; بالتضحيات.. حرر شعب تونس نفسه | مجلة المجتمع

العنوان بالتضحيات.. حرر شعب تونس نفسه

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 22-يناير-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1936

نشر في الصفحة 20

السبت 22-يناير-2011

قصة الثورة بدأت من هنا؛ «محمد بوعزيزي» شاب جامعي في السادسة والعشرين من عمره، لم يجد وظيفة بسبب الفساد الحكومي، فقرر بيع الخضار والفاكهة على عربة «يد» في بلدة «سيدي بوزيد» جنوبي البلاد.. اشترى البضاعة بالدَّيْن، ووقف في إحدى ساحات المدينة على أمل أن يبيع بضاعته ويسدد دينه، لكن موظفي البلدية كانوا له بالمرصاد، فقد حرضوا السلطة الباطشة ممثلة في جنود الشرطة عليه، وقامت امرأة شرطة بصفعه على وجهه..

توجه الشاب المكلوم إلى مقر الولاية شاكيًا.. لكن أبواب الظالمين مغلقة على الدوام.. «صعبت عليه نفسه» كثيرًا؛ فقرر إشعال النار في نفسه.. فكانت الثورة التي خلعت الدكتاتور.. 

لطالما تكرر المشهد في شوارع مصر كلها.. باعة جائلون على الأرصفة وفي الشوارع، معهم عربات يجرونها باليد، أو تجرها الحمير، أو «نصبة» من خشب متهالك، أو حتى ملاءة أو كرتونة مفروشة على الأرض.. فجأة تحدث حالة من الذعر، ويبدأ الجميع في لململة أغراضه والتوقف عن البيع والهرب بسرعة! فقد وصلت حالة إنذار مبكر من العيون التي تعمل لصالح هؤلاء الباعة بأن هناك هجمة من البلدية. 

المشهد التالي: عربة نقل حكومية تحمل بعض عربات اليد، وكميات من البضائع المصادَرة، ومجموعة من الوحوش البشرية التي ترتدي زيًا رسميًا تأكل بنَهَم ما تم السطو عليه، من أرزاق سيّئي الحظ الذين لم يتمكنوا من الإفلات من قبضة البلدية، إن كانت البضائع المصادرة مواد غذائية، أو يقتسمون بقية الغنائم التي لا تؤكل. 

صحيح أن الباعة الجائلين أصبح عددهم يفوق الحصر،  وأنهم أصبحوا عبئًا كبيرًا على الأرصفة والشوارع والسيارات والمارة، لكن الصحيح أيضًا أنهم بشر يريدون أن يكتسبوا، ولم توفر لهم الدولة فرص عمل بديلة، ولا وفّرت البلديات ساحات خاصة يفترشونها، ولا يملكون ملايين يدفعونها لشراء محلات بأسعار فلكية.. وغير صحيح أن تُصادر بضائعهم لصالح منعدمي الضمائر ممن توزع عليهم الغنائم- صغارًا وكبارًا- فيأكلون منها ويشربون ويلبسون ويتمتعون هم وأسرهم، بينما صاحب البضاعة المسكين يكاد يموت كمدًا لضياع كل رأسماله،  وربما كان مدينًا بثمن البضاعة لتاجر لا يرحم. 

في تونس، كان المشهد مماثلاً، «وقديمًا كتب بيرم التونسي عن ظلم المجلس البلدي»: «محمد بوعزيزي» شاب جامعي في السادسة والعشرين من عمره، لم يجد وظيفة؛ لأن الاستثمار شبه متوقف في تونس بسبب الفساد الحكومي، فقرر أن يبيع الخضار والفاكهة في عربة يد في بلدة «سيدي بوزيد» جنوبي البلاد.. اشترى البضاعة بالدَّين، ووقف يوم السابع عشر من ديسمبر الماضي في إحدى ساحات المدينة على أمل أن يبيع بضاعته ويسدد دينه، لكن موظفي البلدية كانوا له بالمرصاد، فقد حرضوا يد السلطة الباطشة ممثلة في جنود الشرطة، وكانت امرأة.. صفعت «بوعزيزي» على وجهه!! 

