; بعد البوسنة والهرسك ألبانيا المسلمة تواجه مخاطر الحرب في البلقان | مجلة المجتمع

العنوان بعد البوسنة والهرسك ألبانيا المسلمة تواجه مخاطر الحرب في البلقان

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997

مشاهدات 61

نشر في العدد 1243

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 25-مارس-1997

  •  استيقظ الناس فجأة فلم يجدوا الدولة ولا الحكومة فعمت الفوضى وضاع الشعب.
  • ● أمريكا بعد أن حسمت الصراع في البوسنة تريد السيطرة على الوضع في البلقان بالكامل حتى لا تدع فرصة للأوروبيين
  • ● يمثل المسلمون 85% من سكان ألبانيا ولذلك فإن أوروبا تلعب دورًا في تركهم تحت هذا الوضع الاقتصادي المتردي

فجأة وبلا مقدمات مناسبة استيقظ الناس فلم يجدوا الدولة ولا الحكومة بل وقارب الوطن على الضياع، لم تحدث حالة كهذه إلا في الصومال وحتى في الصومال هناك إدارة تتحكم في شمال العاصمة وأخرى تتحكم في جنوبها، لا يستطيع المرء مهما بلغ من قدرة على التحليل السياسي أو مهارة في التوقع أن يتوقع ما حدث في ألبانيا مؤخرًا فكان أكثر المتشائمين يقول بأن حربا أهلية قادمة أو انهيار الحكومة واستقالة الرئيس أما أن يصل الأمر إلى أن يصبح الناس فلا يجدون الدولة بكاملها ولا حكومة ولا قطاعًا عامًا ولا قطاعًا خاصًّا فهذا مالم يدر بخلد أحد!

هل يصدق المرء أن الجنود المنوط بهم حماية الوطن من الخارج، والبوليس المكلف بحماية الوطن من الداخل يتركون مواقعهم وأسلحتهم بل ويفتحون مخازن السلاح والذخيرة للمواطنين ليغتنم من شاء ما يشاء؟ حتى الأطفال منهم صاروا يحملون سلاحًا لا ليقتتلون به بل ربما ذكرى من الدولة السابقة أو ربما يأتي الزمن الذي يبيع المواطن فيه السلاح، وقد جاء وأصبح سعر القنبلة اليدوية ٥ دولارات والمسدس أو البندقية «لا أعرف الفارق» بـ ٢٠ دولارًا! هل كان يصدق أحد مثل تلك الحكايات ولو على سبيل التسالي ولكن هذا ما حدث في ألبانيا مؤخرًا. فهل خرجت عن الخط المرسوم لها سلفًا؟

هل لأن الشعب غالبيته من المسلمين وإن كانوا لا يعرفون عن الإسلام شيئًا؟ هل لأن اليونان تريد أن تسيطر على الجنوب الألباني؟

هل لأن الصرب يريدون إثبات أنه من الأفضل للألبان في إقليم كوسوفو أن يظلوا تحت الاحتلال بدلًا من أن تحكمهم الفوضى في تيرانا؟

هل لأن فرصة ألبانيا في النهوض والتقدم عالية بما حباها الله به من مناخ وثروات ويد عاملة رخيصة وأرض بكر لم تستغل بعد؟

هل ما يحدث في ألبانيا حرب أهلية أم مخطط لتقسيم ألبانيا ولو معنويًّا إلى جنوب يوناني أرثوذكسي وشمال إيطالي كاثوليكي، وعلى المسلمين السلام؟

أسئلة كثيرة دارت بخلد المرء وهو يشاهد ما يحدث في ألبانيا في الأيام الأخيرة، وبداية فلماذا تشتعل الصراعات حيث يوجد المسلمون أو رائحة المسلمين، هل نحن على وعد أم هو الثأر القديم، والذي لن تنساه أوروبا حين فتح المسلمون أوروبا وحكموها بالعدل والخير والإحسان؟

لماذا كانت البوسنة ثم الشيشان ثم ألبانيا ولماذا لم تكن سلوفينيا أو مقدونيا؟! هل لأن الأغلبية لیست مسلمة؟! ربما!!

وبعد أن نشر السلاح في ربوع ألبانيا ووصل إلى كل يد مدربة وغير مدرية وكأنه لعبة في يد الأطفال، هل يصل الأمر إلى حرب في البلقان تأكل ما تبقى منه وتأتي على الأخضر واليابس كما حدث في البوسنة؟ وهل هناك ما يدفع إلى التخوف من حدوث تلك الحرب؟ والإجابة أن هناك من الأسباب ما يدفع إلى التكهن بمثل ذلك كما أن هناك أيضًا ما ينفي مثل هذا التوقع.

  1. تداول السلاح وانتشاره

فبعد أن أصبح السلاح في متناول الأيدي ووصل إلى كل بيت في شمال ألبانيا وجنوبها، بات من المؤكد أن خطرًا ما قد يحدث خصوصًا في الشمال القريب من كوسوفو المحتل من قبل الصرب والذي يعاني الألبان «الأغلبية» فيه سوء المعاملة من المحتل الصربي والذي لم يجد له نصيرًا لا من الشرق ولا من الغرب حتى الآن وربما كانت حادثة التفجير التي وقعت مؤخرًا في إقليم كوسوفو والأزمة مشتعلة في ألبانيا ربما كانت نذير الحرب القادمة بعد أن وصل السلاح إلى الأيدي في الشمال.

كما أن وصول السلاح إلى الجنوب الألباني ودعم اليونان لانفصال غير معلن للجنوب الألباني «تريد اليونان جنوبًا متحالفًا معها على غرار الوضع في جنوب لبنان» ولأن الجنوب الألباني الآن أصبح مرتعًا خصبًا لليونانيين يمرحون فيه بعد أن فقدت الحكومة سيطرتها عليه وأصبح اليونانيون هم الذين يديرونه من طرف خفي ولو على شكل مساعدات إنسانية تتباهى بها اليونان أمام العالم، كل ذلك قد يرسخ في الذهن فكرة الانفصال والتي لن يرضى عنها الشعب الألباني، ناهيك عن أهل الشمال مما ينذر بحرب شاملة قد تتورط فيها اليونان.

  1. الهجرة

أمام تدهور الأوضاع المعيشية في ألبانيا في الفترة الأخيرة وضياع هيبة الدولة وأموال المودعين ضاعت آمال الناس وأحلامهم في أن تكون ألبانيا جزءًا حقيقيًّا من أوروبا التي يشاهدونها على شاشات التلفاز ومحطات الفضائيات «الدش» التي غزت ألبانيا بشكل كانت نتيجته اضطرابًا عقليًّا ونفسيًّا وسوء ظن في المستقبل دفع الناس إلى الهجرة والهجرة المكثفة إلى دول الجوار، مثل إيطاليا واليونان وأمام هذا الفيضان من البشر قد تضطر هذه الدول إلى الدخول في الأراضي الألبانية لحماية حدودها من الهجرة مما ينذر بتدخلات من هنا أو هناك وخصوصًا تركيا التي تعتبر أن تدخل اليونان في الشؤون الألبانية يضر بمصالحها في البلقان.

  1. الجريمة المنظمة

نظرًا لقرب ألبانيا الشديد من إيطاليا «ساعتين بالقوارب السريعة إلى ميناء باري» فقد تغلغلت المافيا الإيطالية في الأراضي الألبانية وانتشرت تجارة تهريب السلاح عبر ألبانيا، الشيء الذي لا يمكن وقفه بسهولة في منطقة حساسة مثل البلقان، ومع إنشار المافيا انتشرت تجارة المخدرات وأصبحت ألبانيا محطة للترانزيت مما يسهل تلك التجارة بما تحمله من خطورة إلى البلدان المجاورة وتحمل معها خطر حرب واسعة النطاق...!

  1. الأقليات الألبانية في دول الجوار

انتشر الألبان في البلقان بشكل كبير خصوصًا بعد أن انحصرت رقعة الأرض الألبانية بعد الحرب العالمية الثانية وأصبح الألبان أقليات في بلاد الجوار مثل مقدونيا والتي تبلغ نسبة الألبان فيها أكثر من ٢٥% من إجمالي عدد السكان يقول البعض بأنهم أكثر من ٤٠%، كما أن الألبان في كوسوفو يمثلون ٩٨% من السكان علاوة على الألبان في شمال اليونان «شمر» والجبل الأسود والذين يمثلون قنبلة موقوتة للوضع في البلقان إذا ما حدثت مشكلات حدودية.

  1. تركيا

يمثل الصراع اليوناني التركي نقطة ملتهبة في المشكلات القائمة في ألبانيا والبلقان، فألبانيا بالنسبة للأتراك كانت أرضًا تركية فتحها الأتراك وظلوا بها خمسمائة عام، تأثرت فيها ألبانيا بالموروث الإسلامي والتركي وترك في الحياة الألبانية علامات مازالت قائمة ومفردات في اللغة الألبانية مازالت تستخدم وقد وقفت تركيا إلى جانب ألبانيا في صراعها مع اليونان وساندت ومازالت حق ألبانيا في إقليم كوسوفو، ووقفت بجانبها بعد القضاء على الشيوعية وفتحت حدودها للمواطنين الألبان الدخول تركيا دون فيزا مسبقة، وزاد حجم التجارة بين البلدين وزار الرئيس التركي السابق تورجوت أوزال ألبانيا وشدد على دعمها، وكان آخر موقف هو حين طردت اليونان عشرات الآلاف من العمال الألبان واشتعل الموقف على الحدود بين اليونان وألبانيا وأعلنت تركيا دعمها للموقف الألباني مما دعم الألبان معنويًّا في مواجهة اليونان، لذا فإن حدوث أي مشكلة في الأراضي الألبانية وخصوصًا من جانب اليونان سيدفع بتركيا للتدخل للدفاع عن ألبانيا ومصالحها في البلقان ومازال الجميع يذكر موقف تركيا في البوسنة والذي أعتقد أنه سيكون أقوى في ظل حكومة حزب الرفاه الإسلامي، على أن هذه النقطة بالذات قد تكون من مؤشرات عدم حدوث حرب شاملة في البلقان وذلك خوفًا من تورط تركيا الدولة العضو في الناتو ضد دولة عضو هي الأخرى.

  1. الدور الأمريكي

يقول الكثيرون بأن أمريكا تريد أن تسيطر على الوضع في البلقان بالكامل وألا تدع فرصة للأوروبيين أن يحلوا مشكلاتهم وذلك حتى تتمكن من قيادة الناتو عسكريًّا ويظل أمن أوروبا بالكامل في يد أمريكا، ومن هذا المنطلق فإن أمريكا قد ترى في إشعال الموقف في ألبانيا هو الفرصة المواتية والمناسبة للقضاء على الدور الأوروبي في مسألة أمن أوروبا، خصوصًا بعد أن حسمت الصراع في البوسنة على الطريقة الأمريكية، والمؤيدون لهذا الرأي يقولون بأن طرح مسألة استقالة بريشا في هذا التوقيت مع العلم بخطورتها تعني تفجير الموقف في ألبانيا خصوصًا بعد أن تشكلت حكومة المصالحة الوطنية الجديدة.

  1. التركيبة السكانية لألبانيا

يمثل المسلمون أكثر من ٨٥% رغم محاولات الغرب تحديدها بـ ٧٥% وأحيانًا ٧٠% كما يمثل المسيحيون النسبة الباقية وهم مقسمون بين أرثوذكس في الجنوب وكاثوليك في الشمال.

ولأن المسلمين أغلبية فإن نظرة أوروبا إلى ألبانيا دائمًا مرتبطة بهذه النسبة وبالصراع القديم في أوروبا، الأمر الذي يدفعها إلى التدخل إما لعزل الألبان عن تراثهم الإسلامي أو للقضاء عليهم وذلك بتركهم نهبًا للواقع الاقتصادي المتردي أو بتركهم تحت الاحتلال كما هو الحال في كوسوفو، ودائمًا ما يتحكم هذا العامل في تصرفاتها مما يدفعها دائمًا إلى الخطأ وترك الأمور حتى تفقد السيطرة عليها، ومن ثم تأتي أمريكا لتتدخل لغير صالح المسلمين أيضا، كل هذه الأسباب تدفع المرء إلى التوقع باشتعال حرب شاملة في البلقان، بيد أن هنالك من الأسباب ما يدفع إلى عكس ذلك ومن بينها:

  1. تجربة البوسنة والشيشان وأثرها على الشارع العربي والإسلامي

يمثل فشل أوروبا في حل النزاع في البوسنة وفي الشيشان «رغم أن النتيجة التي وصل إليها الأمريكان كانت مرضية لهم» يمثل بقعة سوداء في تاريخ أوروبا الحديث، أوروبا التي لم تغفر لنفسها حتى الآن مزاعم اليهود من أنهم تعرضوا للإبادة وما زالت تدفع لهم التعويضات.

