العنوان بداية ثمار التطبيع والاختراق: خلاف اقتصادي بين الأردن والمنظمة
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1994
مشاهدات 56
نشر في العدد 1082
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 04-يناير-1994
عمان:
تشهد العلاقات الأردنية الفلسطينية هذه الأيام
توترًا حادًّا في العلاقات بين الجانبين عبر عنه الفتور الشديد في العلاقات
الدبلوماسية والسياسية، وامتد ليظهر في وسائل الإعلام على شكل انتقادات متبادلة
بين الطرفين. ويشير المراقبون في هذا السياق إلى الاستقبال الباهت لياسر عرفات
خلال زيارته الأخيرة إلى عمان؛ حيث استقبله هذه المرة -وخلافًا للمعهود- أحد
الوزراء في الحكومة الأردنية، كما أن عرفات غادر الأردن في تلك الزيارة دون أن
يلتقي بالملك حسين.
وقد احتدم الخلاف الأخير بين الجانبين بشكل
أساسي بعد توقيع اتفاق أردني إسرائيلي على فتح فروع للبنوك الأردنية في الأراضي
المحتلة، والذي ينتظر أن تصدر موافقة مجلس الوزراء الأردني عليه خلال الأيام
القادمة؛ وهو ما أثار حفيظة المسؤولين الفلسطينيين في منظمة التحرير الذين اعتبروا
هذه الخطوة تجاوزًا للسلطة الفلسطينية المزمع إقامتها خلال الفترة القادمة والتي
يرون أنها الطرف المعني بمثل هذه الخطوة. وقد أكد د. سمير جليلة -عضو اللجنة
الاقتصادية الفلسطينية- أنه يجب التوصل إلى اتفاق بين منظمة التحرير والبنك
المركزي الأردني قبل المباشرة في فتح هذه البنوك. كما أكد السفير الفلسطيني في
عمان أن منظمة التحرير «تمنت» على الحكومة الأردنية ألا تتخذ أية خطوات إجرائية في
الأراضي المحتلة لحين انتهاء المفاوضات الفلسطينية حول تطبيق اتفاق غزة- أريحا.
الحكومة الأردنية من جانبها نفت وجود ارتباط
بين اتفاق غزة- أريحا وقرار إعادة فتح البنوك الأردنية في الضفة والقطاع، وأكد
محافظ البنك المركزي الأردني أن إغلاق هذه الفروع لم يكن في صالح الفلسطينيين في
الأراضي المحتلة وأن الحكومة الأردنية كانت تفكر منذ عام ١٩٦٨م بإعادة فتحها، ولكن
الظروف لم تكن مناسبة خلال المدة الماضية.
ويرى المسؤولون الأردنيون أن فتح هذه البنوك
سيعمل على ملء الفراغ في الأراضي المحتلة بسبب رفض «إسرائيل» إنشاء بنوك فلسطينية
أو إصدار عملة فلسطينية.
على أن حقيقة وجوهر الخلاف بين الطرفين يتعدى
مشكلة البنوك التي ما يزال أمرها عالقًا حتى الآن؛ حيث إن هناك العديد من نقاط
الخلاف التي ساهمت في تأزيم العلاقات بعضها سياسي وأغلبها اقتصادي. فهناك مسألة
المعابر «الجسور بين الأردن والأراضي الفلسطينية» وهي القضية التي شكلت محور
الخلاف بين المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين، والتي يعتبر الأردن نفسه معنيًّا
بها بشكل مباشر فيما يصر الجانب الفلسطيني على أن تبقى أمرًا خاصًّا يتفاوض حوله
مع الإسرائيليين دون الحاجة للتنسيق مع الأردن. أما القضية الثالثة التي كانت
بمكانة صاعق التفجير للخلافات بين الجانبين، فهي تأجيل ياسر عرفات المتكرر للتوقيع
على الاتفاق الاقتصادي الأردني الفلسطيني الذي توصل إليه الطرفان وأدى تهرب عرفات
المتكرر إلى تعطيل المباشرة به بعد توقيعه. وقد فسرت بعض الأوساط الفلسطينية تهرب
عرفات بأنه يسعى إلى إقناع الإسرائيليين والأطراف المعنية بضرورة فتح بنك فلسطيني
إسرائيلي وإصدار عملة فلسطينية خاصة، وهو ما ترفضه «إسرائيل» حتى الآن على اعتبار
أن مثل هذه الأمور تدخل في ضمن أعمال السيادة، وهو ما لا يتضمنه الاتفاق الفلسطيني
الإسرائيلي. ورأي عرفات -حسب هذه المصادر- أن توقيع الاتفاق مع الأردن ربما يغلق
الباب أمام إمكانية تحقيق ذلك.
ومما يضعف موقف عرفات في هذه المواجهة
الاقتصادية أنها جاءت في ظل خلافات حادة داخل التيار الفلسطيني المؤيد للتسوية
والذي فتح مواجهة حامية معه حول مجموعة من القضايا مثار الخلاف. ويلاحظ أن معارضي
عرفات قد استغلوا الخلاف الأخير بينه وبين الأردن؛ حيث طالبوا بضرورة التنسيق في
مختلف الجوانب مع الأردن وبخاصة في الجانب الاقتصادي.
أما عن الأسباب التي ربما تكون قد دفعت
المسؤولين الأردنيين إلى تسخين الأجواء، فيعتقد أنها تعود في الغالب إلى عدم رضا
الأردن عن الطريقة التي تعامل بها عرفات مع الأمور، بدءًا من اتفاق غزة- أريحا
الذي يرى الأردن أنه فوجئ به كالآخرين، وانتهاء بالمفاوضات الحالية بين
الفلسطينيين والإسرائيليين حول قضية المعابر. كما أن لدى الأردن مخاوف من آثار
سلبية قد تنجم عن العلاقة الاقتصادية الاندماجية التي اتفق عليها الفلسطينيون
والإسرائيليون في اتفاق غزة- أريحا، خاصة وأن هنالك مؤشرات على أن «إسرائيل» ستعمل
على اختراق الدول المجاورة اقتصاديًّا عبر البوابة الفلسطينية.