توجه الشاب المكلوم إلى مقر الولاية شاكيًا، لكن أبواب الظالمين مغلقة على الدوام أمام أصحاب الحاجات؛ فقد مُنع من مقابلة أي مسؤول.. «بوعزيزي» «صعبت عليه نفسه» كثيرًا، ويبدو أن له من اسمه نصيبًا، ولعله حدّث نفسه قائلاً : هانت علينا أنفسنا فهنا على الناس.. أتصفعني امرأة على وجهي لأني أحاول كسب عيشي من حلال، و«الأسر الفاسدة» «كما يسمون أسرة «بن علي» وأسرة زوجته» تنهب البلاد بلا رقيب، ثم ينحني لها المنافقون تعظيمًا؟ ما قيمة الحياة إذًا؟ 

«بوعزيزي» كان عمره سنتين أو ثلاثًا حين اغتصب «بن علي» السلطة من سلفه «بورقيبة» الذي لم يكن أفضل حالاً منه.. عاش «بوعزيزي» ومات، والنظام يشن حربًا لا هوادة فيها على الإسلام، ولا لعله لم يسمع أن قتل النفس حرام، أو لعله وصل إلى حالة من فقدان العقل بسبب الإهانة التي لحقت به، فقرر أن ينتحر حرقًا.. سكب مادة مشتعلة على جسده أمام مقر الولاية أصابته بحروق شديدة وتوفى. 

وتتناقل بعض مواقع الإنترنت رسالة تقول: إنه بعثها لأمه قبل موته تكشف- إن صحت نسبتها إليه- حالة القهر التي عاشها، والدموع التي سكبها.. تقول الرسالة بالعامية التونسية: 

«مسافر يا أمي، سامحيني، ما يفيد ملام، ضايع في طريق ما هو بإيديا، سامحيني كان عصيت كلام أمي.. لومي على الزمان ما تلومي عليّ، رايح من غير رجوع.. يزّي ما بكيت وما سالت من عيني دموع، ما عاد يفيد ملام على زمان غدّار في بلاد الناس.. أنا عييت ومشي من بالي كل اللي راح، مسافر ونسأل زحمة السفر باش ينسى». 

أحرق «بوعزيزي» نفسه، فأصبح جسده شعلة أضاءت للتونسيين طريق الثورة على الاستبداد.. ثورة اجتماعية تواصلت ضد غلاء المعيشة والبطالة والفساد، قدمت عشرات الشهداء، وكسرت حاجز الخوف والرهبة عند الناس. 

استمرت المظاهرات وانتشرت في كل المناطق، حتى وصلت إلى أحياء العاصمة، أدرك المستبد أن الشعب إذا غضب فلن تمنعه عنه قوات الأمن والمخابرات، ولا خدماته الجليلة لأسياده في الغرب، فحاول خداع الشعب بوعود وهمية، لم تنطل على الناس، فلو كان صادقًا: لماذا لم يقدمها قبل اليوم من تلقاء نفسه؟ حتى حين قال: أنه لن يترشح لانتخابات الرئاسة المقبلة؛ استكثر الناس أن يعيش الطاغية بينهم يومًا واحدًا، بل دقيقة  واحدة..  وقالوا له: اخرج من هنا.. تمامًا كما قال رجال البلدية لـ«محمد بوعزيزي». 

وحين وصلت المظاهرات يوم الجمعة إلى مبنى وزارة الداخلية، رمز سطوة وبطش كل نظام مستبد.. حين وقف الآلاف دون خوف أمام مبنى الوزارة حتى التي كانوا يخشون نطق اسمها؛ أدرك «بن عليّ» أن ساعة الحساب قد أزفت، فقرر الهرب من السفينة الغارقة مثل كل الجرذان. 

يرحم الله «بوعزيزي».. نسأل الله أن يغفر له فعلته، ويرحم كل شهداء تونس الذين سقطوا خلال انتفاضتهم الأخيرة، فقد قدموا درسًا مهمًا للشعوب المقهورة، وهو أن تضحيات الشعوب هي سبيل الخلاص من الظلم والاستبداد.. ونصر الله شعب تونس ومكّنه من استكمال تحقيق إرادته وحريته.. أما المستبد الظالم فقد انتقل إلى «مزبلة»  التاريخ غير مأسوف عليه.. وعسى أن يلحق به آخرون.. قريبًا إن شاء الله.

الرابط المختصر :