العنوان بداية الحلم الأوروبي .. نهاية الكابوس الإفريقي
الكاتب إبراهيم الخشابي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1998
مشاهدات 69
نشر في العدد 1285
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 20-يناير-1998
موضوع الغلاف.
المجتمع ترصد رحلة الطيور السمراء المهاجرة إلى الشمال.
طنجة
بداية الحلم الأوروبي.. نهاية الكابوس الإفريقي
● عمليات تهريب البشر تبدأ بكوب شاي في مقهى على شاطئ طنجة وقد تنتهي في بطن القرش
● تفاصيل الرحلة الليلية المرعبة والبحَّار المخادع الذي لا ينسى أن يأخذ البقشيش
الرباط: إبراهيم الخشباني
عندما كانت أوروبا قد خرجت لتوها من حرب عالمية ثانية دمرت كل بنياتها وكانت في حاجة إلى إعادة البناء، كانت تبعث إلى دول الجنوب في طلب اليد العاملة، وكان الذهاب إلى هناك من أيسر الأمور، حيث ظل المغربي مثلًا حتى أوائل الثمانينيات يمكنه الدخول إلى أغلب الدول الأوروبية دون حاجة إلى تأشيرة، كان المهاجرون يستقبلون هناك دون مشاكل، وتسوى وضعيتهم القانونية بسرعة لحاجة البلاد إلى خدماتهم.
ولكن مع انتهاء فترة البناء أخذت أوروبا تستغني عن الذين ساهموا بشكل كبير في إعادة بنائها، وأصبحوا يشكلون عبئًا ثقيلًا عليها تسعى بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة إلى التخلص منهم، وهكذا أغلقت الأبواب في وجه الراغبين الجدد في الهجرة، هؤلاء الذين كانت دول الشمال وراء نهب خيرات بلادهم، ودفعها إلى مزيد من التخلف وازداد إحكام إغلاق الأبواب مع انهيار المعسكر الشيوعي وسقوط جدار برلين في نهاية الثمانينيات. إذ أصبح لدى أوروبا الغربية الغنية جدًّا همٌّ آخر: مساعدة بني جلدتها الأوروبيين الشرقيين الفقراء جدًّا، وليس رد الجميل إلى الذين بنوا ترفها الحالي بعرق جبينهم أصبح الهاجس إذن بعد التخلص من جدار برلين هو تشييد جدار آخر جنوبًا في عرض البحر المتوسط لبنته الحيطة والتوجس لوضع حاجز سميك بين الشمال المتخم المترف والجنوب الجائع الفقير وفي المقابل لم يمت الحلم الأوروبي في خيال قاطني الضفة الأخرى من المتوسط هؤلاء العالمين بغد
أفضل والمتيمين بعواصم الغرب رغم صدها لهم، وهكذا نشطت الهجرة السرية بكثافة خلال العقد الأخير، وكونت لها - بحكم قانون العرض والطلب - مؤسسات مافيويَّة تجني أرباحًا هائلة من النصب على الراغبين في الهجرة إلى الشمال ومن بيع خيوط الوهم لهم. ورغم إحكام الحراسة بشكل غير مسبوق عرفت الهجرة السرية خلال الصيف الفائت ذروة لم تعرفها من قبل، حيث تم اعتقال حوالي ٥٠٠ مهاجر سري في هذا الصيف من بين حوالي ۳۰۰۰ منذ بداية سنة ۱۹۹۷ فقط، أغلبهم مغاربة، ولكن الأفارقة القادمين من جنوب الصحراء الكبرى أخذت أعدادهم تتكاثر بشكل جد ملحوظ، خصوصًا مع ازدياد التوترات والحروب الأهلية في بلداتهم.
وتعتبر طنجة أقصى نقطة في شمال القارة الإفريقية، والناظر إلى أي خريطة يخيل إليه -من خلال هذا الخط الرفيع الذي يمثل مضيق جبل طارق - أن إفريقيا وأوروبا ملتصقتان تمامًا، فنظرة واحدة إلى الخريطة تكفي إذن لفهم ما الذي يجعل هذه المدينة تصبح نقطة تجمع الأفارقة القادمين من كل جهات القارة .. إنها نهاية الكابوس الإفريقي وبداية الحلم الأوروبي.. كيف تحولت هذه المدينة التي كانت في زمن ما ثغرًا ومدخلًا لإفريقيا إلى مخرج إغاثة بالنسبة للذين لم يبقوا يحلمون إلا بشيء واحد الهروب من البطالة ومن الفقر؟ مرت مغامرة الأفارقة هذه في رحلتهم صوب أوروبا بثلاث حقب، وتعود البدايات الأولى إلى أواسط الثمانينيات، عندما كان السنغاليون والبوركينابيون والماليون على الخصوص يصلون إلى طنجة لقضاء أسبوع أو أسبوعين يعرضون خلالهما للبيع على أرصفة المدينة بعض منتوجات الصناعة التقليدية لبلدانهم: نُصُب صغيرة من خشب الأبنوس أو هو في الحقيقة خشب آخر أسود يعرض على أنه أبنوس تمائم عقود وقلادات من المحار، وتحف تقليدية أخرى تثير فضول المغاربة والسياح الأجانب، وعندما يتمون بيع ما جلبوه معهم ويضعون ريعه في جيوبهم فإن هؤلاء المسافرين الذين تحولوا بالضرورة لفترة إلى باعة متجولين سرعان ما ينطلقون في اتجاه أوروبا عبر كل الوسائل بحيث يتوصلون مهما كانت العراقيل إلى اختراق الحدود الإسبانية.
في البداية كانت شرطة الحدود سواء المغربية أو الإسبانية متساهلة في السماح لهم بالمرور فهؤلاء العابرون الجدد يمكن أن يكونوا مجرد سائحين، وهم في أغلبهم لم يكونوا -على كل حال- يمكثون في إسبانيا التي لا يتكلمون لغتها، والتي لم تكن توفر فرص شغل، لكنهم يمرون عبرها فقط، وقد كانوا يسجلون في بطاقة المرور: (الاتجاه النهائي: فرنسا، المهنة: طالب، سبب السفر: سياحة) وكانت الخدعة تنطلي آنذاك بسهولة، والحقيقة أن العبور لم يكن يقلق أحدًا في ذلك الوقت، ولم تكن الهجرة المكثفة القادمة من إفريقيا قد أخذت بعد صيغة الظاهرة اللافتة بالنسبة لأوروبا، خصوصًا عبر مضيق جبل طارق، ومن المؤكد أن الذين كان لهم حظ العبور في تلك الفترة يتمتعون الآن بوضعية قانونية في مكان ما في أوروبا.
منذ بداية عقد التسعينيات أخذت الموجات الصغيرة من هؤلاء السياح والطلبة تتضخم بشكل فاحش إلى أن أصبحت موجات بشرية ضخمة بحيث صارت الوفود تأتي من كل دول إفريقيا، حتى الجنوبية الشرقية البعيدة جدًّا، مثل كينيا، وموزمبيق وغيرهما.
لم يكن الدخول إلى المغرب يشكل لهم مشكلًا لأن القنصليات المغربية في الدول الإفريقية لا ترفض مبدئيًّا تسليم تأشيرة مرور، ولكن على عكس وافدي الثمانينيات فإن أفارقة التسعينيات أو عابري الجيل الثاني أصبحوا يجدون صعوبة أكثر، فالحدود مع إسبانيا أصبحت الآن مغلقة بإحكام شديد ولم تعد هناك وسيلة لإقناع مراكز الحدود بأن هؤلاء المسافرين الأفارقة لن يقوموا بغير عبور شبه الجزيرة الإيبيرية، لأن اتفاقات «شينخين» تلزم الإسبان أمام الاتحاد الأوروبي بعدم السماح لأحد بالدخول، وأصبح اجتياز الحدود بين القارتين الجارتين أمرًا مستحيلًا، فما العمل إذن؟ البقاء في المغرب لا شيء يغري بذلك، فالبلاد لها ما يكفيها من المصاعب ولا قبل لها بإضافة عاطلين آخرين إلى عاطليها. الرجوع إلى بلدانهم الأصلية؟ لا مجال حتى في التفكير في ذلك، فالتضحيات والمشاق التي تحملها
المساكين خلال السفر الطويل والمرهق عبر كل التراب الإفريقي لم تكن لتذهب سدى، وخصوصًا أن أغلب هؤلاء الرحالة قد اقترضوا من أقاربهم المال الذي به وصلوا إلى أقصى نقطة في شمال القارة، فكيف بعد أن لم يبق لهم إلا مرمى حجر للخلاص أن يقفلوا عائدين - خالي الوفاض؛ ليجابهوا مصيرًا مقتمًا، وليتحملوا نظرات من تضامنوا معهم على أمل أن يعودوا في يوم من الأيام غانمين ليردوا الجميل بمساعدتهم هم كذلك على مجابهة البؤس أو أن يرسلوا إليهم ما يغيرون به مسار حياتهم، إذن لا مجال للعودة مخفقين مهزومين لم يبق إذن إلا الهجرة السرية، ولتنفيذها يكفي أن يحذوا حذو المغاربة الذين أصبحت لهم خبرة كبيرة بمسالكها وأصبح عدد مهاجريهم السريين عبر المضيق في تزايد مستمر، والساحل الإسباني لا يفصله عن طنجة إلا بضع أذرع مائية، نعم هناك احتمالات الفشل بالوقوع في يد الشرطة المغربية أو الإسبانية، أو الوصول جثة هامدة تلقيها الأمواج على الشاطئ أو في بطن سمك قرش أعماه الجوع فضل طريقه إلى البوغاز، ولكن ليس هناك خيار آخر.
وهكذا شيئًا فشيئًا أخذ الأفارقة يتعودون على التجمع على شرفة مقهى «مرحبا» الذي أصبح معروفًا جيدًا عند المرشحين للهجرة السرية والمتوقع في قلب المدينة العتيقة في سوكو شيكو مرتع كل العمليات المشبوهة والاتجار في كل شيء والمكائد والدسائس، وبحكم مقتضيات قانون العرض والطلب ظهرت مهنتان جديدتان في مدينة ملتقى البحرين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، مهرب الأشخاص وشريكه الذي لا غنى عنه: الوسيط الذي يجلب له الزبائن، هذا الوسيط يرتاد عادة الأماكن نفسها التي يرتادها الراغبون في الهجرة السرية، ويربط معهم علاقات، ويسدد عنهم بسخاء أثمنة الشاي المنعنع أو القهوة أو غيرهما، ثم يقترح عليهم تسهيل العبور ليلًا إلى الضفة الأخرى من المضيق بمقابل يتراوح ما بين سبعمائة وألف وخمسمائة دولار، وأحيانًا أكثر حسب شطارة الوسيط والزبون، وكذلك حسب حالة البحر ودرجة تشدد الحراسة، سواء من جهة البحرية المغربية، أو من جهة الحرس المدني الإسباني، هذا دون ثمن شراء ذمم المتواطئين الموجودين على الضفتين حتى يغضوا الطرف ويسهلوا العبور، هذا ما يؤكده الوسيط ويقسم عليه بأغلظ الأيمان، وطبعًا لا مجال معه للمساومة، إما وإما، وفسحة أمل في النجاة لا يمكن أن تقدر بثمن بالنسبة لهؤلاء الغارقين وسط طوفان الهجرة الإفريقية نحو الشمال.
يقبض الوسيط العربون من كل واحد، ثم يأخذ في البحث عن العبار الذي سوف يعبر بهم بفلكه الصغير في جنح الليل.
● الطريق إلى جبال البرانس
الطريق أصبحت الآن مسالكه معروفة بحكم التعود في هذه المرحلة يلجأ العبار إلى التماس خدمات الصيادين الذين تكون لهم الرغبة في بعض ما يكملون به مدخولهم الذي أصبح يقل سنة عن سنة مع فقدان البحر الأبيض ثروته السمكية بنفس الوتيرة المتسارعة التي يزداد بها تلوثه...
