; بريطانيا تبيع كنائسها المسيحية ماضي بريطانيا وليست حاضرها | مجلة المجتمع

العنوان بريطانيا تبيع كنائسها المسيحية ماضي بريطانيا وليست حاضرها

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 30-سبتمبر-2006

مشاهدات 94

نشر في العدد 1721

نشر في الصفحة 24

السبت 30-سبتمبر-2006

تُغلَق كل عام أكثر من ٦٠ كنيسة تابعة لكنيسة إنجلترا في بريطانيا والكثير منها مُعرَّض للإغلاق، حيث ذكر مئات القساوسة أن ألفًا من كنائسهم تستقبل فقط عشرة مصلين أو أقل أيام الأحد. وفي تقرير مفصل للمؤسسة The Ecclesiological Society التي ترعى الكنائس الإنجليكانية في بريطانيا، وجد أن ربع الكنائس «٤٠٠٠ كنيسة» لا يزيد فيها عدد المصلين أيام الأحد على ۲۰ شخصًا، وحذر التقرير من إغلاق تلك الكنائس الـ ٤٠٠٠ في حال استمر تراجع الإقبال على الكنيسة.

كما ذكرت المؤسسة أن عدد من يؤدون الطقوس الدينية تراجع من ١.٦ مليون «٣٥٪» من البريطانيين عام ١٩٧٠م إلى ٩٤٠ ألفاً «١٩٪» عام ٢٠٠١م، وخلال الفترة نفسها أغلقت ١٦٢٦ كنيسة إنجليكانية، هدم منها ٣٦٠، وحفظ ٣٤١، وتحول ٩٢٥ لأنشطة أخرى غير مسيحية، منها أنشطة دينية غير مسيحية في كنيستين، وماسونية في ٣ كنائس. فتحولت هذه الكنائس إلى مكتبات عامة أو مسارح أو مراكز رياضية وترفيهية أو أستوديوهات موسيقية أو قاعات للرقص، بل ومطاعم أو مساكن. وليست المذاهب الكنسية الأخرى في بريطانيا بعيدة عن هذه الأزمة.

وتثير تلك الأوضاع العديد من التساؤلات حول سبب العزوف عن الكنائس؟ وهل أصبح الفراغ الروحي الناتج عن ذلك قابلًا لمن يستطيع أن يملأه؟ وهل نحن المسلمين -بديننا دين التوحيد والفطرة والعقل- مستعدون لذلك؟

نقض عرى المسيحية

والغريب في الأمر أن محاولات إدخال بريطانيا للمسيحية أخذت عدة قرون «في عصور الظلام»، فيما تخلصت منها في أقل من ٤٠ عامًا. فخلال ألف سنة تغلغلت المسيحية بعمق في حياة الناس واستطاعت البقاء صامدة رغم التغييرات الحادة التي حدثت في المجتمع بعد الثورة الصناعية.

وفجأة في ستينيات القرن الماضي، فجر انهيار صارخ أخلاق الدولة والناس جعل المسيحية تتهاوى كالدوائر الحلزونية حيث أصبحت في هامش الحياة الاجتماعية. فقد نقص مرتادو الكنائس والمنتمون لعضويتها والمتزوجون فيها أو المتعمدون بمائها.

ثم راح الجيلان الآخران اللذان نشآ خلال الثلاثين عامًا الأخيرة من القرن العشرين يبتعدان أكثر وأكثر عن كل ما يرتبط بالكنيسة حتى توقفوا عن الذهاب إلى مدارس الأحد أو الالتحاق بالفصول التي تسبق تعميدهم، ومن ثم توقفت دورة حياة الدين المتتابعة في الأجيال القديمة عند حقبة الستينيات في القرن الماضي.

منذ ذلك الحين، غادر «المتدينون القدماء» حقل المسيحية المنظمة إلى حالة اللادينية أو العلمانية الجديدة، واهتدى بعضهم لطريق الحق بالإسلام.

ولا يحضر صلاة الأحد في الكنائس بكل أطيافها في بريطانيا كلها إلا ٦.٨٪، وتقلصت عضوية الكنائس في بريطانيا كلها إلى ٩.٤٪ وهي في طرد مستمر، كما تعاني الكنائس من تقلص الأعمال المرتبطة بها مثل الأعمال التطوعية والترفيهية.

وباتت السلطات الكنسية تواجه المزيد من الصعوبات في كل أسبوع أمام قضايا التخلص من مباني الكنائس التي أصبحت خاوية بلا روح، فتبيعها لتصبح مرة معرضًا للسجاد، أو لتحويلها لشقق صغيرة، أما الكنائس الكاتدرائية الضخمة القديمة فأصبحت مجرد مزارات تراثية للسياحة الدينية وليست للطقوس الدينية. 

ومنذ عام ١٩٩٨م تدنى الحضور في ٥۷۰۰ كنيسة إنجليكانية في المناطق الريفية حتى أصبح معدل عدد الحاضرين يوم الأحد ١٤ مصليًّا فقط. بهذه الطريقة تصبح «المسيحية» هي ماضي بريطانيا وليس حاضرها، أو مستقبلها.

فضائح أخلاقية

ولم تسقط الكنائس في عددها فقط، وإنما في موقفها الأخلاقي وموقعها في قلوب البريطانيين الذي انحدر بصورة كبيرة، علاوة على ما تواجهه الكنيسة من فضائح أسبوعية ترتبط بعدد من جرائم القساوسة خلال السنوات الماضية، حيث تؤكد الإحصاءات الكنسية تورط عدد كبير من القساوسة «المحرم عليهم الزواج» بارتكابهم الزنا مع نساء وبعضهم مع الأطفال، حيث يقدم قسيس كل ثلاثة أشهر للاتهام في قضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال، وواحد من كل ٥٠ قسيسًا كاثوليكيًّا متهم بذلك، وأدين عشرات منهم. بجانب رعايا كنائس بروتستانت من الجنسين «مسموح لهم بالزواج» متهمون بعلاقات خارج نطاق الزوجية، إضافة لتعيين أحد الكهنة من اللوطيين على رأس كنيسة إنجليكانية تابعة للكنيسة الإنجليزية في أمريكا عام ۲۰۰۲م، وقيام آخر في كندا بعقد قران المثليين.

هذه الفضائح أدت لفقدان الثقة في الكنيسة وأربابها، فأقيم ذلك وثيقة الفاتيكان التي تأمر بالتغطية على الجرائم الجنسية في الكنائس الكاثوليكية التي نشرتها جريدة الأوبزرفر مؤخرًا. هذه الفضائح أدت لفقدان الثقة في الكنيسة وأربابها.

مستقبل الأديان في بريطانيا

وبعدما حرفت المسيحية أصبحت غير قادرة على هداية العقل أو متابعة العلم أو تنظيم الحياة، فعقيدة التثليث تصادم المنطق وفصل الدين عن الدولة ازدواجية والخلو من الشريعة يقلص الدين إلى قاعات التراتيل. وما زالت العلاقة القديمة بين الكنيسة في أوروبا والحكومة والشعب تلقي بظلالها على أرض الواقع، فالكنيسة تريد أن تبقي شيئًا من قوتها ونفوذها، والشعب يرى فيها كهنوتية لا ترقى للشريعة الحياتية، وهو يبتعد عنها وهي تتقرب إليه بشتى الوسائل.

وأخذ الأمر منعطفًا مهمًا في بريطانيا مع ظهور الإسلام فيها كدين ثانٍ يرتبط أتباعه بالمساجد التي زاد عددها إلى ١٧٥٠ مسجدًا، أكثر مما يرتبط الشعب كله بالكنيسة، بما يمهد لانتشار الإسلام على مدى واسع خلال الـ٣٥ عامًا القادمة في ضوء تلك الأوضاع الكنسية والخلقية المتدهورة في بريطانيا.

وأظهرت دراسة حديثة قامت بها وأعلنتها مؤسسة Christian-research المسيحية البريطانية حول مستقبل الأديان أن عدد الذين يؤمُّون المساجد في بريطانيا في عام ٢٠٠٤م ولو مرة في الأسبوع هو ٩٣٠ ألفًا، وهذا العدد قد فاق عدد المصلين في كنائس الكنيسة الإنجليكانية الرسمية وهو ٩١٦ ألفًا، وتتوقع الدراسة أن يصل عدد المصلين المسلمين إلى ضعف عدد الذين يدخلون الكنائس بحلول عام ٢٠٤٠م. وتوقعت الدراسة أيضًا أن نسبة البريطانيين الذين يقولون إنهم مسيحيون ستنخفض من ٧٢٪ إلى ٣٥٪، بينما يتوقع أن تنقص نسبة البريطانيين المسجلين في رعايا الكنيسة من ٩.٤٪ في الوقت الحالي إلى ٥٪ بعد ٣٥ عامًا. وخلصت الدراسة إلى أن ثلثي الذين يرتادون الكنائس الإنجليكانية ستكون أعمارهم فوق ٦٥ عامًا. وحسب الدراسة فإن هذا الانخفاض سيؤدي إلى إغلاق نحو ١٨ ألف كنيسة بحلول عام ٢٠٤٠م.

ويكشف الجدول التالي حقيقة تراجع عدد رواد الكنائس في بريطانيا منذ عام ١٩٨٠م، برؤية مستقبلية حتى عام ٢٠١٠م:

العام

نسبة الحاضرين للكنيسة بكل مذاهبها
يوم الأحد من كل سكان بريطانيا «إنجلترا وويلز وسكوتلندا» والمتوقع حتى عام ٢٠١٠م

1980

11%

1985

10,2%

1990

9.6%

1995

8.5%

2000

7.6%

2005

6.8%

2010

6%

وقد علق قادة الكنائس على هذا التراجع المستمر في المواظبة على حضور القداسات الدينية في الكنائس إلى جانب القصور الحاد في أعداد المنتسبين الجدد إلى ميدان العمل الكنسي، فقال رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في إنجلترا وويلز إن المسيحية لم تعد مصدرًا من مصادر التوجيه الأخلاقي في حياة الناس أو الحكومة في المجتمع المعاصر.