وقد صرح وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز
في هذا السياق في شهر كانون أول الماضي أن الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني قد حققا
تقدمًا جيدًا في المفاوضات التي أجريت في باريس، وأن الفلسطينيين أعلنوا تأييدهم
للسوق المفتوحة والموحدة الجمركية بين الشركاء الثلاثة الإسرائيليين والفلسطينيين
والأردنيين أي ما يشبه سوقًا مشتركة صغيرة..
وقد أشار الخبير الاقتصادي والكاتب الأردني
فهد الفانك إلى المخاوف الأردنية من قضية المعابر والجمارك، وقال إن هناك اتفاقًا
بين الفلسطينيين والإسرائيليين على عدم وجود حدود بين الضفة الغربية وقطاع غزة
وبين الأراضي الخاضعة لسيطرة إسرائيل للأغراض التجارية، أي حرية التبادل الكاملة
دون رسوم جمركية. وأضاف أن إقامة اتحاد جمركي فلسطيني إسرائيلي حدوده الشرقية نهر
الأردن وجسوره يعني السماح للسلع الأردنية بدخول الضفة بعد دفع رسوم جمركية، في
حين تدخل البضاعة الإسرائيلية إلى الضفة والقطاع معفاة من الجمارك والقيود؛ مما
يعني أن السلع الأردنية لن تستطيع منافسة السلع الإسرائيلية. وطالب الفانك الحكومة
الأردنية بمعاملة جسور الضفة كحدود عادية للأردن وإيجاد مراكز جمركية وجوازات سفر
كما تفعل على حدودها مع بقية الدول، وأضاف أن تأخير مثل هذا الإجراء يشكل تفريطًا
لا مبرر له على الإطلاق بمصالح الأردن وسيادته على أرضه وحدوده.
أما الكاتب الصحفي الأردني سلامة عكور فقال:
«إذا ما اتفقت القيادة الفلسطينية وإسرائيل على الوحدة الجمركية، وفرضت إسرائيل
استمرار سيادتها وسيطرتها على المعابر نحو الأردن، فإنه يتعين على الحكومة
الأردنية أن تدرس واقع العلاقات الأردنية الفلسطينية وتضع حلولًا وصياغة لمستقبل
هذه العلاقات قبل أن تباغتها مفاجآت جديدة على غرار مفاجأة اتفاق أوسلو». وأضاف: «بعد
اتفاق أوسلو السري بين منظمة التحرير وإسرائيل بعيدًا عن التشاور والتنسيق مع
الأردن، لم يعد للقيادة الفلسطينية أدنى حق في التدخل في سياسة الأردن.. على
القيادة الفلسطينية وعلى الجميع أن يعلموا أن الموقف الأردني ليس مرهونًا لأي جهة،
وأن القرار الأردني مستقل تمامًا ولا يخضع لسياسة منظمة التحرير أو غيرها، ولا
تمليه سوى المصالح الوطنية والقومية».
والخلاف الجديد بين منظمة التحرير والأردن
يؤكد طبيعة الأخطار التي حملتها الاتفاقات الأخيرة مع العدو الإسرائيلي على
المنطقة العربية والإسلامية، والتي بدأت بوادرها على شكل اختراقات وخلافات هنا
وهناك يتوقع أن تتزايد وتتفاقم مع مرور الوقت، وخاصة إذا أدركنا أن هدف «إسرائيل»
في اختراق المنطقة والسعي نحو السوق الشرق أوسطية وفق نظرتها، قد لا يتحقق دون زرع
بذور الفرقة والخلاف بين حكومات ودول المنطقة.
وتجدر الإشارة إلى ندوة عقدت في إحدى الجامعات
الأردنية خلال المدة ما بين ١٤ و١٦ كانون أول الماضي في مؤتمر اقتصاديات السلام؛
حيث بينت دراسة قدمها الدكتور محمد محمود النصر أن المؤسسات الصناعية الإسرائيلية
تتميز بضخامة حجمها موازنةً بالمؤسسات الأردنية والفلسطينية، وأن «إسرائيل» التي
تمتلك اقتصادًا ضخمًا تسعى إلى استغلال ذلك لتدعيم قوتها الاقتصادية وفرض هيمنتها
وسيطرتها على أسواق المنطقة. وخلص الباحث إلى أن التكامل الاقتصادي الفلسطيني
الأردني بما يحقق المصلحة المشتركة لهما «يشكل حمايةً للاقتصاد الفلسطيني أمام
الانزلاق تحت وطأة القدم الإسرائيلية».
أما الدكتور محمد الصباحي -عميد كلية الحقوق
في جامعة طنطا المصرية- فقد أشار في دراسته المقدمة في الندوة إلى أن فكرة السوق
الشرق أوسطية ليست حديثة، وإنما طرحت من قبل، وتهدف إسرائيل من خلالها النفاذ
للأسواق العربية، مشيرًا إلى أن «إسرائيل» تخطط لهذا الأمر منذ سنوات. وأضاف:
«وفقًا للتصور الإسرائيلي للسنوات اللاحقة للسلام، فإن إسرائيل سوف تستحوذ على
النصيب الأكبر في إدارة هذه السوق بين دول المنطقة، بل سوف تعتبر قلب المنطقة
ومركز إدارتها وأساس تطورها في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والبحوث
العلمية».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل