; بدعة العَلمانية وفصل الدين عن السياسة | مجلة المجتمع

العنوان بدعة العَلمانية وفصل الدين عن السياسة

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر الأربعاء 01-ديسمبر-2021

مشاهدات 43

نشر في العدد 2162

نشر في الصفحة 24

الأربعاء 01-ديسمبر-2021

فصل الكنيسة عن الدولة في أوروبا كان لأسباب مختلفة عن الموروث الثقافي والديني للأمة الإسلامية

لا يجوز في عقيدة الإسلام أن يخضع المسلم لأمر قيصر وهو قادر على إخضاع قيصر لأمر الله تعالى

الصيداوي: هناك نخب تدعي العلمانية وهي تقف مع الدكتاتوريات وتشن الحروب على المتدينين

العلمانية تعتبر المعجم القرآني شكلاً من أشكال الدين الفاسد وهو اعتقاد شركي ونهج إلحادي

لندن- د. أحمد عيسى: 

كاتب وأديب

الحديث عن السياسة والإصلاح يجرنا لإلقاء الضوء على الدين الذي هو طريق الإصلاح الحقيقي، وعلى الحديث عن السياسة وكيف أنها من الدين، لكن هناك من يسعى لتطبيق البدع الأوروبية الغريبة عن أوطاننا؛ من عَلمانية، وفصل الدين عن السياسة. 

ومن منطلق ديني كمسلم، وحبي لأوطاني، وولائي لأمتي، أكتب هذه الكلمات.

لم يرد لفظ «السياسة» في كتاب الله الكريم، وإن جاء الحديث فيه عن الصلاح والإصلاح، والحلال والحرام، والحكم والشورى وغير ذلك من المعاني التي اشتمل عليها لفظ «السياسة»، ولكن السياسة في الشريعة استخدمت بمعناها اللغوي، وهو القيام على شأن الرعية من قِبَل ولاتهم بما يصلحهم، وما يحتاج إليه ذلك من وضع تنظيمات أو ترتيبات إدارية تؤدي إلى تحقيق هذه المصالح(1)، وللسياسة جانبان؛ أحدهما تأصيلي، والآخر عملي تطبيقي، والسياسة الشرعية ما كانت مراعية للشرع في الجانبين، تلتزم به وتتقيد، ولا تخرج عنه(2).

لما ظهر الفصل بين الكنيسة والدولة في أوروبا، كان لأسباب مختلفة عن الموروث الثقافي والديني للأمة الإسلامية، وبالتالي فإن تطبيق النموذج الأوروبي مخالف لديننا الذي لا يفرق بين الدين والدولة، كما أن الديانة المسيحية بعد تحريفها وسيطرة الكنيسة عليها، لم تعد صالحة، خاصة بعد أن جاء الإسلام بشرائعه السمحة وأحكامه الشاملة لكل مناحي الحياة؛ صلاحاً وإصلاحاً واستصلاحاً.

لقد ظهرت العَلمانية في المجتمع الأوروبي نتيجة الطغيان الكنسي، والصراع بين الكنيسة والعلم في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهذا الصراع يعتبر من أعمق وأعقد المشكلات في تاريخ الفكر الأوروبي، ثم وقعت الثورة الفرنسية التي كانت فاتحة عصر جديد ضد الكنيسة والملاك الإقطاعيين، ثم ظهر الفكر اللاديني ومدارسه الإلحادية التي سعت إلى تقويض الدين واجتثاث مبادئه من النفوس(3).

وتم تنفيذ الفصل في فرنسا بسبب النقد الاجتماعي الثوري للتسلسل الهرمي الكنسي الثري، وكان الفصل بين الكنيسة والدولة في وقت لاحق في الاتحاد السوفييتي والبلدان الواقعة تحت نفوذه على أساس اتجاه معاكس، لم تكن المحاولة لتقييد الدور العام للكنيسة فحسب، بل كانت أيضاً للعمل على اختفائها التدريجي، واستبدال أيديولوجية علمانية بالكنيسة(4).   

