العنوان هوامش على زيارة وفد الصحفيين الدولي.. مشاهد حية وشهادات تاريخية في غزة
الكاتب صلاح عبدالمقصود
تاريخ النشر السبت 14-فبراير-2009
مشاهدات 67
نشر في العدد 1839
نشر في الصفحة 11
السبت 14-فبراير-2009
الاتحادان الدولي والعربي لم يقفا على مسافة واحدة من الكتل الصحفية الموجودة بنقابة الصحفيين في غزة
انحياز قيادات الوفد ضد حماس سلفًا جعلها تتبنى رؤية خصوم حماس دون التثبت من صحتها
المعلومات الخاطئة التي وصلت لمستر وايت ومكرم محمد أحمد قالت: إن حماس استولت على النقابة.. ولم تقل: إن فتح هي التي عسكرتها وخلطت بين العملين السياسي والمهني
مکرم محمد أحمد اتصل بالجهات المسؤولة لإرسال قافلة معونات غذائية باسم نقابة الصحفيين تحمل 80 طنًا وقد وصلت بالفعل إلى بوابة رفح وشاهدها بنفسه لكنها لم تدخل وعادت أدراجها!!
قال: إن نقابة الصحفيين في غزة انقسمت بين فتح وحماس والحقيقة أن النقابة منقسمة إلى أربع كتل منذ 8 سنوات وقبل وصول حماس إلى السلطة
.. ويقول: إن حماس لم تنتصر في الحرب.. وسؤالي له: هل انتصرت إسرائيل أو نجحت في تحقيق أهدافها؟! وما رأيك في صمود حماس 22 يومًا وفشل العدو في أسر مقاوم واحد أو دفعه إلى رفع الراية البيضاء؟!
أمن الرئيس عباس قدم هدية متواضعة للوفد الدولي أثناء زيارته وهي اعتقال مراسل الأهرام «خالد العمايرة» ومراسل قناة القدس «سامر خويرة».. وتقبلها الوفد شاكرًا فيما انشغل بكيل الاتهامات الكاذبة لحماس!
لأسباب لا أعلمها لم نزر أيًّا من بيوت الشهداء الصحفيين إلا منزل باسل فرج لمدة 3 ساعات بينما زيارتنالمبنى فضائية الأقصى الذي دمره العدو لم تدم أكثر من عشر دقائق
زرت غزة مع وفد الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب وأمضيت فيها يومين في المشاهدة والتحقيق، وبقدر ما أصابني الذهول من حجم الدمار الهائل الذي ارتكبه العدو الصهيوني بحق المدنيين العزل، أصابني الذهول أيضا من طريقة البعض في التحقيق، والذهاب إلى ساحة التحقيق برؤى مسبقة يريد تأكيدها لا تدقيقها أو تصحيحها.
وفد الاتحاد الدولي للصحفيين كان برئاسة «إيدن وايت» - سكرتير الاتحاد - ومعه 6 أعضاء من فرنسا وإيطاليا واليونان والدنمارك والنرويج والأردن، ووفد اتحاد الصحفيين العرب كان هزيلًا ضعيفًا، بدا وكأنه ملحق بوفد الاتحاد الدولي، إذ لم يضم إلا النقيب «مكرم محمد أحمد» - أمين عام الاتحاد، والأستاذ حاتم زكريا – الأمين العام المساعد للاتحاد - وكاتب هذه السطور، باعتباري نائبًا لرئيس لجنة الحريات بالاتحاد، وبالمناسبة أنا الذي سعيت للسفر عندما علمت في اللحظات الأخيرة، ولم يُطلب مني ذلك.
لكن الأمر الغريب أن الاتحاد قد صحب معه خمسة من الزملاء يمثلون الصحف القومية «الأهرام، الأخبار، الجمهورية، وكالة أنباء الشرق الأوسط»، ولم يسافر أي من الزملاء في الصحف الحزبية أو المستقلة الذين كانوا يتمنون هذه الفرصة، كما لم يسافر أي من ممثلي نقابات الصحفيين العربية وكأن أمر غزة وصحفييها يهم الغربيين أكثر مما يهم العرب!
أزعم أنني استفدت كثيرًا من زيارتي إلى غزة، وأيقنت بمقولة ليس من رأى كمن سمع؛ فحجم الدمار الذي شاهدته في غزة يفوق بأضعاف ما تناقلته وسائل الإعلام، وعندما سألت بعض الزملاء الصحفيين قالوا : إننا لم نستطع أثناء الحرب نقل كل الدمار الذي حدث؛ بسبب شدة القصف المتواصل من الجو والبر والبحر، وإننا في عملنا قمنا بتغطية 80% من أحداث الحرب من فوق برجي الشروق والجوهرة، ومستشفى الشفاء ومحيطه وعدد من المستشفيات الأخرى، كما أن الصحفيين كانوا مستهدفين من قبل العدو؛ إذ سقط منهم خمسة شهداء وعشرات الجرحى، إضافة إلى أن العدو لم يسمح لأي من الصحفيين أو مراسلي التلفزيونات ووكالات الأنباء الغربية بالدخول إلى غزة.
لاحظت أن ثمة قناعات موجودة عند كل من أميني الاتحاد الدولي والاتحاد العربي (إيدن وايت ومكرم محمد أحمد)، أكد لي ذلك برنامج الزيارات الذي تم وطبيعة التنسيق مع الطرف الصحفي الفلسطيني.
فأولى الملاحظات أن الاتصال كان يتم مع كتلة واحدة داخل نقابة الصحفيين في غزة وهي كتلة الشبيبة الصحفية التابعة لحركة فتح، رغم أن النقابة الفلسطينية بها أربع كتل رئيسة، فبالإضافة إلى كتلة الشبيبة التي يرأسها صخر أبو العون - مراسل وكالة الأنباء الفرنسية، هناك كتلة الصحفي الفلسطيني القريبة من حماس وتضم عددًا من المستقلين ويرأسها ياسر أبو هين- مدير الشبكة الإعلامية الفلسطينية، وهناك التجمع الإعلامي الفلسطيني القريب من حركة الجهاد الإسلامي، ويرأسه صالح المصري - مدير إذاعة القدس- وهناك رابعًا التجمع الصحفي الديمقراطي القريب من الجبهة الشعبية، ويرأسه حسين الجمل.
نقابة الصحفيين منقسمة منذ ثماني سنوات، لكن المعلومات التي وصلت للمستر وايت والسيد مكرم قالت: إن حماس استولت على النقابة منذ سنتين مع استيلائها على السلطة، وإن الصراع كما هو في السياسة بين فصيلين كذلك الحال في النقابة وبين الصحفيين.
والحقيقة أن الذي استولى على النقابة هم الزملاء في فتح عندما انقسموا على النقابة في الضفة، بسبب عدم إجراء الانتخابات المستحقة منذ عام 2001م وحتى الآن، وبقاء نعيم الطوباسي نقيبًا للصحفيين منذ عام 1999م وحتى الآن بالمخالفة للقانون.
المعلومات الخاطئة التي وصلت لمستر وايت ومكرم محمد أحمد قالت: إن حماس استولت على النقابة ولم تقل إن فتح هي التي عسكرت النقابة وخلطت بين العملين السياسي والمهني، والأستاذ مكرم وصلت إليه معلومات خاطئة بأن الزميل صخر أبو العون رجل مستقل يحاول جمع الصف الصحفي، مع أنه يرأس الشبيبة الصحفية التابعة لفتح، وغضب النقيب عندما استقبلنا على حدود غزة صخر أبو العون مع الزميل عماد أفرنجي - رئيس منتدى الإعلاميين الفلسطينيين - وكأن الكعكة يجب أن يأكلها أبو العون وحده، وأن يبقى وفد الاتحاد أسير معلومات خاطئة أو كاذبة تصب في أذنه من طرف واحد فقط!
رغم كل شيء قلته أو سأقوله فيما بعد إلا أنني أقدر وأثمن المبادرة التي قام بها الاتحاد الدولي للصحفيين، التي جاءت بعد ضغوط مورست عليه من إعلاميين فلسطينيين وغربيين للتدخل من أجل حماية الصحفيين الفلسطينيين، ودعوته للسفر إلى غزة؛ ليحقق بنفسه فيما إذا كان الكيان الصهيوني قد ارتكب جرائم حرب بحق المدنيين عموما، والصحفيين على وجه الخصوص، والحمد لله أن الوفد بإجماع أعضائه خرج بقناعة تامة أن العدو الصهيوني ارتكب جرائم حرب بحق الصحفيين والمدنيين، وأنه قتل خمسة من الصحفيين وأصاب العشرات، واستهدف بعض المكاتب الإعلامية، في برجي الشروق والجوهرة المعروفين باحتوائهما على معظم المكاتب الإعلامية العربية والغربية، واستهدف أيضًا مبنى فضائية الأقصى المكون من خمسة طوابق، ويعمل به 350 فردًا بين صحفيين ومصورين ومراسلين وفنيين وإداريين إلا أن القصف الذي دمر المبنى بالكامل تم في الساعة الثانية من صباح اليوم التالي للحرب 28/12/2008م ، ولم يكن بالمبنى إلا المصور الشهيد حمزة شاهين، وهذا من لطف الله.
برنامج الزيارة: لأسباب لا أعلمها لم نزر من بيوت الشهداء الصحفيين إلا منزل الشهيد باسل فرج – مصور التلفزيون الجزائري - ولا اعتراض على ذلك فكلهم شهداء لا نفرق بين أحد منهم وزرنا مبنى تلفزيون وفضائية الأقصى الذي دمره العدو بعدة صواريخ أثرت على جميع المباني المجاورة. ورغم أننا جلسنا في منزل الشهيد باسل أكثر من ساعة كاملة، إلا أن زيارتنا لمكان تلفزيون الأقصى ولقاءنا بالعاملين به لم يدم أكثر من عشر دقائق، وكان الزميل محمد ثريا -نائب مدير القناة - يشرح للوفد طبيعة القناة ودورها في قطاع غزة بوصفها التلفزيون المحلي الوحيد في القطاع إضافة لكونها فضائية تنقل بعضًا من واقع الناس في غزة ومعاناتهم إلى الخارج، فوجئت بالسيد وايت يسأل محمد ثريا ناقلًا له تبريرات العدو الصهيوني لقصفه لمبنى إعلامي بقوله: «إن الصهاينة يقولون إن تلفزيون الأقصى يقوم بالدعاية لصالح حماس»، ونظرت إلى وجهه وابتسامته الصفراء، وكأنه يوافق على هذا التبرير، وتساءلت: وهل لو قامت حماس بقصف مبنى التلفزيون الصهيوني، أو مقر «معاريف»، أو «جيروزاليم بوست» كان «وايت» سيسأل الصهاينة مثل هذا السؤال، وأن تلك الوسائل تقوم بالدعاية لقادة الحرب الصهاينة؟!
وفي اللقاء الذي عقد مع الصحفيين في غزة بفندق «كومودور» تحدث «إيدن وايت» متهمًا حماس بالتضييق على الصحفيين وانتهاك حريتهم واعتقالهم، فرد عليه الزميل عماد إفرنجي - رئيس منتدى الإعلاميين الفلسطينيين - متهمًا إياه بالتجنّي وترديد الشائعات الكاذبة، وإغماض العين عما يحدث للصحفيين في الضفة الغربية على أيدي أجهزة الرئيس عباس، مطالبًا إياه بأن ينظر بكلتا عينيه لا بعين واحدة.
إصرار على عدم التصحيح: وعندما عدنا إلى القاهرة عقد الوفد مؤتمرًا صحفيًّا بمقر اتحاد الصحفيين العرب ليعرض نتائج زيارته لغزة بدأه مكرم محمد أحمد بالحديث عن تأكد الوفد من قيام الكيان الصهيوني بارتكاب جرائم حرب بحق الصحفيين، وأن الاتحاد الدولي للصحفيين بالتعاون مع نقابتي الصحفيين المصريين والفلسطينيين واتحاد الصحفيين العرب سيعدون لاتخاذ الإجراءات اللازمة للتقدم بدعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد قيادات الكيان الصهيوني لتقديمهم إلى المحاكمة.
لكنه أضاف أن ثمة تضييقًا وانتهاكًا للحريات الصحفية تمارسه حماس، ومن ذلك تهديدها للنقيب الفلسطيني «الطوباسي»، الذي حضر من رام الله ليسافر مع الوفد لكنه تم إبلاغه بتهديدات حماس له، وأنه سيتعرض لمتاعب جمة إن هو سافر!
وعندما تحدث «وايت» كرر الأمر نفسه وقال: إن الصحفيين في غزة تعرضوا لجرائم حرب من قبل الكيان الصهيوني، كما يتعرضون لتضييق وتخويف من قبل حماس وعلى الطرفين أن يكفوا عن ذلك!
أما ثالثة الأثافي فكان حديث نعيم الطوباسي الذي تكلم رغم أنه لم يكن عضوًا في الوفد ولم يسافر إلى غزة أصلًا، ومع ذلك جلس على المنصة متهمًا حماس بأنها قامت بمصادرة السترات الواقية التي حملها الوفد للصحفيين في غزة، وأن حماس تهدد الصحفيين وتعتقلهم، وتطلق الرصاص على أرجلهم وقال: اذهبوا إلى المستشفيات لتروا ذلك بأعينكم!! الأمر الذي دفعني للرد عليه واتهامه بترديد أكاذيب لا أساس لها من الصحة حيث كنت عضوًا بالوفد، ولم تصادر حماس منا أية سترات واقية، بل إن هذه السترات في الأساس أرسلها الاتحاد إلى القاهرة، وطلب من الزميلة عبير سعدي، والزميل جمال عبد الرحيم عضوي المجلس المساعدة على توصيلها إلى الصحفيين في غزة.
وبعد اتصالات كثيرة وإلحاح تسلمتها سفارة فسطين بالقاهرة مع 12 خوذة فولاذية، وذلك بعد امتناعها عن تسلمها بدعوى أن سلطات الحدود تعتبر السترات والخوذات من الأدوات العسكرية فمن الذي صادر السترات إذن؟!
معًا ضد حماس!
انحياز قيادات الوفد المحقق ضد حماس سلفًا جعلها تتبنى رؤية خصوم حماس دون التثبت من صحتها، وقد بدا ذلك واضحًا عندما أغمض المؤتمر عينيه عن التعرض لحادث اعتقال الزميل سامر خويرة - مراسل فضائية القدس في الضفة الغربية - وعلم «نعيم الطوباسي» بذلك قبل انعقاد المؤتمر، كما أن مراسل الأهرام في الضفة الزميل خالد العمايرة كان قد اعتقل من قبل أجهزة الأمن الوقائي في الضفة قبل سفر الوفد إلى غزة بأسبوع واحد واستمر في السجن لأربعة أيام دون أن يُصدر أي من الاتحادين إدانة أو حتى مناشدة بالإفراج عنه!
إنني أقول وقلبي مطمئن: إن الاتحادين الدولي والعربي لم يقفا للأسف الشديد على مسافة واحدة من الكتل الصحفية الموجودة بنقابة الصحفيين في غزة، ولم ينجحا في خلع الموقف المسبق من حماس، وأسقطوه على واقع الصحافة، وأنا هنا لا أقصد كل أعضاء الوفد، بل أقصد القياديين الزميلين وايت – مكرم، وأذكر بالإعزاز دور الزميل «نيكوس ميخويلس» من اليونان الذي كان له دور كبير في قيام بلاده باستصدار قرار من الأمم المتحدة لحماية الصحفيين في غزة.
وأعود إلى مقال مكرم محمد أحمد في الأهرام الذي قال فيه: إنه لاحظ قبل دخولنا إلى بوابة رفح أرتالًا ضخمة من سيارات المعونة التي تحمل الأدوية ومواد الإغاثة والدقيق تنتظر لأكثر من يومين دخول القطاع؛ لأن المعبر – على حد قوله - توقف عن العمل إثر عملية عدوان قامت بها جماعات مسلحة تنتمي إلى حماس، أطلقت النار على معبر كرم أبو سالم واختطفت بعض شحنات المعونة بدعوى أن هذه الشحنات قادمة من قطر رأسًا إلى عبر حكومة حماس، ومن حق حكومة حماس أن تقوم بتوزيعها.. وأن منظمة «الأونروا» التي ترعى اللاجئين احتجت على ذلك باعتبارها المنظمة التي ترعى اللاجئين في قطاع غزة.
والحقيقة أن حماس لم تختطف أية شحنات أغذية من معبر كرم أبو سالم لسبب بسيط هو أن هذا المعبر عليه سيادة مصرية- صهيونية، وأن الذي يتسلم المعونات المرسلة هذا المعبر هو الهلال الأحمر الفلسطيني التابع للسلطة في رام الله، كما أن هذه المعونات تذهب أولًا إلى رام الله ومنها إلى غزة إن سمحت سلطة الرئيس عباس، ولا تدخل على الإطلاق إلى غزة مباشرة!
وإذا افترضنا جدلًا أن حكومة إسماعيل هنية تريد توزيع بعض المعونات التي ترد من بعض الدول العربية والإسلامية على المحتاجين من نسبة العشرين في المائة التي لا تشملهم برامج «الأونروا» والغذاء العالمي، فهل تلام على ذلك؟!
ثم نأتي إلى موضوع أرتال القوافل من الأدوية والأغذية التي تنتظر الدخول على معبر رفح السيد النقيب يعلم أنه بنفسه قام بإجراء اتصالات مع الجهات المسؤولة لإرسال قافلة معونات غذائية باسم نقابة الصحفيين تحمل 80 طنًا، وقد سبقت سفر النقيب إلى غزة بأربعة أيام، وانتظرت على معبر رفح، ومن حسن الحظ أن النقيب رأى القافلة بشاحناتها الأربعوعليها لافتات نقابة الصحفيين -رآها مصفوفة أمام بوابة معبر رفح، وطلبت منه الاتصال بالجهات المعنية لتيسير إدخالها معنا إلى قطاع غزة، وللأمانة فإن النقيب قام بالاتصال، وقال: لا يليق بنا كصحفيين مصريين أن ندخل وأيدينا فارغة، خصوصًا أن سكرتير الاتحاد الدولي للصحفيين «إيدن وايت» والوفد المرافق له حملوا معهم بعض المبالغ المالية ليقدموها كمساعدة لأسر الشهداء من الصحفيين.
لكن للأسف الشديد لم تدخل القافلة، وعدنا من غزة ولا تزال القافلة ممنوعة من دخول معبر رفح؛ لأن السلطات الأمنية أمرت السائقين بالعودة ومغادرة معبر رفح، وأثناء عودتهم في طريقهم إلى العريش أطلق عليهم أعيرة نارية من قطاع طرق - كما يقولون - وها هي القافلة قد قفلت، بما تحمله أي عادت والعود أحمد كما يقولون، ولكن بعد أن بقيت في الشمس لعشرة أيام، ونزلت عليها الأمطار مرتين!
والمنع لم يكن من حماس التي هي في أمس الحاجة لأية معونات تغيث الشعب الفلسطيني الذي يتعلق برقبتها أولا قبل رقبة أية حكومة أخرى.
النقيب مكرم يقول: إن حماس تعد ما حققته نصرًا؛ لأنها قتلت 49 صهيونيًّا مقابل 48 من شهدائها، وأنها حققت النصر على الإسرائيليين، وتعد كل من يعارض ذلك متواطئًا إن لم يكن خائنًا، وتأخذ بالشدة كل من يجرؤ على أن يعلن رأيًّا مختلفًا، تعتقله علنًا في الشوارع وتأخذهمعصوب العينين إلى الاعتقال.
والحقيقة أن حماس قالت: إنها قتلت 80صهيونيًّا، في مقابل استشهاد 48 من عناصرها، وإنها نجحت في اختطاف ثلاثة جنود في ثلاث محاولات متفرقة، إلا أن الطائرات التي كانت تحلق ليل نهار قامت بقتل الجنود مع خاطفيهم من رجال المقاومة؛ حتى لا ينضموا إلى «شاليط».
كما أن قيادات فصائل المقاومة الفلسطينية، وكل من التقينا بهم من الإعلاميين الفلسطينيين أكدوا لنا أن خسائر المقاومة كانت قليلة للغاية بفعل التكتيك الذي استخدمه المقاومون في مواجهة العدو عن طريق الخنادق والأنفاق التي تم حفرها ومنصات الصواريخ التي وزعت في العديد من المزارع والمناطق الحدودية، ووصل الإبداع بالمقاومة التي كانت تريد أن تصل إلى آليات العدو وجنوده الذين تمركزوا قرب إحدى المقابر أن تنكر بعض رجالها وحملوا نعشًا به منصات صواريخ وقذائف، وحملوه على أكتافهم على أن به شهيدًا في الوقت الذي جهزوا فيه موضع إطلاق القذائف من داخل هذه المقبرة على القوات الصهيونية، ونجحت العملية التي أذهلت العدو.
إن خسائر المقاومة بكل فصائلها وفقًا لأعلى التقديرات التي سمعناها ممن التقينا بهم في غزة، ومنهم أيمن طه القيادي في حماس، وعضو الوفد المفاوض وقادة من حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لم تصل إلى 300 شهيد بما فيها قوات الشرطة التي تم قصفها في حفل التخرج أول أيام الحرب.
لم يبالغ أحد من قادة المقاومة إذًا في الانتصار الذي حدث وحجم خسائر العدو التي تكبدها، ومنها خسارة ملياري دولار «تكاليف هذه الحرب»، وعشرات القتلى ومئات الجرحى، إضافة إلى آلاف الصهاينة الذين أصيبوا بالهلع وحُرموا من النوم طيلة أيام الحرب، وظلوا مختبئين في الملاجئ والمستشفيات بفعل صواريخ المقاومة التي دكت مدنهم ومستوطناتهم.
ثم هناك أكبر خسارة لحقت بجيش الاحتلال، وهي الخسارة الأخلاقية، وارتكابه جرائم حرب ضد المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ، وحتى رجال الشرطة وكلهم مدنيون، وتدمير ما يقرب من 20 ألفًا من المباني التي تضم مساجد ومنازل ومؤسسات حكومية، ومقرات للشرطة والمجلس التشريعي الفلسطيني، وقصر الحاكم المصري، ومبنى تلفزيون الأقصى، واستهداف الصحفيين ومكاتبهم، حيث سقط منهم خمسة شهداء وجرح العشرات، إضافة إلى تدمير بعض مكاتب الصحفيين، وسيارات المراسلين.
إن بعض الزملاء يتحدث عن العدد الكبير الذي سقط من المدنيين الفلسطينيين وأنا معهم في بشاعة المجزرة التي حصدتأرواح الشهداء وأوقعت آلاف الجرحى.
إلا أننا في مثل هذه الحروب لا يجوز أن نقيس الربح والخسارة في الحرببمقاييس المقاولين بل بمقاييس المقاومين، كما يقول الزميل النائب حمدين صباحي؛فالعدد الذي سقط من أشقائنا في غزة، سقط أضعافه من المصريين في حريق قطار الصعيد، وسقط أكثر منه غرقا في العبارة «السلام».
وفي مقالته التي نشرها بالأهرام عن زيارته لغزة قال: إن هناك شائعات تملأ المدينة يصعب التيقن منها بأن حماس قتلت ما يزيد على 70 شخصًا؛ لأنهم شبهوا بيانات حماس ببيانات «أحمد سعيد» في حرب 1967م، أو أنهم قللوا من حجم المقاومة التي أبدتها حماس بعد أن دخلت القوات البرية إلى غزة.
والحقيقة أن النقيب طرح هذه الشائعات على ممثل المنظمات الحقوقية في غزة خليل أبو شمالة - مدير «مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان» في قطاع غزة - فقال الرجل: إن صحيفة الشرق الأوسط قالت بالأمس: إن حماس قتلت 75 من العملاء الذين تعاونوا مع العدو الصهيوني، وأمدوه بمعلومات عن المقاومة، وأماكن قياداتها، فقلت له: نحن لا نريد ترديد ما ينشر بالشرق الأوسط؛ لأنك تعرف مصادرها، لكني أسألك بصفتك مديرًا لمنظمة حقوقية، هل تؤكد ذلك؟ قال: لا أستطيع. قلت: هل وصلتك شكوى بهذا الخصوص؟ قال: لا. سألته ثالثًا : هل لديكم أي اسم لشخص تم قتله من قبل حماس في الشوارع، كما يقال؟ أجاب: ليس لدينا شيء حتى الآن.
وفي نهاية مقاله، قال مكرم محمد أحمد: خالد مشعل -رئيس المكتب السياسي لحماس- في حديثه قبل بدء الحرب البرية، توعد قوات الغزو بجحيم من النيران يحصد أرواحهم بالجملة في شوارع غزة، وإن البطل الوحيد في هذه الملحمة هو الشعب الفلسطيني الصامد الذي دفع تضحيات جسيمة لم يدفعها شعب من قبل.
والحقيقة التي يعلمها كل من زار غزة أن العدو لم يجرؤ على دخول شوارع غزة وإنما اقتحم أطرافها بعد محرقة مدمرة من الجو والبحر والجو، لكنه أبدًا لم يجرؤ على الدخول في الشوارع؛ لأنه يعرف مصيرهالذي تحدث عنه «خالد مشعل».
ومع ذلك، أؤيد النقيب مكرم في أن البطل الحقيقي في هذه الحرب كان الشعب الفلسطيني، الذي قدم تضحيات عظيمة ستسجل له في تاريخ الإنسانية جمعاء.
لكن السؤال: أليست حماس جزءًا من هذا الشعب؟ والسؤال الآخر الذي ينبغي أن نطرحه إذا كانت حماس لم تنتصر في هذه الحرب، وإذا كان الشعب الفلسطيني لم ينتصر بعد هذا الصمود الأسطوري، إذا كان العدو قد فشل في دفع مقاوم واحد للاستسلام أو دفع الشعب الفلسطيني - رغم المجازر والدمار - إلى رفع الراية البيضاء للعدو، إذا كان هذا هو الواقع، فهل يريد النقيب والزملاء الأعزاء الذين يشككون في صمود المقاومة هل يريدوننا أن نكفربالمقاومة، وأن نسلم للعدو؟!
يكفينا أن العدو انسحب، وجر أذيال هزيمته العسكرية والأخلاقية، يكفينا أن نذكر لحماس وبقية الفصائل المقاومة أنها قدمت أبناءها وقادتها في مقدمة الشهداء، ونذكر هنا الشهيد الدكتور نزار ريان ذلك الشجاع الذي ضرب القدوة للشعب الفلسطيني في التشبث بالأرض والبقاء في بيته ولو قصفوه وقتلوه هو وثلاثة عشر شهيدًا من أفراد أسرته.
ونذكر أيضًا الشهيد «سعيد صيام» -وزير الداخلية- الذي شارك في قيادة المقاومة ضد العدوان ولقي ربه مع ستة من أفراد أسرته.
ونذكر كل قيادات حماس الذين كانوا يتجولون في ميدان المعارك تشجيعًا للمقاومين ولم يسكنوا الجحور كما يفعل البعض.
الذي يزور غزة الآن، ورغم ما خلفته الحرب من آلام ودمار سيؤمن بأن خيار المقاومة لا يزال هو خيار الأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني عامة، وقطاع غزة على وجه الخصوص.
وأخيرًا، فإنه ليس من المقبول أن يذهب المحقق برؤية مسبقة عن غزة وحماس، وأن يكون دخوله لغزة ليس للتدقيق أو التصحيح، وإنما لختمها بختم السلطة الوطنية الفلسطينية، وكأنها بالمفهوم المصري «كانت شهادة تنتظر ختم النسر»!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 1835
62
السبت 17-يناير-2009