; برهان الطريق المسدود: دعوى «بشرية القرآن» عند بوش «الجد» | مجلة المجتمع

العنوان برهان الطريق المسدود: دعوى «بشرية القرآن» عند بوش «الجد»

الكاتب الدكتور عبد العظيم المطعني

تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2005

مشاهدات 63

نشر في العدد 1649

نشر في الصفحة 40

السبت 30-أبريل-2005

في كتابه محمد مؤسس الدين الإسلامي، ومؤسس إمبراطورية الإسلام لجورج بوش الجد الذي ترجم حديثا إلى اللغة العربية من لغته الأصلية الإنجليزية، ولأول مرة بعد مائتي سنة من تأليفه.

في هذا الكتاب تبنى جورج بوش من جديد «دعوى بشرية القرآن» بمعنى أن القرآن ليس وحيًا من عند الله، تلك الدعوى التي ووجه بها القرآن منذ وقت مبكر من بدء نزوله في مكة المكرمة، قبل الهجرة ثم رددها اليهود في المدينة المنورة بعد الهجرة، ثم لم تتوقف هذه الدعوى في أي فترة لاحقة، حتى العصر الذي نعيش فيه. 

وبعد الحرب العالمية الأولى، وتوقف الدور العظيم الذي قامت به دولة الخلافة العثمانية في توحيد المسلمين في كتلة واحدة، كانت أكبر قوة عملاقة على وجه الأرض.

بعد هذين الحدثين جندت أوروبا جيشين عرمرين لمحاربة الإسلام، والحيلولة بينه وبين العودة إلى الساحة العالمية من جديد، ولمنع انتشاره وتشويه حقائقه حتى في نظر بنيه من المسلمين، هذان الجيشان هما «المنصرون» ثم المستشرقون.

الأولون يبلبلون عقائد العامة، والآخرون يثيرون الشكوك عند المثقفين من المسلمين، وكلا الفريقين اتخذ من القول بأن القرآن ليس وحيًا من عند الله مطعنا في الإسلام، حتى بلغ ما كتبه هؤلاء الحاقدون ثلاثة وستين ألف مجلد على مدى خمسين ومائة سنة، كلها طعون في الإسلام وكتابه ورسوله وقيمه ومبادئه. 

وكان جورج بوش «الجد» «منصرًا» ومستشرقًا في آن واحد ووضع كتابه المتقدم ذكره بهدف الطعن في الإسلام ثم القضاء عليه، وكانت دعوى بشرية القرآن منفذا تسلل منه للانقضاض على الإسلام.

جورج بوش الجد -إذن- واحد من الذين رددوا مقولة إن القرآن ليس وحيًا من عند الله رغم أنه في الفصول الأولى من كتابه أقر عدة مرات بأن محمدًا -ﷺ- رسول صادق من عند الله، وأن الكتاب الذي جاء به «القرآن» وحي صادق من عند الله. 

بل اعترف مرات بأن محمدًا كان مكلوءًا برعاية الله وأن الله أيده بمعجزات باهرة، وأن الكتب السماوية السابقة عليه «التوراة وملحقاتها، والأناجيل» قد تنبأت به وبشرت به وبانتشار الإسلام في ربوع الأرض.

بل اعترف في عدة مواضع من كتابه المشار إليه بأن انتشار الإسلام السريع، وانتصاراته المذهلة لم تكن من صنع محمد، ولا من صنع أصحابه، وإنما كان عملًا خالصًا لله عز وجل، رغم هذا، وغيره كثير يعود بوش «الجد» في الملحق الذي وضعه في أخريات كتابه عن القرآن يردد، وبإصرار شديد، أن القرآن وحي مزيف وليس نازلًا من عند الله، وهذا أمر يدعو إلى العجب من تصرفات هذا الرجل الغريب الأطوار، الذي يعاني من انفصام خطير في عقله وفكره!

فإذا تجاوزنا هذا التخليط إلى فحص أقوال بوش في دعوى «بشرية القرآن» ظفرنا بجديد نحن في أمس الحاجة إليه في مواجهة دعوى بشرية القرآن عند مدعيها، ومنهم جورج بوش «الجد» وهذا يتضح من العرض الموجز الآتي:

مهد المؤلف لطرح هذه الدعوى من جديد بمقدمة ألم فيها ببعض المباحث اللغوية المتصلة بالقرآن والتعريف بالقرآن نفسه ووصف جمعه في الصحف كما ردد دعوى اقتباس القرآن من الكتاب المقدس، وحاول سوق الأدلة عليها بمقابلة بعض آيات القرآن ببعض فقرات من الكتاب المقدس، وبخاصة العهد الجديد «الأناجيل». 

