العنوان بانتظار نهاية المأساة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1988
مشاهدات 97
نشر في العدد 876
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 26-يوليو-1988
كان الإعلان الإيراني بالموافقة على القرار (٥٩٨) الخاص بوقف الحرب مفاجأة حقيقية للمجتمع الدولي، الذي عهد عن إيران العناد والمكابرة في الاستمرار في الحرب ولكن إيران فعلتها أخيرًا... وفتحت الآمال واسعة بوضع حد لهذا النزيف الدامي بين البلدين المسلمين، والذي ما زال يسيل منذ ٨ سنوات وحتى الآن.
هذا الاقتتال المرعب خلال هذه السنوات كلف البلدين أكثر من مليون قتيل حسبما أشارت بعض المصادر وحوالي ٧٠ ألف أسير سوى الجرحى والمشوهين، وقدرت الخسائر الاقتصادية للطرفين بعدة مئات من مليارات الدولارات، وتعطل الاقتصاد المزدهر للبلدين في فترة ما قبل الحرب وتوقفت معظم مشاريع التنمية والتطوير فيها.
وأدت هذه الحرب إلى تأزيم الوضع السياسي في المنطقة عقدًا كاملًا من الزمان، وخلقت ظواهر خطيرة كالإرهاب المسلح والطائفية، وأوجدت في الصف العربي انقسامًا وتشتتًا بمساهمة بعض الأنظمة العربية، وأعطت نيران الحرب منذ سنواتها الأولى مناخًا ملائمًا للغزو اليهودي للبنان، وألغت أي فرصة للعمل العسكري العربي ضد العدو الصهيوني، بل وجمدت القضية الفلسطينية على ما يحب اليهود ويشتهون لولا انطلاقة الانتفاضة المباركة.
وأعطت هذه الحرب كل المبررات لتدخل أساطيل الدول العظمى في الخليج، ومكنت هذه الدول من تسويق سلاحها وعتادها الحربي إلى الأقطار الخائفة من امتداد الحرب إليها، وإن إي نظرة واقعية وموضوعية لتفصيلات هذه الحرب ونتائجها المباشرة سوف تجعل من إيران والعراق الطرف الخاسر الأول من استمرارها تليها في ذلك دول الخليج وباقي الدول العربية القريبة، بينما تقف القوة الأجنبية في الجانب المستفيد والمكتسب من وراء كل عمل عسكري في هذه الحرب البغيضة.
ويبقى التساؤل قائمًا: هل إيران جادة في إعلانها قبول القرار ٥٩٨؟
إن كل المعلومات الواردة من داخل إيران تشير إلى حاجة النظام الملحة إلى وقف الحرب لأسباب عديدة يأتي في مقدمتها: الفتور العام لدى الشعب الإيراني تجاه أفكار الثورة ومشاريعها، وانغماس المواطن الإيراني في معاناة دائمة في توفير لقمة العيش في ظل اقتصاد متدهور أنهكته الحرب، ثم الانتكاسات السريعة المتلاحقة على الجبهة منذ أن انتزع الجيش العراقي زمام المبادرة في القتال واستطاع تصفية جميع مكاسب إيران العسكرية التي كلفت الجيش الإيراني مئات الألوف من الأرواح في سبيل تحقيقها.
لقد بدت الحرب تسير في طريق مسدود، وأدرك النظام في إيران وإن كان متأخرًا أن هذه الحرب عقيم، وأن الترتيب لإنهائها بصورة ملائمةهو الموقف الأكثر عقلانية، وعلى هذا فإن النظام يرغب فعلًا في نهاية الحرب ولكنه يبحث عن مخرج مشرف أمام الشعب الإيراني الذي خسر كثيرًا حتى الآن.
وقد أعلنت معظم دول العالم عن ترحيبها بالإعلان الإيراني، بينما أعلنت بعض الأطراف عن ترحيبها بالإعلان مع تحفظها على نوايا النظام بشأن الحرب، وأبدت أطراف عديدة عن ارتيابها من جدية إيران في التوجه نحو السلام، ولا شك أن القيادة الإيرانية مطالبة الآن بإزالة هذه الشكوك وإنهاء الارتياب حول نواياها وذلك بالموافقة على تدابير سريعة لوقف القتال والبدء في مرحلة فك الاشتباك والدخول في خطة مجلس الأمن المعلنة بهذاالخصوص.
وسيكون من غير مصلحة إيران والمنطقة أن تبدأ القيادة الإيرانية بالمناورة والمخادعة للتهرب من بنود القرار (٥٩٨)، بالمطالبة بشروط تعجيزية لإحلال السلام أو ابتزاز دول المنطقة بفرض تعويضات مالية باهظة لأجل حرب تقف القيادة الإيرانية کطرف مسؤول فيها، أو محاولة كسب الوقت خلال المفاوضات للإعداد لمحاولات عسكرية جديدة خاسرة تزيد الوضع في المنطقة انتكاسًا.
ومع تقديرنا للموقف العراقي الحذر وغير المطمئن للإعلان الإيراني حول إيقاف الحرب، فإننا ندعو الأشقاء العراقيين لبذل أكبر جهد ممكن لإعطاء الفرصة للسلام، وأن يلتزموا بضبط النفس لتفويت الفرصة على أي عمل عسكري يتخذ كذريعة لنسف هذه البادرة الجديدة، والتي قد لا تتبعها باردة مماثلة قبل وقت طويل.
وإن المكاسب الكبيرة التي يمكن تحقيقها من وقف الحرب لا تقدر بثمن، فمنها وقف سيل الدماء النازف وإطلاق سراح عشرات الآلاف من الأسرى وإعادة آلاف الأسر المشردة إلى قراها ومدنها القريبة من جبهة القتال، ومنها البدء في إعادة البناء والإعمار في البلدين المتحاربين واستغلال ما تبقى من الطاقات والأموال في دعم خطط التنمية والبناء الاقتصادي، ومنها إزالة التوتر في المنطقة عمومًا وإعادة إحياء الحياة الاقتصادية وتلطيف المناخ السياسي وكسر شبح الطائفية الجاثم في النفوس.
وإذا كان مجرد الإعلان من قبل إيران على الموافقة على السلام قد أنعش العملات ورفع أسعار النفط وزاد من الإقبال على تجارة الأسهم في بعض الأسواق، فما هي الإيجابيات إذًا لو استمرت الجهود وأصبح السلام حقيقة واقعة؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل