «الإسلام والصراع السياسي» في عددها في ١٤ أبريل وقد أعيد نشر المقال في صحف جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية. ومما جاء فيه على أساس احترام المشاعر الدينية للجماهير، فإن الاتحاد السوفياتي يؤكد تضامنه وصداقته مع جميع المسلمين الذين يكافحون ضد قوى الإمبريالية.
وتعليقنا على هذا قوله تعالى ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(الأنفال:30)!!