العنوان بابوية النقد وأدب الإسلام
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1988
مشاهدات 84
نشر في العدد 866
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 10-مايو-1988
نشرت مجلة "المجتمع" بالعدد
853 لسنة 1408هـ مقالًا للأستاذ عبد العزيز التميمي عن النقد الذاتي جاء به: إن من
يرتكب خطأ ذا طابع شمولي، يصيب أكثر من فرد، ومن يرتكب خطأ على رؤوس الأشهاد يُنبه
لخطئه علنًا وعلى رؤوس الأشهاد؛ كي لا يقع من يراه في نفس الخطأ إحسانًا للظن به.
واستدل على ذلك بهزيمة المسلمين في أحد؛ بسبب تفريطهم، ومع ذلك لم يجاملهم الشرع،
ولم يؤخذ البلاغ لهم. وذكر أن إعلان النقد الذاتي وطرحه بين الناس ليس خطرًا على
الدعوة، وأن حجب النقد الذاتي عن التداول المعلن إنما هو حرمان ظاهر لأبناء الدعوة
من إثراء الحوار فيه، وتجريد لهم من سلاح المراجعة.
ومن قبل عام 1407هـ، نشر الأستاذ محمد
قطب كتابه "واقعنا المعاصر" نقد فيه الإمام حسن البنا؛ لأنه قد تعجل في
السير بحركة الدعوة، بدخولها في القضايا المثارة على الساحة، كمحاربة الشيوعية،
وقضية مصر مع بريطانيا، وكدخول حرب فلسطين عام 1948.
ثم نقد من قالوا: إن الشخص إنما يكتسب
صفة الإسلام بمجرد النطق بالشهادتين باللسان، وطالب بعدم طاعة من قالوا هذا
واعتبرهم أضل من المرجئة، وقال: إذا قام فكر الجماعة المسلمة على ثبوت الإيمان
بالنطق بالشهادتين ولو لم يعمل عملًا من أعمال الإسلام، فهذه مخالفة صريحة للكتاب
والسنة، وينبغي أن يراجع مبدأ السمع والطاعة لذلك. ص444-499.
وفي عام 1408هـ، نشر كتابه «مفاهيم
ينبغي أن تصحح»، نقد فيه من سماهم بالمرجئة الحديثة، واتهمهم بتفريغ لا إله إلا
الله من توحيد الاعتقاد، وتوحيد العبادة، وتوحيد الحاكمية، ومن التخلق بأخلاق
الإسلام، ص173-175.
ثم قال: إنهم انحرفوا بمفهوم العبادة
فحَصَروها في الشعائر التعبدية، فأخرجوا منها العمل بجميع أنواعه، ص198-201،
واتهمهم بارتكاب جناية أكبر من جناية المرجئة القدامى؛ حيث وصفوا المجتمعات التي
لا تحكم بما أنزل الله بأنها مجتمعات إسلامية، ووصفوا الناس بأنهم مسلمون طالما
كانوا يقولون بأفواههم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ص107.
من قبل أيضًا ظهر كتاب "الجماعات
الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة" تأليف سليم الهلالي وزياد الدبيح، وطَعنا في
كل مخالفيهما في الرأي، واتهماهم في عقيدتهم وإسلامهم؛ لأنهم يقولون بالتفويض في
آيات الصفات دون تأويل أو تعطيل، وزعم المؤلفان أن هذا الطعن أمر بالمعروف ونهي عن
المنكر.
كما زعم شيخ كبير أن المسؤولين بشؤون
القُصّر يأكلون أموال اليتامى ظلمًا، وساق إليهم الوعيد الوارد في القرآن الكريم؛
لأنهم يستثمرون أموال الحساب الجاري باسم الإدارة، ولا يسلمون من بلغ الرشد ثمن
السهم بسعر السوق.
تحديد المفاهيم
إن الكاتب الأول قد طالب بنقد المخطئ
وإعلان ذلك؛ حتى يتجنبه الجميع، ولم يبين ما يخضع للإنكار والنقد، وما لا يخضع له،
وبهذا فتح الباب لكل من هب ودب لدخول حلبة السب والتجريح للآخرين تحت ستار النهي
عن المنكر أو عدم مجاملتهم.
وباقي الكُتاب قد أنكروا على من
خالفهم؛ لأن السكوت على المخالفين يجعل الناس يحسنون الظن بهم، ولم يفرقوا بين ما
يخضع للإنكار وما لا يخضع لذلك.
ويُدرك كل ذي حس وبصيرة أن الحالات
المذكورة، والتي اعتبرها هؤلاء الكتاب من المنكر الواجب إزالته، وعدم السكوت عنها
حماية للإسلام والمسلمين.
هذه الحالات لا تخرج عن ثلاثة أنواع:
• الأول:
اختيار حكم شرعي، وعليه جمهور الفقهاء كالتفويض في آيات الصفات.
• والنوع
الثاني: هو اجتهاد في اختيار وسيلة الاستثمار الأَنفع للقُصّر، الذي يلزم به
الرجوع إلى أهل الخبرة، فالحكم على الشيء فرع من تصوره، فلو كان الرأي المرفوض قد
نُفّذ وتسلم من بلغ الرشد قيمة الأسهم بسعر السوق دون أن يتم بيعها لترتب على هذا
إشهار إفلاس جميع القصر، التي سُجلت هذه القيمة عليهم؛ حيث إن الأسهم قد انخفضت.
• والنوع
الثالث: تنفيذ ما اعتقده المسلم أنه واجب شرعي كالدفاع عن شعب فلسطين ضد الاحتلال
الصهيوني، والعمل على إخراج الإنجليز من القتال، ومحاربة الإلحاد، وعدم تكفير
المسلم.
فهل نزل الوحي بحكم من عند الله اختص
به من مارسوا الإنكار في هذه الحالات؛ بحيث يصبح من خالفهم قد ارتكب منكرًا تجب
إزالته، أم أن هذه أمور اجتهادية ويتم الحوار فيها، فلا يُتهم المخالف أنه مزعزع
العقيدة أو من المرجئة أو ممن يأكلون في بطونهم نارًا، أو غير ذلك من الأوصاف.
يجب أن يقف الناقد عند هذه الحدود
الشرعية، فالرأي المخالف ليس منكرًا، وصاحبه ليس مبتدعًا.
1. من
المتفق عليه بين الفقهاء أن إنكار المنكر لا يكون إلا في الأمور المُجمع على أنها
من المنكرات، فلا إنكار في الأمور الخلافية. قال الإمام الغزالي: «ليس للحنفي أن
ينكر على الشافعي، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي» (1)، وقال الملا علي القاري:
«لا اجتهاد في الأمور الخلافية» (2). ويقول الإمام ابن تيمية: «يدخل في المعروف كل
واجب، وفي المنكر كل قبيح، والقبائح هي السيئات، وهي المحظورات كالشرك والكذب
والظلم والفواحش» (3).
2. بل
إن المحتسب المكلف من الحاكم المسلم بإنكار المنكر وبالأمر بالمعروف، ليس له أن
يمارس سلطته في الأمور الخلافية. قال الماوردي: «إن الاجتهاد في الأمور الخلافية
حق مشاع، فلا يحمل المحتسب غيره على اجتهاده» (4).
3. ومن
ضوابط الإنكار عند السلف، الإسرار بالنصيحة، فتوجه إلى المنوط بها دون سواه، قال
الماوردي: «وليخرج تعليمه مخرج المذاكرة والمحاضرة لا مخرج التعليم والإفادة» (5).
وأخيرًا، هل أصبحت هذه الأمور
والاجتهادات التي يرجع بعضها إلى عام 1948م كالدفاع عن الشعب الفلسطيني هي الخطر
على الإسلام؛ حتى يُشغل الرأي العام الإسلامي بها وتصدر لها هذه الكتب، لتزيد
الخلافات القائمة.
رحم الله الإمام البنا، الذي أدرك هذا
المرض، فنادى بأن يتعاون المسلمون فيما اتفقوا عليه، وأن يعذر بعضنا بعضًا فيما
اختلفوا فيه.
_____
الهوامش:
(1) إحياء علوم الدين جـ2، ص:290
(2) المبين المعين في فهم الأربعين، ص:190
(3) العقيدة الأصفهانية، ص:121
(4) الأحكام السلطانية، ص:231
(5) فقه الدعوة في إنكار المنكر للأستاذ عبد الحميد البلالي، ص:198