ثم بدأ مع الدعوى من يوم بدأت حين واجه مشركو العرب بها محمدًا ﷺ، مشيرا إلى أن مشركي العرب لم يستطيعوا أن يقدموا أي دليل على صدق ادعائهم أن القرآن ليس وحياً من عند الله، بل هو -حسب زعمهم- إفك مفترى من عند محمد، وأعانه عليه قوم آخرون؟ وذكر بعض الآيات التي حكت عنهم هذا الاتهام ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103).

وقوله تعالي: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ (الفرقان: 4).

ويعلق على هذا بأن محمدًا ﷺ لم يعبأ بهذه الاتهامات، وأن القرآن نفسه قد اتبع كل مقولة بما ينكرها ويكذبها، كما دل على ذلك قوله في الآية الأولى ﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103).

وفي الآية الثانية: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ (الفرقان: 4).

وجورج بوش يسمي هذه الردود: إنكارًا متشددًا من محمد «كتابه ص ٥٨٦». 

ثم ينتقل إلى موقف الكتاب المسيحيين المعاصرين له والقدماء في عصر النزول فيقول:

فغير المصدقين في المملكة المسيحية استمروا إلى جانب أهل مكة، فلم يدخل الدين الدعي «يعني الإسلام المزيف» إلا عدد لم يتجاوز الثمانية أشخاص «كتابه، نفس الموضع».

وهذا ادعاء كاذب من جورج بوش لأن الذين بادروا في الدخول في الإسلام يتجاوز هذا الرقم بكثير.

نفي صفة الوحي عن القرآن:

ثم يتحدث عن معاصريه الذين نفوا صفة الوحي عن القرآن فيقول:

والاعتقاد الأكثر شيوعًا أن محمدًا ﷺ تلقى العون الرئيس -«أي في تكوين القرآن»- من راهب مسيحي اسمه سرجبوس يفترض أنه هو نفسه الذي تعرف عليه في فترة باكرة من حياته، ويعلق بوش الجد على هذا بقوله: وعن هذه المسألة يحدثنا الكاتب سيل فيقول: إن كان بحيرًا وسرجيوس اسمين لشخص واحد، فإنني لا أجد أدنى إشارة لدى الكتاب المسلمين أنه ترك ديره ليتوجه إلى شبه الجزيرة العربية، كما أن لقاءه بمحمد كان في فترة مبكرة جدا مما يدحض القول بأنه ساعد محمدًا في «إعداد» النص القرآني. 

وربما يكون محمد قد علم بعض المعارف عن المسيحية والكتاب المقدس المسيحي فاستخدمها في هذا الأمر -أي في إعداد القرآن؟ «كتاب بوش- ٥٨٨ وما بعدها». بيد أن جورج بوش الجد، يعود فيقول:

«وعلى أية حال فإن هذا الكاتب - يعني سيل- يتفق مع الكاتب بريدوا وغيره حول أن محمدًا ﷺ يعتبر هو المخطط الأصلي للقرآن، وربما أعانه عليه في ذلك -على نحو ما قدم- آخرون، ونحن حتى هذا اليوم غير قادرين على معرفة هؤلاء الذين ساعدوه ولا إلى أي مدى ساعدوه، فلم تتأكد أبدا هذه الدعوى القائلة بأن آخرين ساعدوا محمدًا ﷺ على تأليف القرآن، وليست هناك أدلة مقنعة على هذا، فالمسألة كلها لا تعدو قصصًا افتراضية صيغت المواجهة صعوبة تفسير هذه المسألة. فالصعوبات حول هذا الموضع لم تنقشع رغم الاعتقاد العام السائد، فمن هذا القادر في هذه الفترة على وضع نص كهذا «يعني القرآن»؟ 

هذا الوحي المدعى «يعني المزيف على زعمه» يدعي استقلاليته عن كتبنا المقدسة «غير مقتبس منها لا من التوراة، ولا من الأناجيل» يضم رغم هذا فقرات أرقى كثيرًا من أي آثار أدبية تعود للقرن السابع سواء كانت يهودية أو مسيحية، فهذه الآثار الأدبية أدنى كثيرا - بلا شك- من محتويات ذلك الكتاب المقدس «يعني القرآن» بدلالة المقام الذي يتحدث عنه المؤلف، وعلى هذا فستظل حقيقة القرآن مسألة لا حل لها إلى الأبد، «كتابه- صفحات ٥٨٦- ٥٨٨». 

وبعد هذه النقول التي نقلناها من كتابه المذكور -حسب الترجمة العربية للدكتور عبد الرحمن عبد الله الشيخ نشر دار المريخ بالرياض- لا يسعنا إلا أن نهتف قائلين: «الله أكبر، جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا».

مزاعم ساقطة:

وفي الرد على من زعم من الكتاب المسيحيين أن القرآن مقتبس أو «مسروق» من الكتاب المقدس المسيحي يقول جورج بوش «الجد»: 

«ليس لدينا أدلة حاسمة على تاريخ القرآن، ولا نعرف إلى أي مدى كان محمدًا عارفًا بالكتب المقدسة كتابه ص ٥٨٨».

ونلفت نظر القارئ إلى أن المؤلف -هنا- يرد على نفسه لأنه من الكتاب المسيحيين الذين زعموا هذا الزعم، وهذا من المفارقات اللافتة للأنظار في فكر هذا الرجل المضطرب الذي لا يتورع عن إبداء الرأي ثم إبداء نقيضه في آن واحد.

ثم تراه عقب هذا مباشرة يثني على القرآن ثناء كان لا يتوقع أن يصدر عن مثله، إذ يقول: «وبالنسبة للذين تعرفوا عليه، في لغته الأصلية أي على القرآن من غير المسلمين، فهناك اعتراف عالمي بأنه يعني القرآن يتسم بامتياز لا حد له لدرجة أنه لا يمكن ترجمته إلى أية لغة أخرى» «كتابه- ص ٥٨٨».

إن المؤلف هنا يثبت، وهو مرغوم الأنف، لا مجرد أن القرآن هو -حقًا- كلام الله، بل يتجاوز هذا الحد إلى إثبات إعجاز القرآن الكريم نفسه، وليس هذا بالأمر الهين، بل يعد نجاحًا في الحوارات التي تدور بين الأديان في الوقت الراهن. 

هذه خلاصة أمينة لما أورده جورج بوش «الجد» حول دعوى «بشرية القرآن» وعلاجه لهذا الدعوى يختلف عن علاج كل من سبق ممن قال بها، وتحمس لإثباتها، وهذا الاختلاف يتمثل في عنصر جوهري، هو أن من سبق ممن رموا القرآن بهذه التهمة الهزيلة لم يبدوا أي تحرج أو تحفظ على إطلاق تلك التهمة إلا نادرًا، حتى لكأنها حقيقة لا تقبل الجدل.

أما جورج بوش «الجد» فمع اتفاقه معهم في رمي القرآن بتهمة التزوير والانتحال، وأنه ليس وحيًا من عند الله - رغم ما أثبته من قبل من أن القرآن وحي أنزله الله على محمد صدقًا وحقًا- فإننا نراه في هذا الملحق الذي وقفه على دعوى «بشرية القرآن» يورد كل البدائل التي طرحها خصوم القرآن، حتى المسيحيون منهم الذين ينتمي إليهم المؤلف ويعترف بأنها كلها مجرد افتراضات لا تقنع أحدًا، حتى القائلين بها والمتعصبين لها، ويصل بهم بوش «الجد» إلى طريق مسدودة ثم يعترف في النهاية: بأن القرآن إذا استبعد خصومه مصدره الإلهي فما استطاعوا، ولن يستطيعوا أن يصدقوا في نسبة القرآن لغير الله، سواء كان ذلك «الغير» هو محمدًا نفسه، أو بحيرًا أو سرجيوس، أو قومًا آخرين أعانوا محمدًا على تأليف القرآن، أو أن محمدًا قد استعان بكتب المسيحيين في تأليف القرآن.

لقد رفض بوش «الجد» هذه المزاعم كلها، وترك «دعوى بشرية القرآن» عارية عن كل دليل أو شبه دليل يثبت صدقها. 

وهذا مما يحسب له، وإن لم يرد به نفي التهمة عن القرآن، فإن قوة الحق حملته على أن يثبت هذا العجز في موقف خصوم القرآن ولا يكتفي المؤلف بإثبات هذا العجز الفاضح في موقف منكري «قدسية القرآن» في الماضي والحاضر، بل هو يعترف بفشل هذه الدعوى إلى «الأبد». 

وهذا الطريق المسدود الذي كشف اللثام عنه جورج بوش «الجد» تولد عنه برهان جديد على كذب الدعوى بأن القرآن ليس وحياً من عند الله، وأثبت في الوقت نفسه أن القرآن ليس له مصدر في الوجود إلا الله عز وجل.

لذلك أسمينا هذا العرض:

دعوى بشرية القرآن عند بوش «الجد» وبرهان الطريق المسدود.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

114

الثلاثاء 05-مايو-1970

يوميات المجتمع - العدد 8

نشر في العدد 117

80

الثلاثاء 12-سبتمبر-1972

مطلوب مؤلف لهذا الكتاب