العنوان بشار يواجه ثلاثة ملفات معقدة: الاستقرار ولبنان والتسوية
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-2000
مشاهدات 98
نشر في العدد 1405
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 20-يونيو-2000
وفاة الأسد قد تفتح آفاقًا لتجاوز الأزمة بين الحكم الجديد والإخوان السوريين
أسئلة كثيرة يثيرها الغياب غير المفاجئ للرئيس السوري حافظ الأسد بعد ثلاثين عامًا قضاها في الحكم شهدت الكثير من الأحداث والكثير من الجدل حول تقييم سياساته ومواقفه على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ويتفق المؤيدون والمعارضون لسياسات الأسد على أن غيابه سيترك الكثير من البصمات على الوضع السوري الداخلي وعلى الوضع في المنطقة، لاسيما ما يتعلق بمستقبل التسوية على المسار السوري.
كان واضحًا قبل الوفاة أن بشار الأسد هو المرشح القوي الوحيد للخلافة، فقد كان شغل الأسد الشاغل قبل وفاته تمهيد الطريق وتذليل الصعاب التي تعترض وصول بشار إلى السلطة. بالفعل اجتمع مجلس النواب السوري في اليوم نفسه الذي أعلن فيه عن وفاة الأسد وقام بالإجماع) بتعديل المادة ٨٣ من الدستور التي كانت تشترط أن يكون عمر المرشح للرئاسة ٤٠ سنة فأكثر ليصبح السن القانوني للرئاسة ٣٤ عامًا، ثم اجتمعت اللجنة القطرية لحزب البعث قررت (بالإجماع) ترشح بشار الأسد لموقع الرئاسة، ويتولى بشار للرئاسة يكون أول رئيس يخلُف والده في أنظمة الحكم الجمهوري العربي مكرسًا حالة جديدة في الساحة العربية ستتلوها حالات أخرى على ما يبدو على المسرح العربي.
وإضافة إلى الحكم سيرث بشار جملة ملفات شائكة ومعقدة وفي مقدمتها الملف الداخلي الملف اللبناني، وملف عملية التسوية، وهي ملفات تحتاج قدرات فائقة للتعامل معها، وعليها سيعتمد حجم نجاحه في إدارة السلطة.
الملف الداخلي: وهو الأهم في هذه المرحلة سيواجه الرئيس الجديد عدة تحديات صعبة أولها عملية نقل السلطة، ومواجهة مراكز القوى السياسية والعسكرية التي يمكن أن تشكل ألغامًا وقوتة قابلة للإنفجار في أي لحظة.
وفي هذا السياق تداولت وسائل الإعلام أسماء ثلاث شخصيات مؤثرة يمكن أن تشكل تحديًا لنفوذ بشار، أبرزها عمه رفعت الأسد المنفي في الخارج، والذي لم يتردد في التعبير عن طموحه بالسلطة، أما الشخصية الثانية فهي حكمت الشهابي - رئيس أركان الجيش السابق. الذي تمت تنحيته عن موقعه ضمن ترتيبات التمهيد لمرحلة بشار، والشخصية الثالثة على دوبا رئيس الاستخبارات السابق الذي أعفي من صلاحياته للاعتبارات نفسها، لكن المؤشرات المختلفة تؤكد أن هذه الشخصيات، ورغم نفوذها الكبير السابق، فإن احتمالات قدرتها على التأثير ضعيفة ومحدودة، في ظل وراثة بشار للسيطرة على المؤسستين العسكرية والأمنية، وهما المؤسستان اللتان تحسمان مسألة السلطة غالبًا.
التحدي الداخلي الثاني: يتمثل في الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد، والذي لن يكون سهلًا إحداث تحسينات كبيرة عليه دون مساعدات خارجية كبيرة مرهونة بالموقف من عملية التسوية.
ومع أن هذين التحديين المتعلقين بالوضع الاقتصادي واستقرار الأوضاع للرئيس الجديد سيكونان ممكنًا للقيادة الجديدة التعامل معهما فإن ذلك لا يلغي تأثيرهما بصورة مطلقة، فهناك شكوك في أن تشهد سورية القدر نفسه من الاستقرار الداخلي الذي شهدته خلال الفترة السابقة نظرًا للفارق الكبير في الخبرة والقدرة على التعامل مع القرارات الصعبة بين الأسد الأب والأسد الابن.
الملف اللبناني: وهو دون شك ملف صعب على الرغم من أن بشار تولى الإشراف على هذا الملف منذ عدة شهور بعد أن كان يتولى إدارته نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام الذي استبعد بصورة مفاجئة وأبعد عن الأضواء.
ويتوقع أن يستغل الملف اللبناني من قبل الأطراف الخارجية كورقة ضغط مهمة على القيادة الجديدة لدفعها لإبداء مرونة أكبر في الموقف من عملية التسوية، وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت قد تحدثت مؤخرًا عن ضرورة خروج القوات السورية من لبنان ويتوقع أن يتصاعد الحديث في الفترة المقبلة عن انتفاء مبررات استمرار الوجود السوري في لبنان، ولا يستبعد أن يتم تحريك بعض الأطراف اللبنانية في هذا الاتجاه لإظهار ذلك كمطلب لبناني وطني.
عملية التسوية: ربما كان هذا الملف الأعقد والأكثر تأثرًا بغياب حافظ الأسد، رغم أن هذا الملف لن يحظى بأولوية اهتمام القيادة الجديدة من الناحية الزمنية، ويكاد يكون هناك إجماع بين المحللين السياسيين على ترجيح انشغال القيادة الجديدة بترتيب أوضاعها الداخلية وتأجيل ملف المفاوضات إلى مرحلة لاحقة قد تتجاوز الشهور المتبقية من ولاية الرئيس الأمريكي كلينتون الذي عول كثيرًا على تحقيق إنجاز على المسار السوري يختم به فترة رئاسته.
ولكن تجميد المفاوضات على المسار السوري سيكون مؤقتًا وقد لا يتجاوز الثمانية شهور، ومن المتوقع أن يعقب هذه المرحلة الانتقالية تسارع تفاوضي كما يرجح كثير من المحللين الذين يتوقعون تعاطيًا أكثر انضغاطًا من قبل بشار مع استحقاقات التسوية بفعل عدة عوامل تتعلق بشخصيته وميوله، وكذلك بحجم الضغوط والإغراءات التي سيتعرض لها، ولكن ما قد يوازن هذه العوامل الضاغطة، رغبة بشار بألا يظهر كمن ينقلب بصورة جذرية على سياسات والده، إضافة إلى أن الطائفة التي ينتمي إليها، مازالت تتحسس من انعكاسات توقيع اتفاق مع إسرائيل على أوضاعها كطائفة قد تتحمل شعبيًّا تبعات ذلك.
الإخوان والحكم الجديد
وفاة الأسد أعادت إلى الذاكرة مذابح مدينة حماة في مطلع الثمانينيات التي سقط نتيجتها عدد كبير من الضحايا في صفوف جماعة الإخوان المسلمين وأنصارهم وأدت في المحصلة إلى خروج الجماعة من سورية وتشتت أفرادها في عدد من الأقطار.
ومن المبكر الحديث عن الاحتمالات المتوقعة المستقبل العلاقة بين الإخوان المسلمين والحكم الجديد، وإن كان الإخوان قد أبدوا طوال السنوات السابقة استعدادًا للتوصل إلى تفاهم يلغي إفرازات الماضي، وجرت بالفعل عدة جهود وساطة لم تتكلل بالوصول إلى نتائج إيجابية بسبب تحفظ النظام السوري الذي أبدى ترددًا في مواصلة تلك الجهود.
وإذا كانت القيادة الجديدة حريصة على إشاعة أجواء من الانفتاح الداخلي والتعددية السياسية فإن ذلك قد يفتح مجالًا جيدًا لحل الأزمة العالقة منذ عقدين بين الحكم وبين قوة شعبية مؤثرة.