العنوان بضاعتنا ردت إلينا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1988
مشاهدات 70
نشر في العدد 891
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 15-نوفمبر-1988
أتصور أن كُتاب القصة شأنهم شأن أهل الفن جميعًا، وقد حوصروا حصارًا شديدًا من قوى الماسونية والروتاري التي أعدت لهم منزلًا ناعمًا في دور الصحف الكبرى من أجل خدمة أهداف سياسية ترمي إلى تدمير مقومات الأخلاق في المجتمعات الإسلامية، وذلك أمر واضح في تحولات «يوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ» من حيث خضوعهم جميعًا لمفهوم الفن الجنسي الإباحي المكشوف الذي رسمه «فرويد» وقعَّده كثيرون في مقدمتهم «سارتر»، وقد كان واضحًا هذا في نصوص البروتوكولات التي أشارت إلى «دارون- فرويد- ماركس» وهي قضية معروفة.
ومن يطالع أولويات هؤلاء القصاصين يجدها قصصًا غير ملغمة، تنطلق من منطلق التقليد للقصة الغربية، ولكنها سرعان ما تحولت ودخل إليها الفن المنظم والهدف الواضح الوثير والمترف، وإذا كان المثل العربي القديم يقول: «تجوع المرأة ولا تأكل بثدييها» الذي يرمي إلى تحويل الصورة الغربية المفردة إلى ظاهرة أساسية في المجتمع، وأخطر ما في هذا توجيه القصص إلى أن أفراد المجتمع كلهم خاضعون لنظرية فرويد في الجنس، ومن ثم تتحول الصورة النادرة إلى ظاهرة، وأخطر ما يتصل هذه الصورة بالمرأة، فهي امرأة لا تعرف الدين ولا الخلق، وإنما تعرف المطامع والأهواء وتبيع عرضها رخيصًا في سبيل التمتع، لا بلقمة العيش بل المتاع. فإن هذه النماذج لا تصور امرأة جائعة تسعى إلى البغاء والعيش من أجل الحصول على لقمة العيش، وإنما تصور امرأة مندفعة وراء أهواء الانطلاق والملذات، لا تبالي بتقديم عرضها في سبيل الحصول على المال لأي إنسان كان، لا تردها عن ذلك قيمة دينية أو قيمة أخلاقية. هذا التصور الذي يفرضه نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهما لا يوجد في عمق المجتمع في الحقيقة، وانما يوجد في نماذج فردية قليلة لا تمثل ظاهرة يمكن أن تصور لتعلن على الملأ وفي الغرب خاصة بالترجمة أن هذه طبيعة مجتمعنا الإسلامي في الحقيقة، والذي يجعل للعرض مكانًا قدسيًّا.
ولكن هكذا تحاول الماسونية من خلال مخططاتها وأتباعها في حضانة صحف كبرى تحتضن هؤلاء الكتاب وتفسح لهم. وإذا كان الإلحاح على هذا الاتجاه واضحًا في بعض شخصيات كُتاب القصة، ويرجع إلى وراثيات وروابط اجتماعية معينة، فإنه ما زال مجهولًا وغامضًا بالنسبة لنجيب محفوظ، إلا إذا رددناه إلى شيء يتجاهله اليوم ولا يعلن عنه، وذلك هو صلته الوطيدة والأكيدة بالحبر الأعظم «سلامة موسى» في هذه الفترة التي كان يتصدر التوجيه في غرفة مغلقة لا يدخلها إلا الحواريون الموثوقون في جمعية الشباب المسيحية «كما كشف ذلك في ذكرياته نعمان عاشور وغيره».
وهو اليوم بعد حصوله على جائزة نوبل يذكر طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ولا يذكر هذا الرائد حتى يخفي الخيط الذي يكشف عن هويته، وهو حين يسأل ما هو العمل الذي رشحه لنوبل يقول: لعلهم وجدوا شيئًا، ولكنه لا يكشف الحقيقة التي كشفها تقرير الجائزة نفسه حين أشار إلى قصد «أولاد حارتنا» التي هاجم فيها الغيب وسخر من القيم العليا للأديان، والتي أحدثت ضجة كبرى عام ١٩٥٩ عندما نشرت في جريدة الأهرام والتي كتب عنها الكثير فيما بعد، والتي منعت من النشر في مصر وحتى الآن، وهي التي يقول في آخرها «ثم مات الجبلاوي»، والجبلاوي في القصد هو الله تبارك وتعالى ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 43).