يضرب الجميع موعدًا في ساعة متأخرة من الليل في مكان ما قرب «رأس مالا باتا» على بعد خمسة كيلو مترات من طنجة، أو في أحد الخلجان الصغيرة المنتشرة بكثرة على شاطئ المتوسط ويختارون الليالي غيرة المقمرة طبعا.
في البداية كانت الرحلات تمر بدون مشاكل، إذا لم ينقلب القارب بمن فيه فلا شيء كان يعترضه، كان المهاجرون السريون ينزلون على الساحل الإسباني في وسط الليل، و«آديوس أميكوس»، أو «حظ سعيد». لقد تركوا المرحلة الأصعب وراءهم، ولم يبق إلا أن يعبروا التراب الإسباني بالأوتوستوب على جناب الطرق الثانوية، ومن السهل هناك وفي كل أوروبا أن تجد من يقف ويفتح باب سيارته ليحمل معه راكبًا أو اثنين من خارج مدينة إلى مدخل الأخرى التي تليها، وهكذا حتى الوصول إلى حدود جبال البرانس، ثم فرنسا، أو إيطاليا، أو غيرهما حيث إمكانات الشغل متوافرة، هذا إذا لم يفضل القادم الجديد المكوث في إسبانيا والبحث عن عمل هناك، وكذلك في الإمكان العبور عبر البوادي، حيث يستطيع المهاجر المغامر أن يعرض مجهود عضلاته لصاحب حقل ثم لآخر خلال موسم الحصاد مقابل ما يكفي المواصلة الرحلة وسد الرمق وحتى يتجنب المهاجر الجديد احتمال اكتشافه ومن ثم الطرد فورًا نحو المغرب ثم في اتجاه البلد الأصلي - لابد أن يتخلص المهاجر من كل الأوراق والوثائق التي تثبت هويته وفي هذه الحالة ما الذي سيواجهه الطرد؟ ولكن إلى أين؟ المغرب لن يقبله وستقول سلطاته في هذه الحالة للإسبان: نعم.... نحن على استعداد لاستقبال المهاجرين الذين تريدون طردهم، ولكن على شرط أعطونا الدليل على أنهم أفارقة، وعلى أنهم قد دخلوا أراضيكم عبر حدودنا مهمة مستحيلة بالنسبة للإسبان الذين لم يعودوا فقط أمام مشكلة بدون أوراق، ولكن أمام مشكلة أعوص، إنهم بدون أوراق وبدون لغة، وبدون جنسية كذلك، والمشكل الأكبر أنه لا يمكن إثبات أنهم أفارقة ما السبيل إلى ذلك جعلهم يعترفون كيف؟ لاشيء يمكن أن يرغمهم على الإقرار بأنهم أفارقة وقادمون من جنوب المضيق، وبما أن إسبانيا أصبحت ديمقراطية، فلم يعد هناك في الإمكان إرغامهم على الاعتراف تحت التعذيب، زمن ذلك قد ولى مع فرانكو يا حسرة - وأصبح هناك اليوم كل أنواع المدافعين عن حقوق الإنسان الذين غزوا البلاد بجمعياتهم وهيئاتهم، والذين يتربصون بكل ما يصدر من السلطة ويشمون فيه ما يحلو لهم أن يصفوه بالقمع.
● لا مناص من الرضوخ
لا مناص إذن من الرضوخ وتسوية الوضعية القانونية لهؤلاء المهاجرين ومنحهم كامل حقوق المواطنة، ولكن مع ضرورة فتح الأعين جيدًا في المستقبل وتشديد الرقابة.. لابد إذن من التعاون مع الاتحاد الأوروبي لتحويل القارة العجوز إلى قلعة مصفحة، ومن جهة أخرى انتهت إسبانيا من التسليم بالأمر الواقع، حتى يمكن إيقاف اجتياح المد المهاجر، ليس هناك إلا حل واحد: التعاون مع الجار الجنوبي، وهكذا عقدت الاتفاقات، ثم جلسات التشاور بين مدريد والرباط، وقرر البلدان العمل سوية ضد الهجرة السرية التي تضر بهما معًا. وبناء عليه رصدا عددًا أكبر من حرس الحدود الذين أصبحوا يجوبون ضفتي المضيق باستمرار، وزودا القوات الخاصة بالحراسة - التي ضاعفا من عدد جنودها - بالطائرات العمودية، والفرقاطات، وأصبحا على الخصوص يتبادلان المعلومات لرصد كل محاولات العبور اللاقانونية.
