; بأي حٍق فعلتها؟ | مجلة المجتمع

العنوان بأي حٍق فعلتها؟

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 04-مارس-2006

مشاهدات 79

نشر في العدد 1691

نشر في الصفحة 58

السبت 04-مارس-2006

  •  النبي صلى الله عليه وسلم حثنا على كل عمل يزيد من قوى عروة الزواج ولو بالكلمة

  • هل يحق لأي من الزوجين أن يأخذ من مال الآخر بالباطل مستحلًا ذلك بسبب الخلاف أو الانفصال؟

  • لماذا تستفز بعض الزوجات أزواجهن بطلب الطلاق عند وقوع أي خلاف

  • الإسلام حرص على ميثاق الزواج الغليظ ليستمر ويقوى وأحاطه بسياج من الحقوق والواجبات التي تقيه من الانفصام

جلست في شرفة المنزل تتأمل وقت الغروب وتسبح بحمد ربها وسبحت مع غروب الشمس رغما عنها في بحر من الذكريات، تتأمل شريطًا من نسيج حياتها التي غربت وولت، لم يكن يدور بخلدها يومًا ما أنها ستصير إلى تلك الحال.

تذكرت يوم أن جاءها خاطبًا وقبله الأهل ورحبوا به مع قبولها، وها هي تستعد للزواج السعيد لبناء بيت وتأثيث أسرة واستقبال قرة الأعين والذرية.. ما أجمل فستانها الأبيض تبدو فيه كملاك طاهر جميل.. ألا ما أسعدني.. تزوجت ذا دين وخلق فاللهم بارك لي فيه.. دموعها تتساقط وهي تودع أهلها لا تدري أهي دموع الحزن لفراقهم أم دموع الفرح بالحادث السعيد؟!! 

ما أعظم نعم الله وما أكرمه سبحانه من على بالزوج ومن قبله بالأهل، وبنعم جليلة لا تحصى، فيا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.. اعتدلت في جلستها وهي تتذكر تلك الأيام التي مضت جميلة رغم مرارة الغربة والبعد عن الأحباب.. كان الحلو يختلط بالمر أحيانًا، وكان اليسر فيها يتغلب دائمًا على العسر، ومضى القارب بمن فيه يتهادى وهو يسير تارة ويتمايل تارة أخرى وهكذا الحياة الدنيا جمعت بين الضدين في آن!! 

انقضاض الشيطان 

سبحت روحها وطافت مع هذه الذكريات حتى إنها نسيت في غمرة التخيل أنها شبه حالمة أو في أحلام اليقظة!! ومر عليها بقية الشريط كلمح البصر، حيث وجد الشيطان بمكان ما متخفّيًا، وانتهز التفاتة سريعة فانقض على الفريسة وأنشب فيها مخالبه وأوقع بها الهزيمة وكان له ما أراد أنت طالق.. لقد انتهى ما بيننا.. لا تراجعي قولي أنا أسف.. لا تحاولي.

هكذا بكل سهولة اقتنص الشيطان فريسته. اقتنصها ووقف يتفرج !! 

ارجوك.. أعطني فرصة للمراجعة هكذا بلا مقدمات أو أسباب قوية أو مقنعة ... أنا هنا في زيارة لبيت أسرتي وهذا لا يليق لماذا هنا بالذات؟ سأسافر معك إلى بيتنا وهناك نتفاهم بهدوء .. ونحل المشكلة معًا بما يرضي الله. 

لقد طلقتك وانتهى الأمر، ولقد فكرت ولا مجال للمناقشة .. وضحك الشيطان طويلًا واستلقىٰ على قفاه من شدة الضحك والفرحة.

سأنسىٰ ما قلته وسأسامحك.. وأمامنا فترة العدة سأعود معك إلى بيتنا بيت الزوجية جربني فيها من جديد ليس لي بعد الله إلا أنت.. أعطني فرصة وسأعمل ما يرضيك.. ما حدث بيننا كسحابة صيف سرعان ما تنقشع ويصفو الود.. هيا نتصالح ونرجع إلى البيت.

فترة العدة 

تذكرت تلك اللحظات وهي تستجدي عطفه وتستحثه للصفح، وتذكرت إصرارها على العودة لقضاء فترة العدة في منزل الزوجية، حيث إنها لم تأت بفاحشة مبينة لتحرم من المكوث فيه، وإصراره على الرفض وتنهدت ساعتها بحسرة وهي تشهد تقلب الأيام. 

فها هى خيوط الوصال قد وهنت وتمزقت حين طارت إحدى صديقاتها من عشها رغمًا عن الزوج إثر خلاف نشب بينهما طارت وظنت أنها تعلو وترتفع بهذا الطيران الخطر لكنها في الحقيقة طارت لتقع.. وارتفعت لتهبط بينما الزوج يلح عليها ويحاول إقناعها بالعودة للعش الذي فقد دفته وبردت حرارته، لكنها أبت إلا الفراق سبحان الله حينها كنتُ أحاول أقنعها أن تعود.. أن تقضى عدة طلاقها في بيت زوجها علها تفيء فيها ولو بعد حين إلى أمر الله ﴿لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَٰلِكَ أَمرا﴾ (الطلاق: 1). 

تمنته يفعل كما فعل ذلك الزوج.. إن الوضع الآن معكوس حدثت نفسها عله يتراجع لأعود لمملكتي الصغيرة الغالية، ربما عادت ينابيع الوداد - التي جفت - من جديد.. ربما اتصلت حبال المحبة، التي انقطعت وخيوطها التي وهنت لتقوى من جديد.. من يقنع هذا الزوج؟ ليته يفعل.. انتبهت على صوته الجافي يأتيها من بعيد. 

لا عودة لك بعد اليوم.. أنت طالق ... نعم .. امكثي عند أهلك وستصلك ورقة الطلاق !! هكذا أطلق الشيطان ضحكاته منتشيًا، وولّى مسرعًا فقد نجح نجاحًا باهرًا إذ نال الوسام وسام القرب من إبليس اللعين!. 

وفستاني الأبيض .. وأحلامي .. وشجرة الورد .. وزهر الياسمين .. وذكرياتي .. و .. و .... أفاقت من تلك الغفوة على صوت يهزها بقوة من أعماق قلبها من رأسها إلى أخمص قدميها .. الله أكبر الله أكبر .. إنه صوت الأذان .. أذان المغرب. 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت فيلتزمه» ( مسلم ) 

دوام العشرة 

لقد حرص الإسلام على هذا الميثاق الغليظ أن يستمر ويقوى وأحاطه بسياج من التعليمات والواجبات والحقوق التي تقيه من الانفصام، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم حثنا على كل عمل يزيد من قوة عراه، ولو بالكلمة فها هي زوجه عائشة رضي الله عنها حين سألته عن حبه لها أخبرها أنه، كالعقدة ولا شك أن ذلك مما يزيد في المحبة ويرغب في دوام العشرة.

كما يأمر الله الأزواج بحسن عشرة نسائهن والصبر عليهن حال كرههن فيقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا ﴾ ( النساء: 19) وفي المقابل يحذرنا مما يفصم تلك العرى فيتوعد من يفسد امرأة على زوجها بلعنة الله فيقول: « لعن الله من خبب امرأة على زوجها ....... ( رواه أبو داوود )، ويحذر المرأة من طلب الطلاق بغير سبب فيقول: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» ( رواه  أبو داوود ). 

نعم إنه الطلاق .. أبغض الحلال إلى الله تعالى، وذلك لما يترتب عليه من فك عرى ذلك الميثاق الغليظ الذي وثقه الله، وهو مع آخر المراحل حيث يسبقه مرحلة الصلح بين الزوجين بكل الطرق وبشتى الوسائل، فإن فشلت هذه السبل جميعها كان الطلاق في النهاية أمرًا لا مفر منه..﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا ﴾ (النساء: 130).

الاحتكام إلى الشرع والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا لا يحتكم بعض الأزواج والزوجات عند وقوع الخلاف بينهما إلى كتاب الله تعالى حيث لا ظالم حينئذ ولا مظلومة متناسين أو غافلين عن قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعتُم فِي شىءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱليَومِ ٱلأٓخِر ذَٰلِكَ خَير وَأَحسَنُ تَأوِيلًا ﴾ ( النساء: 59). 

ولماذا تستفز بعض الزوجات أزواجهن بطلب الطلاق عند وقوع أي خلاف؟ وما الذي يلجئ بعض الأزواج إلى طلاق زوجته بطريقة مهينة قد لا يرضاها لأخته، أو ابنته فيترك بذلك أثرًا سيئًا وجرحًا غائرًا قلما تمحوه الأيام والله تعالى يقول: ﴿فَأَمسِكُوهُنَّ بِمَعرُوفٍ أَو سَرِّحُوهُنَّ بِمَعرُوف﴾ ( البقرة :۲۳۱ ) ويقول: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ ٱلفَضلَ بَينَكُم إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ( البقرة: ٢3٧ ). 

ولماذا يحرص البعض منهم على هتك ستر شريك حياته، وإفشاء سره، وكشف ما خفي عن الناس من عوراته وكأنهما في معركة يحرص كل منهما على أن يكسبها، وقد كان كل منهما لباسًا لصاحبه في يوم من الأيام؟! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة» (رواه مسلم). 

وكيف يسمح الزوج لامرأته أو يطلب منها أن تغادر بيتها إلى منزل أسرتها عند الخلاف أو ساعة الطلاق؟! حتى صار ذلك أمرًا متعارفًا عليه سواء أمر به الزوج أو قامت به الزوجة دون النظر إلى أمر الله تعالى بالمكوث في بيت الزوجية لقضاء عدة الطلاق فيه حيث يقول سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحصُواْ ٱلعِدَّة وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُم لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخرُجنَ إِلَّآ أَن يَأتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَة وَتِلكَ حُدُودُ ٱللَّه وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُۥۚ لَا تَدرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَٰلِكَ أَمرا ﴾ (الطلاق: 1)

وما الحال مع وجود أطفال وأولاد بينهما؟ ترى كم نصيبهم من الخسائر في تلك المعركة وكلا الأبوين يشدهم إلى جانبه كل يمسك بذراع!! وتتجسد الأنانية في أعلى صورها وأبشعها حين يحرمون من أحد الأبوين أو كليهما بفعل الوالدين أو أحدهما! 

وهل يحق لأي من الزوجين أن يأخذ من مال غيره بالباطل ولو كان زوجه مستحلًا ذلك بسبب الخلاف أو الانفصال؟ 

ألا ما أكمل النفوس التي تتعالى على تلك الأعمال وتترفع عن الوقوع في الظلم، لأنها ترى الله تعالى في كل عمل، وتؤثر رضاه على هواها، فتحتكم لشرعه وتقيم حدوده وتتسامى على الأنانية وحب الذات محققة قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟» (متفق عليه ) .

 

الرابط المختصر :