وقد أشار إلى ذلك مصطفى عبد الغني حين قال إن الرواية بها العديد من الرموز التي لا يمكن تناولها في عمل روائي، والتي يمكن أن تسيء إلى الدين. هذه الرواية لها أهمية كبرى عند المؤسسة التي أعطت نجيب محفوظ مليونًا من الجنيهات، لم يكن ذلك من أجل سواد عيون الأدب العربي ولا إعجابًا بالرواية الطويلة، ولكنها تشجيع وتقدير لهذا النهج الذي جمع بين الجنس وبين السخرية من قيم الأديان، فضلًا عن الدعوة الفرعونية أنه إعلاء وإعزاز لمذهب الجنس والإباحة الذي رسمه فرويد وسار عليه سارتر وغيره «ولقد كان نجيب محفوظ يقلد سارتر في الجلوس في المقاهي هو وصديقه توفيق الحكيم» على النحو الذي رسمته الماسونية لخلق الأجيال الوجودية والإباحية التي أشارت إليها بروتوكولات صهيون، والتي لا تزال تعمل كالنار تحت الرماد لهدم مقومات الدين والأخلاق والقيم في نفوس الشباب المسلم.
ويصفق الأغرار فرحًا وطربًا لأن كتابات بعض رموز التغريب والغزو الثقافي ترجمت إلى اللغات الأوروبية، ولو علموا أنهم لا يترجمون إلا ما يؤكد أن الأدب العربي والفكر الإسلامي تغرَّب لوفروا على أنفسهم المشقة، إن للغرب دعوى عريضة في أنه مؤثر في كتابات العرب والمسلمين ويريد دائمًا أن يثبت هذا وما يترجمونه على هذا النحو، إنما ينشرونه تحت عنوان ضخم هو: «هذه بضاعتنا ردت إلينا».
فالغربيون لا يترجمون إلا ما يؤكد أن الأدب تغرب وأن الأمة قد دخلت دائرة الاحتواء، وهذا ما أشار إليه دكتور حسين حنفي حين قال: «لقد جاءت جائزة نوبل عندما أصبحت مصر دولة غربية»، وهذا يشير إلى ولاء بعض الكتاب للغرب وللصهيونية. وقد أشير إلى ما يحفل به نجيب محفوظ وكتاباته في نظر الكتاب الماركسيين واليهود، حين يرون قصصًا تصور المجتمع المصري العربي الإسلامي على هذا النحو من مؤامرات الاغتصاب والخيانة الزوجية ونشر الخنا والفاحشة في كل مكان، ولا ريب أن وصول المجتمع إلى هذا الحد يثير إعجاب الغرب ورضاه، لأنه يتصور أن الإسلام قد تراجع في قيمه وأخلاقه، وأن عوامل الهدم والإباحة قد اتسع نطاقها. ولا ريب أن هذا يعجب مجتمعًا كمجتمع السويد الغارق في إباحياته.
ولا ريب أن التفسير الجنسي الفرويدي للمجتمعات الذي يتبناه أنيس منصور ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم، هو مذهب مضلل كاذب، وأن جريمة الدراما التي تحاول أن تفرض على كاتب القصة أن يذهب وراء أشد صور العنف في الجنس إثارة، وهذا من شأنه أن يخلق جوًّا وهميًّا مضللًا، ليس هو في حقيقته ممثلًا لجوهر هذا المجتمع وأعماقه المؤمنة الحريصة على العفة والغيرة والعرض، ولكن هكذا تريد الماسونية ومن ورائها بروتوكولات صهيون وأنصار إسرائيل والصهيونية من أجل تحقيق هدف بعيد المنال، هو إسقاط الأخلاقية الإسلامية في مجتمعات العرب والمسلمين توطئة لحصار هذه الأمة والسيطرة عليها. لا نقول هنا من خلال الادعاء أو الخصومة، ولكن نقول من خلال نصوص كتاب موالون لنجيب محفوظ ودعاواه أمثال أحمد بهجت وغيره، الذين يرددون كلمات الخيانة الواضحة في كتاباتهم: خيانة الزوجة، خيانة الصديق، خيانة المجتمع. وليست صور الخيانة والاغتصاب موجودة في قصة «اللص والكلاب» وحدها، ولكن في مختلف قصصه، حتى إنك ترى كلمة «الخيانة» وكأنها مداد الحبر الذي يكتب به نجيب محفوظ. ماذا يريد التغريب أكثر من هذا من تصوير مجتمع مسلم آمن يعرف حقوق الله إلا قليلًا من المستهترين والمستهترات على أنه «مجتمع الخيانة»، ويكون من حق هذا الكاتب أن يحصل على جائزة نوبل وأن يتعاطى الناس سمومه مرة أخرى من خلال أجهزة التسلية والترويح!
ولقد شهد أنيس منصور بأن الصهيونية كانت مستعدة لترشيح نجيب محفوظ لجائزة نوبل، وأن هذه القوى لم تعترض على ترشيحه لأنه واحد من مؤيدي كامب ديفيد، ولقد شهد نجيب محفوظ نفسه بأن إعطاء جائزة نوبل مرتبط بالإيمان بقيم الحضارة الغربية، فلم يعد هناك شك في هذا الولاء الواضح للفكر الغربي على نحو ما عرف باسم «بضاعتنا ردت إلينا»، فهذا فكر يروج لمفاهيم الغرب وقيمه، بل لمفاهيمه السياسية في قبول جنس غريب في قلب الأمة الإسلامية، وإذا كان يرى هو أنه عبر عن حرية الإنسان وتحريره من كل ما يعوقه، فإن هذا المعنى لا يرضي دعاة الحضارة الغربية إلا إذا كانت الحرية بمفهوم الماسونية ومتصلة بحرية الجنس أساسًا، وليست حرية الأوطان وتحريرها من الدخيل.
ولقد عرضت جائزة نوبل على رجلين من أساطين الغرب فرفضاها: وهما برنارد شو وسارتر؛ إيمانًا بأنها قيد على حركة الكاتب وولاء لمفهوم معين يحدّ من حريته في أن يقول ما يشاء، وإذا كان نجيب محفوظ يصر على ترشيح الطيب صالح فإن قصته الجنسية المثيرة التي كانت مقررة في كلية آداب القاهرة في العام الماضي أحدثت ضجة مشهورة، ومن الطبيعي أن تتنادى المدرسة كلها في الترشيح وعلى رأسها يوسف إدريس، وحنا مبينا والطيب صالح... إلخ. ولقد كان دعاة هذا النوع من الكتابة أشد الناس تحفظًا في بيوتهم فلم نسمع عن بيوت توفيق الحكيم أو إحسان عبد القدوس أو نجيب محفوظ شيئًا، بل هناك اقتناع كامل بأنهم لا يدخلون في دائرة الكاميرا. والحقيقة في النهاية أننا إزاء عمل مغرّب يرضي الحضارة الغربية، لأنه استمد منها وجهتها، وحاول أن يصور المجتمع المصري العربي الإسلامي بصورة مزعجة ترضي الغرب، وقد انطلق في تصويرها من نظرية مضطربة سقطت منذ وقت بعيد هي نظرية التفسير الجنسي للحياة والمجتمع، التي وضعها فرويد وطبقها سارتر في قصصه الوجودي. ومن هنا فإن شرائح الطبقة الوسطى التي رسمها نجيب محفوظ ليست سليمة تمامًا، ولكن دخلتها دخائل أبعدتها عن الواقع.
وأعتقد لذلك أن الصورة التي رسمها لا تعين على معرفة حركة المجتمع لأنها قد اختلطت بأمرين:
الأول: تغليب التفسير الجنسي.
الثاني: ما تفرضه قضية القصة وخداع الدراما من إخضاع الحقيقة التاريخية للنظرة الفنية التي يشوبها الهوى.
ومن هنا فان جائزة نوبل أُعطيت لنجيب محفوظ تحت عنوان واحد لا سواه، هو: «بضاعتنا ردت إلينا».
«مؤرخ»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل