العنوان بعد أسبوع أفغاني ساخن.. الدبلوماسية في مواجهة تكتيكات الفرقاء
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
مشاهدات 16
نشر في العدد 1268
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
لم يكد المندوب الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة
الأخضر الإبراهيمي ينهي جولته بحثًا عن فرص لإحلال السلام في أفغانستان حتى كانت
موجة جديدة من العنف تجتاح مزار شريف من عدة جبهات، بعد الحصار المفاجئ الذي نفذته
حركة طالبان بالتعاون مع مجموعات بشتونية انفصلت عن الحزب الإسلامي (حكمتيار)
احتجاجًا على تحالفه مع المعارضة الطاجيكية. وكاد انفصالها وتنسيقها مع «الطالبان»
يودي بآخر المعاقل الإستراتيجية للمعارضة في غرب البلاد حيث العاصمة الجديدة للتحالف
المعارض في مزار شريف، لولا المقاومة العنيفة التي أبداها المقاتلون الأوزبك بدعم
مباشر من أوزبكستان أولًا وطاجيكستان في وقت لاحق، ثم روسيا التي تحدثت مصادر
الطالبان عن تزويدها المعارضة بصواريخ متوسطة المدى.
ويمكن بسهولة فهم دوافع موجة العنف هذه بالرجوع إلى
حقيقتين من حقائق الصراع الدائر في أفغانستان:
أولاهما: أن عامل
المناخ الثلجي في الشتاء يلعب دورًا في تثبيت خارطة القوى والتفاوض خلال الأشهر
القادمة، مما يفرض على كل طرف السعي لتوسيع رقعة نفوذه.
وأما العامل الآخر: فهو أن
حالة الجمود في القتال التي سادت على مدى الشهر المنصرم ستعطي الفرصة للطرف الآخر
لترتيب أوراقه باتجاه هجوم مباغت جديد؛ فكان من الضروري إجراء تحريك في أجواء
القتال على جبهة جديدة لإرباك العدو وتشتيت قدراته.
وفي تطور مثير شهدته أزمة الصراع الأفغاني، عاد
الجنرال عبد الرشيد دوستم من منفاه الاختياري في تركيا إلى مزار شريف بعد أن كان
تمرد مساعده الجنرال عبد الملك قد أطاح به في أواخر مايو الماضي. وفي حين أن
اللهجة التي يتحدث بها تشي بمصالحة محتملة بين الطرفين، فإن من المؤكد أن عامل
الثقة لن يُكتب له الاستمرار طويلًا بالنظر إلى الخلافات الحادة فيما بينهما والتي
ستظل قنبلة موقوتة في بنيان التحالف المعارض تضاف إلى قنابل الثقة الأخرى التي
يحملها في أركان بنائه المهلهل.
عودة دوستم من جهة وتراجع طالبان على جبهتي شمال
كابول ومزار شريف تركا بكل تأكيد أثرًا سيئًا على الدبلوماسية التي تتحرك بها
إسلام أباد، حيث يتحرك كبار مسؤولي الخارجية فيها ما بين قندهار وطهران والخليج في
مساعٍ لحشد تأييد لوقف القتال وإجراء تنسيق بين القوى الإقليمية لمواجهة التردي
الأمني الذي يهدد علاقات إسلام أباد الإقليمية بالتدهور بسبب الاتهامات المتكررة
لها بدعم حركة طالبان. وتشن وسائل الإعلام الإيرانية حملة على باكستان منذ عدة
أسابيع متهمة إياها بالتدخل السافر في الشؤون الداخلية لأفغانستان.
المساعي التي تتحدث عنها إسلام أباد لجمع دول
التأثير الإقليمي تصطدم بعدة عقبات تحول دون التنسيق لاتخاذ موقف موحد من دعم
أطراف النزاع سياسيًا أو عسكريًا؛ فعلى الرغم من الحديث عن دعم عدد من الدول
لمشروع المؤتمر الإقليمي، فإن أي خطوة عملية لم تُتخذ في هذا الاتجاه. بل من
الواضح أن ثمة توجهًا جديدًا ترعاه في هذه المرحلة منظمة المؤتمر الإسلامي عبر
رحلات أمينها العام الجديد عز الدين العراقي لتقريب المواقف داخليًا وإقليميًا.
وتتحدث أنباء صحفية لم تتأكد عن تأييد حركة طالبان
لهذا التوجه، كما يتردد أن تحالف المعارضة يتخذ الموقف نفسه، وليس من الواضح ما
إذا كانت هذه الموافقات مشروطة بالشروط نفسها التي لدى طالبان والمتمثلة في إطلاق
سراح الأسرى أولًا كمبادرة حسن نية، أو التي لدى التحالف المعارض والمتمثلة في
تشكيل لجنة مشتركة للتفاوض وإخلاء العاصمة من السلاح، وكلا الجانبين يرفض شروط
الآخر بما يشكل -ولو ظاهريًا- العقبة الأساسية أمام بدء الحوار.
ويعتقد المراقبون أن التحرك الجديد لمنظمة المؤتمر
الإسلامي يحاول إيجاد قواسم مشتركة بين العواصم الإسلامية من قضية أفغانستان تجنبًا
لحدوث خلافات واسعة أثنـاء انعقاد مؤتمر القمة الإسلامية والمقررة في طهران في
ديسمبر المقبل، حيث من المحتمل أن تسعى جميع الأطراف عبر الدول المتعاطفة معها إلى
إثبات رغبتها في شغل مقعد أفغانستان في القمة الشاغر منذ عامين.
وإذا كانت أمام الأمين العام فسحة من الوقت لإثبات
نجاح مهمته، فإن الأمر يختلف لدى الشعب الأفغاني في داخل البلاد ومخيمات المهاجرين
الذين لن تمضي عدة أيام حتى يكونوا عرضة للثلوج شتاءً آخر يؤرخ لعام جديد من أعوام
محنة لا تبدو نهايتها وشيكة.