ترجع مقولة: "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، إلى ما جاء في الإصحاح الثاني عشر من إنجيل مرقس: "ثم أرسلوا إليه قوماً من الفريسيين والهيرودسيين لكي يصطادوه بكلمة، فلما جاؤوا قالوا له: يا معلم، نعلم أنك صادق ولا تبالي بأحد، لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس، بل بالحق تعلم طريق الله، أيجوز أن تعطي جزية لقيصر أم لا؟ نعطي أم لا نعطي؟ فعلم رياءهم، وقال لهم: لماذا تجربونني؟ ائتوني بدينار لأنظره، فأتوا به، فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ فقالوا له: لقيصر، فأجاب يسوع وقال لهم: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فتعجبوا منه"(5).   

جاء في شرح ذلك أنه قد اجتمع شمل الأعداء للوشاية والإيقاع بالسيد المسيح عليه السلام، فالفريسيّون هم اليهود المتعلمون، ويمثلون الأمة اليهودية، والهيرودسيون هم أتباع هيرودس ممثل الرومان المحتلين. 

وسألوه بعد مدحه، ليفقد حذره منهم، عن شريعة دفع الضرائب لقيصر، ومن خبثهم أنهوا سؤالهم بالعبارة: "نعطي أم لا نعطي؟"، فإن قال: نعم، اتهموه بمحاباة قيصر وولائه للرومان، وإن قال: لا، اتهموه بمعاداة قيصر والتحريض ضده، لكن كشف السيد المسيح غرضهم، وفاجأهم بالسؤال: "لماذا تجربونني؟"، وأكمل حديثه بطلب دينار، ثم سأل سؤالاً ثانياً عن صاحب الصورة والكتابة على وجهي العملة، فأجابوا: قيصر، فأجاب المسيح بحكمته إجابة لم يتوقعها أحد منهم، بل خيبت آمالهم في القبض أو الشكاية عليه(6).   

العلاقة بين الدين والدولة

يقول العقاد: «إن شمول العقيدة في ظواهرها الفردية، وظواهرها الاجتماعية، هو المزية الخاصة في العقيدة الإسلامية، وهو المزية التي توحي إلى الإنسان أنه «كلٌّ» شامل، فيستريح من فصام العقائد التي تشطر السريرة شطرين، ثم تعيا بالجمع بين الشطرين على وفاق»(7). 

يريد أن يقول: إن بعض الديانات، كالمسيحية، ارتضت أن تقسم الحياة نصفين؛ نصفاً للدين تقوم به الكنيسة، ونصفاً للدنيا تقوم به الدولة، وهو أمر ليس أصلاً من الدين.

فالإسلام يجعل الكون كله والخلق كلهم ملكاً لله تعالى، وليس لقيصر فيه ذرة واحدة، فقيصر وما لقيصر لله الواحد القهار، والحياة كُلٌّ لا يتجزأ، ولا ينفصل فيه دين عن دولة، ولا اقتصاد عن أخلاق، ولا فرد عن أسرة، ولا أسرة عن مجتمع، فلا يجوز في عقيدة الإسلام أن يخضع المسلم -مختاراً- لأمر قيصر، وهو قادر على إخضاع قيصر لأمر الله تعالى، ولا يجوز أن يعطي ظاهره لقيصر، وباطنه لله سبحانه(8). 

كما ظهرت بدعة أخرى، بمصطلح العَلمانية، لتنكر مرجعية الدين في الحياة، يقول الصيداوي، أستاذ علم الاجتماع: "إن العلمانيين العرب اختلطت عليهم الأمور فأصبحت العلمانية هي سب العروبة والإسلام على عكس العلماني الغربي الذي يقبل بالهوية القومية والديانة المسيحية"، وإن هناك "نخباً تدعي العلمانية وهي تقف مع الدكتاتوريات وتشن الحروب على المتدينين"، وينتقد عزام التميمي المنادين حالياً بتطبيق العلمانية في العالم العربي قائلاً: إنهم "جزء من نظام دكتاتوري يستخدم تلك المفاهيم للهجوم على الإسلام وإقصاء الإسلاميين"(9).

في بحث مستفيض عن المعنى الصحيح للعلمانية لسامي عامري، وضح أن النقاد يتفقون الآن على أن اصطلاح علمانية ترجمة لكلمة غربية المولد والمحضن "Secularism”، ولذلك فليس بالإمكان أن نجد لها جذراً في المعجم اللساني الإسلامي القديم، وأول من استعمل كلمة “سكيولريزم” بأحد معانيها المعاصرة هو الكاتب الإنجليزي الاشتراكي الملحد “جورج هوليوك” عام 1851م للتعبير عن مذهبه السياسي الداعي إلى فصل النظام الاجتماعي عن السلطان الديني.

وخلص عامري إلى أن مصطلح “عالمانية” في شكله الإنجليزي يعود إلى اللاتينية، وأصله في العربية من السريانية وهو مشتق من “العَالَم” وليس “العِلْم”، ولذلك فالشكل الأصوب له هو “العالمانية” لا “العِلمانية”، ولا “العَلمانية”. 

ثم قدم تعريفاً جديداً هو: “العالمانية مبدأ يقوم على إنكار مرجعية الدين أو سلطانه في تنظيم شؤون الناس، بعضها أو كلها، انطلاقاً من مرجعية الإنسان لإدراك الحقيقة والمنفعة الكامنتين في هذا العالم”. 

كما أن العالمانية تعتبر المعجم القرآني شكلاً من أشكال الدين الفاسد، وهو اعتقاد شركي ونهج إلحادي، واليوم يتجه المفكرون في الغرب من أنصار العالمانية إلى اعتبارها ديناً من الأديان، ويحاول العالمانيون العرب بكل استماتة إخفاء حقيقتها ومناقضتها للإسلام، وذلك بفكها عن أصلها اللغوي الصحيح، أو عن أصولها الفلسفية الإلحادية؛ ففصل الدين عن السياسة بزعم طهر الدين وفساد السياسة هو هدم للدين لمصلحة السياسة، وتشويه للدين بقصره على الشكل النسكي(10).

إن المناهج البشرية لحكم وإصلاح الأمم تتسم بقصور البشر، وتطرفاتهم، وأهوائهم، وتناقضاتهم، والناس في شوق لكلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة، للعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، وإصلاح التعليم والصحة، ومحاربة الفساد والتسلط والاستبداد.. وكل هذا طريقه الإسلام الحقيقي الذي يحكم إمام المسجد، ورئيس البلد، وصدق القرآن على لسان النبي شعيب عليه السلام: (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ) (هود: 88)، قال القرطبي: «أي ما أريد إلا فعل الصلاح؛ أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل، وآخرتكم بالعبادة».

الهوامش

(1) لسان العرب، ابن منظور، ج6، ص108.

(2) السياسة الشرعية، تعريف وتأصيل، محمد بن شاكر الشريف، مجلة البيان، العدد 197، المحرم 1425هـ، بتصرف.

(3) العلمانيَّة- نشأتها وتطوّرها وآثارها في الحياة الإسلاميَّة المعاصرة، سفر الحوالي، دار الهجرة، 2003م.

(4) Encyclopedia Britannica, The Editors of Encyclopaedia, "Church and state” 

(5) إنجيل مرقس، الإصحاح 12، الفقرات 13-17.

(6) شرح الكتاب المقدس- الموسوعة الكنسية لتفسير العهد الجديد: كنيسة مارمرقس، تفسير إنجيل مرقس.

(7) الإسلام في القرن العشرين، حاضره ومستقبله، عباس العقاد، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2013، ص20.

(8) الخصائص العامة للإسلام، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة ناشرون، بيروت، 1999، ص127.

(9) هل تقبل الشعوب العربية “العلمانية” كأساس لنظام الحكم؟ BBC Arabic News, 10 August 2017

(10) العالمانية طاعون العصر: كشف المصطلح وفضح الدلالة، سامي عامري، مركز تكوين للدراسات والأبحاث، ط1، 2017. ص52، 303.

الرابط المختصر :