وأبلغ الكاردينال مؤتمرًا للقسيسين الكاثوليك أن الناس يتطلعون حاليًا إلى الحركات الحديثة وعضوية الجمعيات الداعية إلى المحافظة على البيئة كبديل عن الدين. كما قال: إن الناس يجدون النمط الاستهلاكي والتسوق بديلًا عن الثقافة الدينية، وأعرب عن اعتقاده بأن ما تعرضت له الكنيسة من أضرار يعود جزئيًّا إلى الفضائح الجنسية للقسيسين. وقال: إن سلوكيات نابعة من العصر الحديث أو معتقدات ليست نابعة من الديانات التقليدية تسيطر حاليًا على الشباب وتحل محل المسيحية وتستحوذ على ثقتهم.

ويعد الوصف الذي قدمه الكاردينال أكثر التوصيفات تشاؤماً للوضع الذي وصلت إليه المسيحية في العصر الحديث، حيث أكد أن المجتمع يفقد جانباً من قيمه الأخلاقية، كما أن الناس بدؤوا يلجؤون إلى وسائل للسعادة الوقتية عبر الخمور والمخدرات والإباحية متجهين إلى عدم الاكتراث بالقيم الدينية.

وكان كبير أساقفة كانتربري الذي يمثل أعلى مرجعية لأتباع الكنيسة البروتستانتية الإنجليكانية في بريطانيا قد حذر أيضًا مما وصفه بانتشار الإلحاد الضمني في بريطانيا، حيث يسود اعتقاد لدى الكثيرين بأن الموت هو نهاية المطاف للإنسان، وبأن الدواء هو السبيل الوحيد للراحة الإنسانية، موضحًا أنه عوضًا عن اللجوء إلى القساوسة للراحة النفسية فإن الناس تلجأ إلى الأطباء طلبًا للراحة.

" توقفت موجة التدين المسيحي عند ستينيات القرن الماضي وتحول البريطانيون نحو العلمانية. ومنهم من اهتدى للإسلام"

" «الرقي المادي» ديانة الغرب الجديدة بعد الثورة الصناعية وكنائسه هي المصانع ودور الرقص. وكهنته هم رجال الأعمال والغانيات وكؤوس الخمر"

محاولات إنقاذ المسيحية

وفي محاولة لمساعدة المصلين الكسالى، الذين لا يذهبون إلى الكنائس يوم الأحد، تزعم أحد القساوسة فكرة تجربة جديدة تهدف إلى المشاركة في المراسم الكنسية عبر شبكة الإنترنت، فيما يعد أول خدمة دينية حية على الإنترنت في بريطانيا، وتذاع الخدمة الكنسية بأكملها. ويزور الموقع ٥٠٠ زائر من جميع أنحاء العالم.

المادية لا النصرانية ديانة أوروبا اليوم

مما لا شك فيه أن دين أوروبا اليوم الذي يملك عليها القلب والمشاعر هو المادية. يعلم ذلك كل من عرف النفسية الأوروبية واتصل بالأوروبيين عبر كتب ولم ينخدع بالمظاهر الدينية التي تزيد في أبهة الدولة، ويجد فيها الشعب ترويحًا للنفس وتنوعًا، ولم ينخدع بزيارتهم للكنائس وحضورهم في تقاليدها.

وقد بين ذلك بوضوح المهتدي الألماني محمد أسد في كتابه «الإسلام على مفترق الطرق» فقال: «لا شك أنه لا يزال في الغرب أفراد يعيشون ويفكرون بأسلوب ديني ويبذلون جهدهم في تطبيق عقائدهم بروح حضارتهم، ولكنهم شواذ. إن الرجل العادي في أوروبا، ديمقراطيًّا كان أو فاشيًا، رأس ماليًّا كان أو اشتراكيًّا، عاملًا باليد أو رجلًا فكريًا، إنما يعرف دينًا واحدًا، وهو عبادة الرقي المادي والاعتقاد بأنه لا غاية في الحياة غير أن يجعلها أسهل، وبالتعبير الدارج «حرة مطلقة».

أما كنائس هذا «الدين» فهي المصانع الضخمة ودور السينما والمختبرات الكيماوية ودور الرقص ومراكز توليد الكهرباء، وأما كهنتها فهم رؤساء الصيارف والمهندسون والممثلات وكواكب السينما وأقطاب التجارة والصناعة والطيارون.

ونتيجة لحب الشهوات والتلذذ بالقوة ظهرت طوائف متنافسة مدججة بالسلاح، مستعدة لإبادة بعضها بعضًا إذا تصادمت أهواؤها ومصالحها. وانعكس ذلك على الحضارة الإنسانية بظهور طراز للإنسان يعتقد الفضيلة في الفائدة العملية. ولا شك أن هؤلاء ينتظرون من ينقذهم مما هم فيه، فهل يكون المسلمون هم قارب النجاة للغرب؟ 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

301

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 17

194

الثلاثاء 07-يوليو-1970

هذا الأسبوع - العدد 17

نشر في العدد 18

152

الثلاثاء 14-يوليو-1970

الترقب والانتظار!