العنوان استقالة ميجور.. هل تحدد الموقف البريطاني من الوحدة الأوربية؟
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1995
مشاهدات 81
نشر في العدد 1156
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 04-يوليو-1995
- الاستقالة المفاجئة أربكت اللوبي المعارض وضيقت عليه فرصة إعداد مرشح منافس
أثار قرار رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور بالاستقالة من رئاسة حزب المحافظين مساء الخميس قبل الماضي عدة تساؤلات بشأن مستقبله السياسي، ومصير المحافظين كحزب بدت عليه علامات الشيخوخة السياسية والأهم من ذلك أن بيان الاستقالة المختصر قد وضع علامة استفهام كبيرة أمام موقع بريطانيا مستقبلًا من الجغرافية الأوروبية الجديدة خلفيات القرار وأثاره في تغيير موازين القوى في سياق التقرير التالي:
تشير القراءة الأولية للبيان إلى تعمق الخلاف بين نواب الحزب الحاكم تجاه الوحدة الأوروبية، وتأثر ميجور باتساع «اللوبيات» المناهضة لسياسته، والتي باتت تهدد موقعه كرئيس للوزراء والحزب وعلى الرغم من خطورة الاعتراف بوجود هذه الهوة بين صفوف حزبه، والانقياد لضغوطها بتقديم الاستقالة، إلا أن قراءة متأنية لما بين أسطر البيان، تشير إلى ثقة رئيس الوزراء المستقيل بنفسه وبعودته مرة أخرى لقيادة الحزب وبريطانيا، وتؤكد عوامل «توقيت» قرار الاستقالة والحبكة الدرامية– السياسية التي صيغ بها البيان على أن عودته هذه ستكون بصورة أكثر «شرعية» في عين مناوئيه، وميجور يحتاج إلى هذه الصيغة بلا شك فيما لو أراد البقاء على نفسه وعلى قوة «المحافظين» فالهدف الأساسي من «التنحي» لا ينبغي أن يفهم على أنه مقصود لذاته، وإنما من أجل التأكيد على قوة «المتنحي» في تقزيم معارضيه والعودة إلى رئاسة الحزب مرة أخرى يتبين من القراءة الثانية للبيان، أن قرار الاستقالة ليس استسلامًا للواقع الراهن، وإنما «استراحة» مؤقتة للتصدي له من جديد وربما تأليب الرأي العام ضده، فهل نجح بيان ميجور الموجز في أن يحقق كل هذا؟ إن أدنى تكهن بالإجابة في الوقت الحاضر، فيه مخاطرة كبرى، وستتكشف في الأيام القادمة أمور كثيرة من شأنها أن تقلب موازين القوى وتغير من معادلات اللعبة، غير أن الأهداف الحالية قد تعين القارئ السياسي على تحديد هذه الموازين وتلمس مواقعها.
الهدف الأول: هو توقيت قرار الاستقالة نفسه والذي أتى مبكرًا عن موعده بسنتين، وهو موعد الانتخابات العامة في نوفمبر ١٩٩٧م.
وفي هذا «مباغتة» القصد منها إرباك معارضيه، وتضييق فرص التحضير لمرشح منافس، وقد نجح ميجور في هذا الجانب من ناحيتين ضمن بقراره المفاجئ «فوضى» عند اللوبي المعارض في مواجهته برمز قوي ومنافس كما أنه همش «محتملى» المعارضة وضمهم إلى صفة أمثال وزير العمل مايكل بورتيلو ومايكل هيسلتين, فهذان الاثنان أبديا دعمهما القوي لعودة «المستقيل» ميجور على الرغم من اختلافهما معه بشأن سياسته الأوروبية, هذا الدعم لإرجاع ميجور، سيضمن له تطبيق سياسته الحازمة بأكثر حرية وربما أكثر «انفرادية»، فهو مع الوحدة الأوروبية وعلى استعداد للنظر في إمكانية توحيد العملة من دون الرجوع إلى الاستفتاء الشعبي الذي يطالب معارضوه بإجرائه، وهذا هو الهدف الثاني من التوقيت المبكر.
الهدف الثالث: وهو أن الاستقالة بحد ذاتها فيها اختبار لولاءات النواب نحو رئيسهم.. فمن خلال فتح باب الترشيح- المنافسة سيميز ميجور «أصحابه» من «أعدائه»، وهذا سيساعده كثيرًا في توزيع الحقب الوزارية فيما لو فاز حزبه بالانتخابات العامة القادمة وتحديد «الولاء» في وقت مبكر أمر مهم لإنجاح حملته الانتخابية ضد منافسه القوى توني بلير– رئيس حزب العمال.
الهدف الرابع: هو تغيير الصورة «الرمادية» التي يرسمها الإعلام البريطاني لميجور من أنه سياسي ضعيف الشخصية ولا يصلح كرئيس للوزراء مقارنة بسابقته تاتشر، ففي مجرد المخاطرة ومن ثم التلويح بورقة «الاستقالة» مظهر من مظاهر الثقة في النفس والحسم في اتخاذ القرارات، ومثل هذا الانطباع «الجريء» مهم على المستوى الشعبي، وذلك فيما لو أراد ميجور الحوز على «صوت» ناخبيه.
أما الهدف الخامس والأهم: فهو أن احتمالات فوز ميجور في انتخابات أقوى منها في الانتخابات العامة بعد عامين، وذلك بسبب فارق الأصوات المطلوبة بين الانتخابين.
تراكمت هذه الأهداف الخمسة - وربما كان هناك غيرها– لتحدد توقيت استقالة ميجور المبكرة، فكيف كان وقع القرار على مختلف القوى السياسية؟
باختصار كان القرار مفاجئًا للجميع, يشمل ذلك نواب حزب المحافظين، وبالطبع العمال المعارض إضافة إلى الإعلام «على اعتبار تمثيله السلطة «السياسية» الرابعة» فلم يدر بقرار الاستقالة سوى عدد محدود من مقربي رئيس الوزراء أمثال وزير المواصلات الحالي برايين ماوييني، فهو صديق شخصي لميجور، وهو الذي سيقود حملة إرجاعه إلى القيادة وماوييني شخصية لبقة دبلوماسيًا فإلى أي مدى سينجح في أداء مهمته؟ هذا سيعتمد على موازين القوى في ساحة الحزب ورصيد منافسي ميجور السياسي المرشح الأساسي لجون ميجور في الوقت الحالي هو جون ردوورد الذي قدم استقالته من وزارة منطقة «ويلز» كي يتسنى له منافسة رئيس وزرائه على رئاسة الحزب، وقد اعتبرت بعض المصادر قرار ردوورد بترشيح نفسه ضربة قوية لميجور الذي كان يتباهى بوحدة مجلس الوزراء خلفه، غير أن مصادر سياسية أخرى استبعدت انتصارًا لغير ميجور على الأقل في الجولة الأولى من الانتخابات «يحتاج ميجور في جولته الأولى إلى تأمين ١٦٤ صوتًا فأكثر».
أما في حالة تعذر الحصول على هذا العدد من الأصوات، فمن المحتمل أن يزداد عدد المتنافسين في حلبة السباق في الجولة الثانية: من هؤلاء وزير المالية نورمان لومونت, والذي أقاله ميجور في الوقت اللاحق لآرائه المناهضة للوحدة الأوروبية، فلوموند على عكس نظيره ميجور– ضد أية وحدة سياسية كانت أو اقتصادية، مع أوروبا, يشمل ذلك معارضته للعملة الأوروبية الموحدة, وقد ساق لومونت في مقالة له مؤخرًا أهم حججه في رفض سياسة ميجور «الوحدوية» مع أوروبا «التايمز ۲۳ يونيو ١٩٩٥».
المنافس الثاني هو وزير العمل الحالي مايكل بورتيلو فهو الآخر صاحب ميول مناهضة للوحدة الأوروبية ويمثل التيار «التاتشرى» في الحزب، غير أن صغر سنه على القيادة قد يؤدى بالحزب إلى مزيد من التفكك بدلًا من الوحدة، أما وزير التجارة مايكل هيسلتين، فعلى الرغم من أنه أبدى في الآونة الأولى دعمه الكامل لميجور، إلا أنه قد يتحول إلى منافس قوي فيما بعد البعض يعتقد بأن هذا سيناريو مستبعد نظرًا لسن هيسلتين المتقدمة وتدني حالته الصحية إضافة إلى بعض آرائه «المتطرفة» فيما يتعلق بالوحدة الأوروبية.
هناك منافسون آخرون ليس لهم رصيد سياسي كبير كالنائب توني مارلو، أو منافسون ليسوا بالضرورة لشخص ميجور، وإنما لآخرين قد يدخلون حلبة السباق ويؤثرون في - حالة فوزهم- على سياسة الحزب، فوزيرة التعليم الحالية مثلًا جيليان شيفارد قد أعطت صوتها منذ البداية لميجور غير أنها على استعداد لنزول حلبة المنافسة فيما لو قرر «نظيرها» هيسلتين كذلك.
من خارج هذه الدائرة، هناك من يعتقد بأن المشكلة الحقيقية ليست كامنة في من سيتولى قيادة الحزب، وإنما في طبيعة المشاكل «المزمنة» التي أصبحت تهدد سمعة ومصير الحزب نفسه، فعودة ميجور للقيادة لن تقدر - ولو تمت بصورة ناجحة- على معالجة التمزق في صفوف المحافظين، فشخصيته التي لا تروق للكثير, ستشجع النواب على المزيد من التمرد مستقبلًا، كما أن الاستمرار في عدم توضيح سياسته نحو أوروبا وإصراره على «تهميش» الرأي العام من خلال حجب الاستفتاء الشعبي بشأن العملة الموحدة، كل هذه أمور من شأنها أن تفقد من مصداقية ميجور وشعبية الحزب مستقبلًا.
من ناحية أخرى يعتقد البعض بأن ميجور قد فشل إلى الآن في مواجهة العديد من سياسات البلد الملحة، وهذا بالتالي أدى إلى هبوط مستوى الأهداف منذ مجيئه إلى الحكم، إضافة إلى انخفاض مستوى أداء الحزب ككل، هذا الانخفاض عزز عند البعض الاعتقاد بأن «العمر الافتراضي» للحزب قد انتهى، وأنه آن الأوان كي تدير شئون البلد دماء جديدة «حكم حزب المحافظين بريطانيا لمدة ١٦ سنة» فهل هذا يعني بأن المحافظين لن يفوزوا في الانتخابات القادمة؟ وأن بريطانيا ستشهد عهدًا جديدًا من الحكم يقوده العمال؟ هذا احتمال وارد خاصة وأن رئيس وزراء الظل توني بلير يمثل شخصية متقدمة عن نظيره ميجور، والتعديل الجذري الذي أجراه بلير في مبادئ حزبه من شأنه هو الآخر أن يزيد عدد ناخبيه في الجولة القادمة.