أول عمل قامت به السلطات المغربية كان حملة مطاردة لأصحاب قوارب الصيد والسفن الصغيرة الذين يقبلون بحمل مهاجرين سريين من هذه الضفة إلى تلك، ومن يومها لم يعد أي صائد يقبل بالمغامرة بهذا النوع من الرحلات فتبعات المجازفة كبيرة جدًّا، وقد أبانت العدالة بالفعل عن صرامة قوية تجاه مهربي الأشخاص.
غير أن الاعتقاد بأن الظاهرة قد تم بذلك القضاء عليها نهائيًّا يعتبر جهلًا حقيقيًّا بأن الوسيط لديه من الخيال ومن الإبداع الشيء الكثير، بما أن الصيادين أصبحوا يرفضون التعاون معه فسوف يجد قوارب بدون صيادين، وهكذا تم إنشاء ورشات بدائية لصنع القوارب على طول الساحل، ليس المتوسطي فهو صغير، ويمكن العثور فيه على مخابئها بسهولة، خصوصًا أن الرقابة عليه جد مشددة من طرف الترسانة الجديدة المغربية. الإسبانية، ولكن على طول ساحل المحيط الأطلسي ليكون أبعد ما يمكن عن مرأى الطائرات الاستطلاعية، حيث ترابط من الجانب المغربي على الدوام الوحدات الخاصة بالمراقبة في منطقة رأس سبارتيل في المدخل الغربي للمضيق، وللإفلات من عيونهم اليقظة يجب الابتعاد جنوبًا أكثر ما يمكن. إلى قرية « بريش» أو مدينة العرائش، بل وحتى مصطاف مولاي بوسلهام الشاطئي الذي لا يبعد عن العاصمة الرباط شمالًا إلا بمائة كيلو مترًا، أو تزيد قليلًا، وهكذا وجد العديد من النجارين عملًا في الكهوف الشاطئية التي تحولت إلى ورشات حيث يصنعون القوارب بآلاتهم اليدوية، ولكن القارب لم يعد كافيًا، فالمسافة إلى الضفة الشمالية للمتوسط أصبحت بعيدة، وصار لزامًا تزويد القارب بمحرك، ومحركات القوارب لا يمكن الحصول عليها بدون رخصة خاصة مسلمة من المديرية الإقليمية للشؤون البحرية، هذه الرخصة هي بمثابة شهادة الميلاد بالنسبة للقارب بمحرك، إذن لا سبيل للحصول عليها بالطرق القانونية، فالمديرية تدقق جدًّا قبل تسليمها، وهي طبعًا لن تسلمها المولود غير شرعي، فما العمل إذن هنا تبرز مواهب أخرى عند الوسطاء الذين أصبحوا يحصلون على مبتغاهم بطرق ملتوية كأن يزوروا الرخصة أو يحصلوا على محركات قديمة أو حتى جديدة بدون رخصة، حيث تصلهم مهربة هي الأخرى من الخارج.
● شبكات الحراسة
القارب إذن على استعداد ليمخر العباب مزودًا بالمحرك الملائم، ينطلق الفلك في منتصف الليل بعد أن يغطي جميع ركابه المكدسين بغطاء بلاستيكي أزرق بلون البحر، يتساوى في ذلك الإناث، ومرضى الربو والمعرضون للإعطاب، ولا يبقى ظاهرًا إلا رأس قائد القارب الذي يلبس هو الآخر لباسًا أزرق وقبعة زرقاء... ولكن بعد كل هذا فإن هموم مهرب العضلات المفتولة ليست إلا في بدايتها، كيف السبيل إلى الإفلات من عيون شبكة الحراسة التي أصبحت تضيق أكثر فأكثر، عندما تكون الرقابة مشددة في البحر يمكن تهريب الأشخاص عن طريق البر بإخفاء البضاعة داخل الصندوق الخلفي لإحدى الشاحنات التي تذرع الطريق بين إسبانيا والمغرب جيئة وذهابًا لتفرغ سلعًا وتحمل معها سلعًا أخرى في طريق العودة، وطبعًا يجب المرور عبر الطرق الثانوية التي تقل فيها الحراسة.
أما في البحر فالمشكل ليس فقط في الرقابة ولكن في قائد الزورق أيضًا الذي هو في الغالب ليس بحارًا محترفًا ولا يحسن الاتجاه شمالًا عندما يصبح في وسط اليم، وأكثر من هذا يحدث في العديد من المرات أن يتعمد التيه عن الطريق الحاجة في نفسه، إذ بعد أزيد من ساعتين من الإبحار في جوف الليل القارس تصطك خلالها ركب وأسنان الركاب من البرد ويكاد أغلبهم يختنق، يريهم الساحل في الأخير: انظروا إنها إسبانيا .. الحمد لله على السلامة، لقد نجحنا في العبور دون مشاكل... الجميع ينزل وينزلون طبعًا قبل الوصول إلى اليابسة ببضعة أمتار، بحيث يصل الماء إلى أذقانهم ويكملون المسافة مشيًا تحت الماء، ولكن مع ذلك تغمرهم فرحة عارمة بأنهم استطاعوا أخيرًا الوصول إلى اليابسة.. وأي يابسة؟ إنها أوروبا حلم السنين الذي يتحقق أخيرا، ينبههم مهربهم بصوت جد منخفض: كونوا حذرين.. اختبئوا خلف أول غابة أو كهف وانتظروا الصباح، احذروا لاجارديا سيفيل (الحرس المدني الإسباني) هؤلاء لا يرحمون، ثم يعود أدراجه نحو المغرب، وهو يرسم بذراعيه تحية وداع عريضة، يحيونه بمثلها ويشكرونه على أن أنقذهم من الفقر، رغم أنه أرغمهم على دفع بقشيش إضافة إلى أجرته بمجرد أن غادر الشاطئ المغربي، ولكن لا يهم، هل يرفض للمنقذ من البؤس طلب؟
ومع بزوغ الفجر ينهض الجميع متسللين في اتجاه أقرب مدينة أو قرية ناسين التشنجات التي كانت تلوي العضلات والأعصاب طيلة ساعات من الليل، عندما كانوا متكدسين في القارب، ويمضون مستبشرين إلى أوروبا التي وصلوها أخيرًا، تبدو سيارة قادمة بسرعة.. يجب الاضطجاع أرضًا.... إن السيارة تحمل رقمًا مغربيًا... ولا شك أنه سائح مغربي، أو عامل مهاجر عائد إلى مقر عمله ببلجيكا أو فرنسا تمر سيارة ثانية هي الأخرى تحمل رقمًا مغربيًا .. السيارات المغربية لا تنتهي... السياح المغاربة كثر في هذه الفترة من السنة، هناك أحد المارة، إنه يقترب.. يسمعون مذياعه منطلقة منه أغنية.. إنه الفلامينكو.... لا إنها نغمة مختلفة عن الفلامينكو، إنها أم كلثوم تنوح يا حبيبي.. يا حبيبي ما هذا؟ يا حبيبي في أوروبا؟ يسألون الرجل الذي يلبس جلبابًا وطاقية: من فضلك أين نحن؟ ينشرح وجهه ببسمة صباحية عريضة: أنتم على بعد خمسة كيلو مترات من المدينة.. أي مدينة تنمحي الابتسامة من على وجهه ويقف مشدوها وكأنه أمام قوم قد قدموا لتوهم من كوكب آخر ويجيب باقتضاب طنجة، انتهت الرحلة إذن... يتبادلون النظرات وقد صدقوا آذانهم مع كامل الأسف، لقد أدوا عشرة آلاف درهم حوالي ألف وسبعمائة دولار ليجتازوا خمسة كيلو مترات من طنجة إلى طنجة ذهابًا وإيابًا، من رأس مالاباطا شرقًا إلى رأس سبارطيل، غربًا، المهرب الوغد وأصر مع ذلك على أخذ بقشيش.
الحقيقة أن عدد الأفارقة بمن فيهم المغاربة الذين سافروا من هذا الرأس إلى الآخر بثمن رحلة في الطائرة من طنجة إلى باريس لا يحصى، ومع ذلك لا يزالون يبحثون عن وسائل أخرى للعبور، بما فيها البحر رغم الخطورة التي يمثلها، فليس هناك فقط المكائد والدسائس، ولكن من أبرز مخاطر الهجرة السرية الموت غرقًا، فهناك العديد من القوارب تنقلب في عرض البحر بمن فيها، والأمواج تلقي على الشاطئ يوميًا بالجثث المشوهة للمهاجرين السريين. والبواخر التي تعبر المضيق تجد في طريقها العديد من الجثث طافية على السطح، وهناك أيضًا الحراسة التي أصبحت تتكثف يومًا عن يوم، هناك إذن الكثيرون الذين لم تعد الهجرة عبر البحر تغريهم بالمغامرة، وأصبحوا يفكرون في وسائل أخرى، لم لا عن طريق سبتة أو مليلة؟
● مسالك خفية
لقد توصل الكثير من الأفارقة بالفعل إلى استئجار خدمات بعض المرشدين الذين يسهلون لهم الدخول إلى هاتين المدينتين عبر مسالك خفية تمر منها عادة البغال محملة بالسلع المهربة، غير أن كثافة التسللات جعلت السلطات الإسبانية تقيم خارج المدينتين المحتلتين إلى الجنوب حواجز من الأسلاك الكهربائية يستحيل اختراقها، ولم يعد هناك مجال للمرور، ولكن لا مجال كذلك لتثبيط من عبر كل القارة الإفريقية وأصبح على مرمى البصر من مبتغاه، يجب البحث إذن عن سبيل آخر.
وبالفعل توصل الحالمون بأوروبا إلى طريقة أخرى باستئجار بعض سائقي الشاحنات التي تقوم برحلات مكوكية بين المغرب وإسبانيا عبر المدينتين المحتلتين، حيث يتلبد المهاجر تحت مقصورة الشاحنة، ليس قريبًا جدًّا من المشعب الدوار ويحافظ على توازنه متمسكًا دون حراك وسط نتانة الغازات المنفلتة بجانبه، وهو يدمدم بالدعوات دون انقطاع كي لا يسقط في الطريق، وتنجح المغامرة في الغالب، وعندما يكون قد وصل بأعجوبة إلى المدينة الإسبانية المقصودة - بعد أن يكون قد مزق طبعًا كل ما يثبت هويته، في انتظار الحصول على هوية جديدة - يتوجه فورًا إلى العنوان المسلم له - بثمنه طبعًا - من طرف من سهل له الرحلة من الضفة الأخرى جنوبًا، وهذا المضيف يكون عادة من سكان سبتة أو مليلة، ومن الأفضل أن يكون إسبانيًا و مهمته هي أن يخفيه في سبتة الوقت اللازم حتى يجد له باخرة سلع متوجهة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية وبحارًا من طاقم السفينة يقبل أن يخفيه داخل إحدى الحاويات - بمقابل طبعًا .. وبعد ذلك إذا فشلت المحاولة وأعيد إلى المغرب مطرودًا يتحايل حتى يعيد الكرة مرة ثانية وثالثة.إلى أن ينجح أو يغرق.. المهم ألا يثبط همته ولا يعود إلى بلاده خالي الوفاض. يقول خبير إيطالي في شؤون الهجرة السرية تقدر الأموال التي تحصل عليها شبكات تهريب السواعد الرخيصة بحوالي 7 مليارات من الدولارات، وهي طبعًا سيولة مالية لا يحصيها أي بلد من البلدان الفقيرة كدخل تفتقده محاسبتها الوطنية، وكسيولة كان الأكثر فائدة أن تستثمر داخل البلد نفسه لتساهم في تشغيل السواعد العاملة التي تضطر إلى امتطاء المغامرة في ظل انسداد كل الآفاق، ولكن الحلم الأوروبي أصبح داء يدمنه الجميع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل