العنوان بعد أن أعادت واشنطن النظر في سياسات نصف قرن خاطئة.. تونس عند بوابة التحول الديمقراطي في العالم العربي!
الكاتب جلال الورغي
تاريخ النشر السبت 28-مايو-2005
مشاهدات 61
نشر في العدد 1653
نشر في الصفحة 26
السبت 28-مايو-2005
النظام التونسي لا يزال يبدي امتناعًا عن «الإصلاح» أو بالأحرى «الانصلاح»
مرحلة بن علي مقارنة مع بورقيبة نقلت تونس من ديمقراطية «منقوصة» إلى ديمقراطية «مغشوشة»
ارتفاع في ظاهرة الشباب المندفع للهجرة الشرعية أو عبر قوارب الموت
وجد الغرب نفسه يدفع بسبب دعمه للدكتاتوريات في العالم العربي والإسلامي ثمنًا باهظًا، من أمنه واستقراره. وقد وصل اليوم إلى قناعة بأن الاستقرار وتأمين مصالحه في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق على حساب حرية الشعوب وكرامتها. وتبين له أن حالة الركود واستشراء العنف لا تهدد مصالحه في الشرق الأوسط فحسب، وإنما يمكن أن يمتد هذا التهديد إلى أمنه القومي.
اقتنعت الولايات المتحدة اليوم بأنه لم يعد ممكنًا اليوم الاستمرار على نفس النهج السابق أو السير وفق السياسات الخارجية السابقة وأنه لا مناص من إعادة النظر في سياسات نصف قرن خاطئة. ولمس المراقبون بقوة التأكيد الأمريكي على مرحلة جديدة في تاريخ السياسات الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط انطلقت بمقولة سلبية مضمونها وشعارها «الحرب الكونية على الإرهاب».
غير أن واشنطن أعطت ومع استعادة توازنها بعد تفجيرات ۱۱سبتمبر التي هزتها وخدشت هيبتها أعطت استراتيجيتها مضامين مختلفة تقوم على الترويج للديمقراطية عبرت عن نفسها بجلاء من خلال إطلاق المشروع المسمى «مبادرة الشرق الأوسط الكبيرة».
ولم يتردد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في أحد خطاباته بالاعتراف بالحصيلة المرة لأكثر من نصف قرن من السياسات الخارجية الأمريكية غير المتوازنة تجاه الشرق الأوسط، يحركها هدف حماية مصالحها في تلك المنطقة والتي تقوم على الدعم الكامل للديكتاتوريات في المنطقة وحمايتها وغض الطرف عن الغياب الكامل للحريات والدعم والتحيز الكامل للكيان الصهيوني دون تحفظ أو ردع لا في الحرب ولا في السلم.
ويشبه الكثير من الخبراء والمراقبين المشروع الأمريكي، الذي أطلق لإصلاح الشرق الأوسط الكبير بمعاهدة هلسنكي التي وضعت في العام ١٩٧٥ وقرر بمقتضاه، العالم الحر بزعامة واشنطن نشر ودعم حقوق الإنسان والحريات الأساسية في دول أوروبا الشرقية تشجيعًا لها على التخلص من الإرث السوفييتي وحثًا لها على إحداث تغييرات أساسية في أنظمتها السياسية وقد كانت أوروبا الغربية فاعلًا وشريكًا أساسيًا في هذا المشروع.
والحقيقة أن اتفاقية هلسنكي وما تبعها من مبادرات من جهة الأوروبيين، بينت أن الاهتمام بحقوق الإنسان، أو تنمية منطقة معينة في العالم لا يتم عادة إلا لحساب مصالح الدول التي تبنته في إطار أجندة لتأمين مصالحها وأمنها، وما حصل في اتفاقية هلسنكي لم يكن الهدف منه حرية وحقوق شعوب أوروبا الشرقية -وإن حصل ذلك- وإنما حصار الاتحاد السوفييتي وخنقه والتضييق عليه عبر إحداث فراغ من حوله ليعلن الاستسلام، ولعل ذلك ما حصل فعلًا عقب وصول جورباتشوف لسدة الحكم في الإمبراطورية الهالكة في وسط الثمانينات أي بعد سنوات من اتفاقية هلسنكي، علمًا بأنه في نفس الوقت الذي وضعت فيه اتفاقية هلسنكي لدعم الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في دول أوروبا الشرقية كانت الولايات المتحدة ترتبط وغيرها من دول «العالم الحر» بعلاقات مزدهرة مع أساطين الديكتاتوريات في الشرق الأوسط، على غرار شاه إيران دون أي تحفظ على طبيعة تلك الأنظمة المنغلقة والمستبدة!!
الواضح أن ضربات الحادي عشر من سبتمبر رجت القناعات السابقة، وبعثت برسالة عاجلة وقوية بأن من يدعم إرهاب الدول في الشرق الأوسط يجني ثماره إن لم يكن عاجلًا فآجلًا. وتطلق مشروعها اليوم متخذة من تونس مكتبًا إقليميًا لها، وقد يكون من المناسب لهذا السبب ولغيره مما يعلمه الكثير من المراقبين عن الوضع التونسي أن ننظر في مدى قدرة واستعداد النظام التونسي أن يكون النموذج الذي تنطلق منه المبادرة؟ والدولة التي سيعمل الأمريكيون على البدء بها لعلها الأسهل في تبني الإصلاح المطلوب.
فهل يمكن أن تكون تونس نموذجًا للإصلاح؟ وما الدلالات الحقيقية بأن تكون تونس نموذج الإصلاح في العالم العربي؟
المعجزة التونسية
لا يختلف المراقبون للتجربة التونسية منذ قيام دولة الاستقلال وحتى الوقت الحاضر حول فرادتها وتميزها، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه التجربة استطاعت أن تروج لنفسها وتصنع حول نفسها هالة من «النجاح» و«التفوق» بعضه حقيقي وبعضه لا يعدو كونه شغل دبلوماسية وارتباطات خارجية لا تريد أن تمزق الستار الذي يحجب الكثير من الحقائق حول هذه التجربة سواء في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة أم الرئيس زيد العابدين بن علي، ويكفي القول في هذا الصدد لامتحان مقولة المعجزة التونسية، أن تونس المستقلة، منذ العام ١٩٥٦ لم يحكمها على مدى تسعة وأربعين عامًا أي حوالي نصف قرن سوى رئيسين، حكم بورقيبة منذ الاستقلال إلى أن عجز في ٨٤ من العمر، ثم تولى ابن علي الحكم واستمر فيه دون أي اعتبار لمبدأ التداول السلمي على السلطة. ففي فترة زمنية، يمكن أن تحكم فيها الولايات المتحدة الأمريكية بـ ۱۲ رئيس دولة، فرض على تونس أن تحكم برئيسين فقط، السمة العامة لحكمهما الاستئثار الكامل بالقرار، وتسيير شؤون البلاد.
أما اقتصاديًا وعلى الرغم من الضخ المتواصل للقروض والمعونات الاقتصادية الغربية والأمريكية لتونس وعلى الرغم من الحظوة التي تتمتع بها تونس لدى الدوائر الدولية كالبنك الدولي وغيره فإن المديونية التونسية في تزايد مستمر ولا تعكس إطلاقًا ما يشاع عن معجزة تونسية، فنسبة البطالة بحسب الإحصائيات الرسمية غير الموثوقة لا تقل عن ١٦% وبحسب مؤسسات دولية لا تقل عن ۲۰% والمشكلة أن هذا الجيش من المعطلين عن العمل ينضم إليهم سنويًا الآلاف من حاملي الشهادات الذين يعجز سوق الشغل عن استيعابهم. إذ يتخرج من الجامعة سنويًا ما يزيد على ٣٠ ألف طالب، لا يحصل حتى الربع منهم على فرص عمل. وعلى الرغم من أن بعض الدوائر تتحدث عن أن ٦٠٪ من المجتمع التونسي مصنفون ضمن الطبقة الوسطى و4.2% فقط هم تحت خط الفقر فإننا لا نجد ما يسند هذه الإحصائيات في حين أن استشراء ظاهرة الشباب المندفع للهجرة الشرعية أو عبر قوارب الموت ووجود أقسام في السجون التونسية لمئات الأشخاص العاجزين عن خلاص ديونهم، وارتهانهم بوصولات لا رصيد لها وتسريح آلاف العمال من قطاعات غير قادرة عن المنافسة ضمن اتفاقية الشراكة، كل هذا يشير إلى أن الوضع لا يصدق ما هو مصرح به من أن تونس نموذج للنجاح الاقتصادي
تجربة النظام
على الرغم من بعض هوامش الانفتاح السياسي التي كانت تتوافر من حين لآخر إلا أن السمة العامة كانت هيمنة الحزب الواحد وسيطرته على جميع مفاصل الحياة العامة في البلاد، وبدأ التطور نحو الديمقراطية بطيئًا ومترددًا بل وكثيرًا ما شهد هذا المسار انتكاسات بحسب الأوضاع المحلية والدولية. ويعتقد بعض المراقبين أن بورقيبة نجح في بناء دولة حديثة إلا أنهم تحفظوا بشدة على المدة الطويلة أكثر من اللزوم التي استمر فيها هذا الزعيم في الحكم. والتي يعتقد الكاتب الأمريكي المختص في شؤون الشرق الأوسط، كارل براون أنها كانت على حساب رصيده وسمعته التي بناها على امتداد تجربته السياسية.
لم تكن الإطاحة بالرئيس و«الزعيم» الحبيب بورقيبة مجرد عملية روتينية بسيطة بل كانت مغامرة بمعنى الكلمة، وأسباب ذلك عديدة منها أنه ليس من السهل التجرؤ على شخصية قوية في مستوى بورقيبة عملت كل وسعها أن تكون الشخصية الأولى في تاريخ تونس خلال التحرير وبعده، فالرجل عايش أجيالًا من التونسيين، وأحب كل تونسي لأن من هذا الفتات، صنع بورقيبة شعبًا يهتف باسمه ويرفع الشعارات فداءً له ويحمله على الأكتاف كلما تقرر ذلك كذلك فإن الشخصية الجديدة التي أقدمت على مغامرة إزاحة بورقيبة ليست شخصية معروفة ولا جماهيرية وإنما شخصية لا تقارن بكل المقاييس مع الزعيم بورقيبة.
ولم يكن غريبًا أن يجمع الفريق الذي هندس وخطط لابن علي لإضفاء معقولية على التحول في السابع من نوفمبر ۱۹۸۷م مبررات توزعت بين حالة بورقيبة الصحية التي لم تعد تسمح له بالقيام بمهامه إلى إنقاذ زعيم المعارضة آنذاك الشيخ راشد الغنوشي من حبل المشنقة وهو ادعاء نفته أكثر من جهة مقربة من الرئيس بورقيبة غير أن فريق التغيير استعمله مبررًا آخر في الانقلاب لتجنب مفاجآت شعبية، خصوصًا وأن الإسلاميين كانوا آنذاك يتحكمون في الشارع ويسيرون مظاهرات بالآلاف ضد بورقيبة، ومما يدعم عدم صحة مزاعم أن الإطاحة ببورقيبة جاءت لإنقاذ الزعيم الإسلامي الشيخ راشد الغنوشي من الإعدام، هو أن هذا الأمر يتناقض مع حقيقة كون بورقيبة ليس من طبعه دفع الأمور إلى نهايتها في خصوماته ثم إنه كان عاجزًا. وبالتالي لا ينتظر منه متابعة ملف المحاكمة في كل تفاصيله.
وصول الرئيس الحالي زين العابدين بن علي إلى الحكم كان علامة على تحول نوعي في الحياة السياسية التونسية، ويمكن تلخيص مرحلة بن علي مقارنة مع مرحلة بورقيبة بالقول إننا انتقلنا من ديمقراطية منقوصة إلى ديمقراطية مغشوشة ضربت فيها قوى المجتمع المدني بقوة وتحولت الدولة إلى نمط بوليسي قاعدته الوحيدة الأسلوب الأمني في التعامل مع كل المجتمع.
نموذج الإصلاح الديمقراطي
ولكن إلى أي مدى يبدو التحول في النظام السياسي التونسي جديًا وما حدود هذا التحول وإلى أي مدى سيمضي الخارج في المطالبة بالإصلاح؟
الحقيقة أنه ليس هناك إجابة قطعية عن هذه التساؤلات ولكن الرؤية الشاملة في التحليل تقول اليوم إن الخارج ما زال حذرًا في متابعة «مشروع الإصلاح» مما قد يعطي النظام السياسي في تونس فرصًا للمناورة فلا يزال هناك خوف خارجي من انفلات الأمور بالكامل من يد النظام في الوقت الراهن، لذلك لا تزال استراتيجية الحوافز عبر الدعم والقروض والمساعدات هي الوسيلة في التشجيع على المضي في الإصلاح ولا يمارس الضغط إلا اضطرارًا وتبرر الدوائر الخارجية هذا التمشي بالمخاوف من حصول المحذور المشار إليه سابقًا أو أن تكون ردة الفعل على أي ضغط سلبية تصور هذا الضغط باعتباره تدخلًا مباشرًا في الشؤون الداخلية، وهو أمر له حساسية خاصة في العالم العربي. ولا يزال النظام التونسي يبدي امتناعًا عن «الإصلاح»، أو بالأخرى «الانصلاح»، ولا تتردد الحكومة في تحجيم كل محاولة بروز منافسة جدية على قاعدة التعددية السياسية والانتخابات الحرة والنزيهة. ويفضل كل خصومها اليوم الانسحاب من سباق الانتخابات على الحصول على ما دون صفر بالمائة، ويبدو أن السلطة تفضل مبدأ السلامة على مبدأ المجازفة والمغامرة في إشراك منافسين جدد وهي تميل إلى اختيار منافسيها على طريقتها الخاصة حتى تنتصر عليهم على طريقتها الخاصة أيضًا، ولكن يبدو أن نداءات الإصلاح الخارجية المصحوبة بتطلع التونسيين للمشاركة في الحياة السياسية ستضطر السلطة إلى القبول ولو مكرهة على القيام ببعض الإجراءات الانفراجية، التي لن يكون لها شأن إلا بتوافر معارضة وقوى اجتماعية جدية تفرض نفسها جزءً من الواقع السياسي وتدعم مكاسبها بالإصرار على التعددية السياسية الحقيقية.