العنوان بعد أسبوع الدم الجزائري؟
الكاتب أحمد راؤول
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1988
مشاهدات 68
نشر في العدد 889
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 01-نوفمبر-1988
الكل يتساءل عما سيحدث في الجزائر بعد أسبوع الدم الرهيب الذي شهدته العاصمة الجزائرية ومدن جزائرية أخرى في أوائل شهر أكتوبر الحالي، وإذا ذهب المحللون السياسيون مذاهب شتى في تحليل أسباب ذلك الأسبوع الدامي فإنهم يجمعون على أن الاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الجزائر وصل إلى الحد الذي كان لا بُدَّ أن يؤدي إلى الانفجار.
إن إلقاء اللوم على بعض الشباب الطائش أو تحميل بعض المعارضين تبعات ما حدث من اضطرابات في الجزائر لا يفسر الدمار الهائل والعدد الكبير من الضحايا الذين سقطوا في تلك الاضطرابات التي لم تعرف الجزائر مثيلًا لها منذ استقلالها واستدعت إعلان حالة الطوارئ و يبدو أن السلطات الجزائرية قد أدركت ذلك فسارعت بإطلاق سراح عدد كبير ممن اعتقلوا أثناء الاضطرابات ولم يضبطوا متلبسين بجرعة التخريب أو الحرق أو الاعتداء على أملاك الغير ثم إن الرئيس الشاذلي بن جديد أعطى الإشارة في خطابه يوم ١٠ أكتوبر على أن الجزائر ستشهد تغييرات كبيرة -على الصعيد الإداري والتنظيمي بالخصوص- ويقول جزائريون عايشوا الأحداث الأخيرة إن الجزائر لن تكون أبدًا بعد تلك الأحداث مثلما كانت عليه من قبل وما يتسرب الآن من الجزائر من إشاعات تكاد ترقى إلى مستوى الحقائق هو أن صراعًا يدور بين أنصار الانفتاح والتغيير من جهة والذين ينادون بإعطاء مزيد من الحريات ويطالبون بتغييرات على الصعيدين السياسي والاقتصادي لتلافي أخطاء الماضي ومواكبة ما يشهده المجتمع الجزائري من نمو، وأنصار الاشتراكية التقليدية الذين يريدون السير على نفس الخط الذي سارت عليه الجزائر في عهد بومدين وهؤلاء هم الحرس القديم للثورة وتمثلهم بالخصوص طبقة من البيروقراطيين والتكنوقراط وهؤلاء يعملون جهدهم لعرقلة التغيير الذي إن حدث فسيقضي على مصالحهم وامتيازاتهم ومهما يقال عن أحداث الجزائر الأخيرة من أنها تفجير للصراع بين هذين الجناحين المتواجدين في حزب جبهة التحرير وأنها لربما افتعلت لعرقلة قطار الوحدة المغاربي أو لضرب التقارب الجزائري الليبي أو الجزائري المغربي على إثر الانفراج الذي شهدته العلاقات الجزائرية المغربية بسبب ظهور بوادر حل لمشكلة الصحراء الغربية فإن تلك الاضطرابات ما هي إلا بسبب الأوضاع الداخلية الصعبة فإن الشباب الذي لا يجد عملًا ويدخل ٥٠٪ منه منطقة البطالة المتسعة باستمرار ليس بحاجة لمن يدفعه للتعبير عن غضبه وإن هذا الشباب الذي لا يصل إلا خُمس الحاصلين منه على البكالوريا إلى التسجيل في الجامعات ليس بحاجة لمن يحركه ليطالب بتحسين الأوضاع وإن الجماهير المكدسة في البيوت القديمة والتي تعج بهم الشوارع والأزقة والمقاهي تحاصرهم البطالة من جهة وغلاء المعيشة من جهة ثانية وندرة المواد الاستهلاكية من ناحية ثالثة لا يستغرب منهم أن يطالبوا بالتغيير وإذا طالبوا به بصورة عنيفة ودموية فنتيجة الكبت ونتيجة الاحتقان الذي دام طويلًا وبالتالي فان تلك الاضطرابات لا بد أن ترجع إن آجلًا أو عاجلًا أنصار التغيير في حزب جبهة التحرير الجزائرية. هذا التغيير الذي لن يكون إلا لفائدة الثورة الجزائرية ولمصلحة الشعب لا سيما أن الأطروحات الاشتراكية بدأت معاقلها تهتز في كبريات الدول ولكن التغيير الذي نأمله لإخواننا الجزائريين ونطمح إليه كإسلاميين هو التغيير الذي يعرف ما ليس بأصيل و يبقى على ما هو أصيل فالثورة الجزائرية وجهها عربي إسلامي ولا بد أن تبقى كذلك ومما يحزننا أن توفر الاضطرابات الأخيرة الفرصة لأعداء الثورة للنيل منها وتشويهها فقد حاولت الصحافة الفرنسية بالذات الصيد في المياه العكرة الجزائرية بمحاولتها إلباس من تسميهم الأصوليين الجزائريين تهمة التخريب والحرق والتدمير لإثارة المستغربين الجزائريين -وما أكثرهم- على الصحوة الإسلامية. ولقد وجدت أقلام صحافية غربية الفرصة سانحة لنخر الثورة الجزائرية خالطة الحقائق بالأراجيف والأكاذيب فكتب مثلًا ويني باكمان في مجلة نوفال أبسرفاتور إن أحد الشبان الجزائريين لخص شكوكه في المستقبل الجزائري برفعه لقطعة کارتون كتب عليها: «مطلوب مستعمر جديد.. لا يتقدم إلا الجاد» فهل يعقل أن يحمل شاب جزائري واحد مثل هذا الكرتون؟ وذهبت أقلام أخرى إلى السخرية من تجربة التعريب الجزائرية مدعية أنها أدت إلى بلبلة لغوية وعدم إتقان الطلاب الجزائريين لا اللغة العربية ولا اللغة الفرنسية.
فهل يحزم إخواننا الجزائريون أمورهم ويصفون وضعهم خاصة وهم على أبواب مؤتمر جبهة التحرير على كافة الأصعدة متخلصين من سلبيات الماضي وفاتحين أبوابًا عريضة للأمل في المستقبل حتى يخرسوا الألسنة الماكرة ويلجموا الأفواه القوالة بالسوء.