وهذا ما قد يدفعها إلى التفكير جيدًا هذه المرة خصوصًا مع توتر الشارع الإسلامي وانقباضه مما حدث في البوسنة، وليس الأمر بالسهل على مصالح أوروبا في العالم العربي والإسلامي خصوصًا إذا ما وصل الغضب مبلغًا لا يمكن احتواؤه من الحكومات العربية والإسلامية التي قد تجد نفسها في خندق واحد مع مواطنيها، قد يدفع ذلك أوروبا إلى اتخاذه موقف تحتوي به ألبانيا وتخمد نار الحرب في البلقان.

  1. تعدد المصالح الأوروبية في ألبانيا

نظرًا لما تتمتع به ألبانيا من موقع جغرافي فريد ومناخ يصعب أن تجد مثيله في أوروبا مجتمعة، ونظرًا لزيادة فرص الاستثمار الحقيقية في هذا البلد البكر بلد المستقبل كما قال أحد رجال الأعمال اليونانيين، ونظرًا لقرب سواحلها من إيطاليا «الكاثوليك» ومن اليونان «الأرثوذكس» ونظرًا لرغبة أمريكا في أن تكون ألبانيا قاعدة أمريكية ناهيك عن أن تكون قاعدة للناتو، كل ذلك يجعل من قيام حرب تتشابك فيها كل هذه الأطراف والتي لن تحمد عواقبها بالشيء غير اليسير.

ولكن الشيء الأكيد في الصراع في البلقان أنه لا تحكمه قواعد ولا أصول والنتائج دائمًا غير مضمونة، وتبقى كل هذه الاحتمالات مجرد نظريات تأخذ نصيبًا من الواقع لكنها لا تشكل كل الواقع ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بما قد يحدث.

دور المعارضة في ألبانيا

في ضوء توقع سيناريو أعد خصيصًا للحالة الألبانية والذي قد ينتهي بالتقسيم غير الجغرافي وتوزيع مناطق النفوذ لابد وأن تتحدث عن المعارضة بشقيها «السياسي والمسلح»

  1. المعارضة السياسية

تمثل المعارضة اليسارية حجر الزاوية في الأزمة الحالية في ألبانيا، ويعتقد الكثيرون أنها وراء ما يحدث في الجنوب بل إنها متورطة بشكل أو بآخر في العمل المسلح في الجنوب.

ورغم أن اليساريين يبدون حاليًّا متعاونين مع الأحزاب الأخرى ويعلنون رفضهم للعنف ويناشدون المواطنين تسليم أسلحتهم، إلا أنهم يصرون على أن يغادر بريشا موقعه وهم يعلمون علم اليقين أنه لو ترك بريشا الحكم فسيشتعل الموقف مرة أخرى فلن يرضى سكان الشمال موطن بريشا أن يترك بريشا الحكم بناء على رغبة ساسة الجنوب المتعاطفين مع اليونان.

بعد الانتخابات البرلمانية السابقة التي جرت في مايو ١٩٩٦م والتي شابها الكثير من التجاوزات مارست المعارضة اليسارية كافة أنواع الضغط في محاولة منها للتشهير بالرئيس بريشا وبالحزب الحاكم، ورغم ذلك لم تفلح في زحزحة الرئيس عن موقعه ولم تفلح حتى في الحصول على أغلبية في الانتخابات المحلية التي جرت في أكتوبر من العام نفسه، وما إن بدأ انهيار شركات تنظيف الأموال أو ما يعرف بالنظام الهرمي الاستثماري حتى ركبت المعارضة الموجة وانطلقت بطول البلاد وعرضها لتشهر بالرئيس وبالحزب الحاكم وكانت مدينة فلورا الساحلية أول المحطات التي انفجرت على إثر تحركات المعارضة وتسخينها للمواطنين وخصوصًا بعد أن أشاعت أن الحكومة المركزية في تيرانا قد أرسلت شرطة سرية لفض اعتصام وإضراب نظمه طلاب الجامعة هناك ثم ثار الناس وقاموا بقتل ستة من رجال الشرطة واقتحموا مبنى المخابرات ثم عمت الفوضى بعد أن طرد الأهالي الشرطة والجيش من المدينة ولم تجرؤ قوة على الدخول إلى المدينة منذ ما يقرب من شهر وتم تشكيل مجلس إنقاذ وطني في المدينة لتسيير أمور المدينة غالبيته من الاشتراكيين أو المتعاطفين معهم.

وبعد فلورا نشطت المعارضة خصوصًا في الجنوب وعلى نفس الطريقة تم طرد كل من له صلة بالحكومة وتشكيل جبهة إنقاذ ولكن لتحكم ست مدن في الجنوب.

  1. المعارضة المسلحة

رغم أن السلاح وصل إلى كل المدن إلا أن أهل الجنوب هم الذين قاموا بتنظيم صفوفهم وأعادوا ترتيب أوراقهم مرة أخرى وظهروا بصورة منظمة واحتفظوا بالسلاح ورفضوا تسليمه حتى تلبي طلباتهم أو شروطهم:

  1. استقالة بريشا.
  2. استقالة الحكومة وتشكيل حكومة ائتلافية.
  3. العفو الشامل.
  4. مقعد في المفاوضات مع الحكومة باسم محافظات الجنوب.
  5. انتخابات جديدة.
  6. دستور جديد

ومن الواضح أن هدوء الأوضاع في الجنوب حاليًّا يعود إلى تدخل اليونان غير المرئي من خلال المساعدات والخبرات العسكرية عبر الحدود المفتوحة في الجنوب بعد طرد الجيش والشرطة الألبانية منها.

ويبدو أن المعارضة في الجنوب مازالت تصر على شروطها رغم تحقق معظمها، رغم أن رئيس الوزراء الجديد من الجنوب وينتمي إلى الحزب الاشتراكي إلا أنهم يصرون وبشدة ، على ترك بريشا للحكم قبل التفاوض مع الحكومة المركزية ومن الواضح أن هذا الضغط تزامن مع خروج فاتوس نانو من السجن بعد أن عفا عنه بريشا مؤخرًا ومضطرًا استجابة للضغط من اليونان عبر وزير الخارجية الذي أرسل رسالة إلى بريشا يطالبه بالإفراج عن فاتوس نانو، كما أنه جاء بناء على توصية الاشتراكيين في تيرانا والذين يتعايشون عن قرب مع بريشا ويعلمون جيدًا حالة الضعف التي وصل إليها، وربما تكون هذه الضغوط ليست بهدف إزاحة بريشا بقدر ماهي بهدف كسب تأييد شعبي في ألبانيا خصوصًا وأن الشعب مولع دائما بالزعامة.

ورغم ذلك فقد الجميع رصيده لدى الشارع الألباني وخصوصًا المثقفين فيه والذين شعروا بحجم المأساة وعمق الجرح الذي قد لا يندمل سريعًا، ولم يبق في ألبانيا من حزب يزعم أنه سيفوز بل إن هناك من يقول إن الانتخابات القادمة ستفرز عناصر أخرى غير حزبية وغير ملوثة لا بأموال المستثمرين ولا بدماء المواطنين.

الدور الأوروبي

منذ انفتاح ألبانيا على العالم وانتخاب أول حكومة ديمقراطية في عام ١٩٩٢م وأوروبا مهتمة بألبانيا إهتمامًا خاصًا لعلمها بأن الغالبية مسلمون، لذلك فقد سارعت إلى احتوائها ضمن منظومات أوروبا المختلفة ومؤسساتها المتنوعة وأغدقت عليها من وسائل اللهو والترفيه ما لا يتناسب مع الأقلية الألبانية، وعرف المواطنون الموضة والخمور والمطاعم والملاهي والديسكو وأصبحت تيرانا مثل لاس فيجاس الأمريكية من كثرة الملاهي وأندية القمار.

وقد ساعدت أوروبا ألبانيا في البداية وقدمت إليها مساعدات عينية ومادية وخبرات، وقامت ألبانيا بمساعدة أوروبا في إعداد مشروع الدستور الجديد والذي حاول بريشا تعديله والحصول على سلطات أوسع كما قامت الكنيسة في أوروبا بإعادة ما أغلق من كنائس وبناء المزيد وتدافعت الهيئات التنصيرية لجلب المساعدات من أوروبا إلى ألبانيا.

ويبقى أن تعامل بريشا مع الموقف الأوروبي إزاء الانتخابات الأخيرة قد أعطاه الضوء الأخضر لمزيد من الضغط على اليساريين في محاولة منه إثبات ولاءه الكامل لأوروبا اليمينية، ولكن بعد فرض قانون الطوارئ وترشيح بريشا نفسه وفوزه بفترة ولاية ثانية وبعد أن أعربت أمريكا عن أسفها أن يتم ذلك في ظل قانون الطوارئ، بادرت أوروبا بالتحرك على محاور عدة من بينها البرلمان الأوروبي والاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبية والذين طالبوا بانتخابات جديدة ودستور جديد وحكومة جديدة بالضبط كما طالبت أمريكا قبل وصول الأوروبيين!

تحركت أوروبا على نفس الخط الأمريكي وهو الحل السياسي متناسية الحل الاقتصادي والذي لو اعتمد منذ البداية لما حدث ما حدث وكان من الممكن الضغط على بريشا والحزب الحاكم لإجراء إصلاحات ديمقراطية.

كان تحرك أوروبا الأخير بناء على طلب من اليونان التي أعلنت منذ بواكير الأزمة أنه لو حدث أي اعتداء على الأقلية اليونانية في ألبانيا 1% فإنها ستترك الأمر لأوروبا لتتدخل ولن تتدخل هي «رغم تواجدها في الجنوب». 

وكذلك الحال بالنسبة لإيطاليا التي رأت أن أزمة الهجرة من ألبانيا قد تدفع في اتجاه اتساع أرضية الصراع فطالبت هي الأخرى بتدخل أوروبي لحل الأزمة وقد زار وزير الخارجية الإيطالي ألبانيا مساء يوم توقيع اتفاقية الأحزاب الأخيرة، كما قام السفير الإيطالي بالجلوس مع المعارضة المسلحة في فلورا وأقنعهم بترك السلاح والتفاوض، وقد استجابوا وأيدوا وباركوا اتفاق الأحزاب الأخير.

ويبدو أن هناك خطة معدة لتوسيع نفوذ اليونان في ألبانيا، لذا تركت أوروبا الصراع حتى وصل إلى ما وصل إليه ولم تتعلم من درس البوسنة، ويبدو أن الأمر سيحسمه الأمريكان الذين يقعون تحت ضغط اليونان الأمريكيين والذين ملأوا الدنيا نحيبًا على الأقلية اليونانية التي تعذب في ألبانيا!!

كما يبدو أن الدور التركي قد حيِّد في الفترة الأخيرة أو لم تضعه أوروبا في حساباتها معتمدة على انشغال الرفاه في مشكلاته الداخلية.

دور صربيا

مع حالة الفوضى التي عمت ألبانيا مؤخرًا ومن قبلها والكلام يدور حول تواجد صربي في ألبانيا واختراق أمني على نطاق واسع وليس من المستبعد أن يكون لصربيا دور في تزكية الصراع في ألبانيا، وعلى أقل الاحتمالات فإن الصرب قد فازوا بالشيء الكثير من جراء ما يحدث في ألبانيا وأقل ما يمكن قوله هو انشغال العالم عن كوسوفو.

الطريق إلى الحل

حيث إنه ليس هناك حالة حرب أو حرب بين أطراف مختلفة في ألبانيا فإن مسألة إرسال قوات دولية أوروبية هي درب من المستحيل وقد رفض الأوروبيون والأمريكيون ذلك، ولكن الحل يتمثل في: 

  1. خبراء أوروبيين لاستعادة الأمن والنظام في البلاد بعد الفوضى التي ومازالت تعيشها.
  2. مساعدات اقتصادية وبرامج تنشيط اقتصادية لألبانيا.
  3. إصلاحات سياسية كبيرة ومصالحة وطنية.
  4. منع التدخل اليوناني والإيطالي في الشؤون الألبانية وحتى لا تنقسم ألبانيا إلى معسكرات أو جيوب قد تنفجر يومًا ما.
الرابط المختصر :