العنوان بعد انفصال الجنوب.. السودان خسر ربع مساحته.. والمؤامرات مستمرة لتفكيك المزيد!
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 16-يوليو-2011
مشاهدات 51
نشر في العدد 1961
نشر في الصفحة 40
السبت 16-يوليو-2011
- الجنوب يثير مشكلات «أبيي » و «جنوب كردفان » و «دارفور ..» بهدف فصلها عن الشمال ضمن مخطط التفتيت
- قضايا عالقة وخلافات بين الجانبيْن ستكون المفتاح والمدخل الغربي للتضييق على «الخرطوم »
- مخاوف من اشتعال نزاعات على الحدود ولاسيما في المناطق الغنية بالنفط والثروات المعدنية
عندما أصدر الرئيس «عمر البشير» أمرًا للقوات السودانية بمطاردة المتمرد «عبد العزيز الحلو» مرشح الحركة الشعبية الجنوبية الخاسر في انتخابات ولاية «جنوب كردفان» بعدما قاد هذا المتمرد - الذي أصبح مسؤول حزب الحركة الشعبية في شمال السودان بعد انفصال الجنوب- هجمات عسكرية في الولاية احتجاجاً على خسارته الانتخابات أمام «أحمد هارون » مرشح حزب المؤتمر الوطني، وَسَعَتْ القوات السودانية لمطاردته واعتقاله.. وجدت أجهزة الأمن السودانية في مقره «خريطة » تشير إلى نوايا الحركة الشعبية بشأن مزيد من الانقسام في السودان، واستعدادات لفصل «جنوب كردفان » التي تلاصق دولة الجنوب الانفصالية الجديدة وضمها لدولة الجنوب!
كما كانت الحركة تعتزم ضم منطقة «أبيي » بالقوة قبل استقلال الجنوب؛ من خلال إعلان الجنوبيين في المنطقة انضمامهم إلى دولة الجنوب، وفرض أمر واقع قبل أن تجهض «الخرطوم » هذا المخطط. هذه المعلومة ليست سوى دليل واحد من عشرات الأدلة على تحركات داخلية وخارجية مشبوهة، ليس فقط لاستكمال خطة تفتيت ما تبقى من السودان بعدما نجحت خطة فصل الجنوب، وإنما لنقل هذا النموذج إلى مناطق ودول عربية أخرى بها أقليات دينية وعرقية تطالب بمثل ما حدث في الجنوب السوداني؛ بحيث يتحول انفصال جنوب السودان إلى زلزال «جيو سياسي » في باقي المنطقة العربية، ويُنظر إلى انفصال دولة جنوب السودان باعتباره نموذجاً يمكن الاحتذاء به لتحقيق طموحات الأقليات السكانية ذات التطلعات القومية لالنفصال عن دولها وبناء دول جديدة خاصة بها وتفتيت دول عربية أخرى، وهي تطلعات تضر بدول مثل مصر الأقلية النصرانية والنوبيون، والجزائر الأمازيغ، والعراق الأكراد، ناهيك عن أقليات عرقية وقبلية في أفريقيا سعت منظمة الوحدة الأفريقية لقمع انفصالها بالنص على رفض تعديل الحدود الموروثة من الاستعمار، ولكن انفصال الجنوب أرسى تقليداً خطيراً في هذا الصدد يسمح للجميع بالانفصال.
خطة شيطانية
أما فيما يخص السودان نفسه، فالخطة الغربية الشيطانية التي تجري لتفتيت ما تبقى من السودان بعد فصل الجنوب تركز حالياً على منطقة «أبيي » المتنازَع عليها بين الشمال والجنوب، رغم أن قبائل «المسيرية » العربية بها تفوق تعداد قبائل «الدينكا نقوك » الجنوبية بأربعة أضعاف، وعلي منطقة «جنوب كردفان » التي شهدت تمرداً عسكرياً من قِبَل المنتمين للحركة الشعبية الشماليين بهدف فرض أمر واقع وضمها لدولة الجنوب قبل انفصالها يوم التاسع من يوليو الجاري، غير أن التدخل القوي للجيش السوداني حسم الأمر مؤقتاً، فضالً عن مؤامرات فصل إقليم «دارفور .»
وهذا التحرك الغربي القائم على فكرة «تفكيك الأطراف »؛ بحيث لا تبقي سوى دولة سودانية صغيرة في الشمال يحكمها الإسلاميون وتكون محاصرة بقوى معادية في الجنوب والشرق والغرب المدعوم من حركة التمرد الجنوبية الحركة الشعبية يقوم على فكرة السماح أولاً لفلول حزب «الحركة الشعبية » في الخرطوم بالعمل السياسي للمطالبة بدولة علمانية، رغم أن هذا الحزب أصبح عملياً محظوراً بفصله دولة الجنوب والذهاب إلى «جوبا .» أما الخطة الأصلية فتقوم على فصل أجزاء أخرى من السودان بعدما جرى سلخ ربع مساحة السودان 25 % لصالح دولة الجنوب الجديدة، حيث بدأت دولة الجنوب الانفصالية تثير مشكلات «أبيي » و «جنوب كردفان » و «دارفور »؛ بهدف فصل هذه المناطق عن السودان الشمالي أيضاً ضمن خطط تفتيته. وقد بدأت الولايات المتحدة والغرب تنفيذ أخطر وأقذر مراحل هذه الخطة لتفكيك ما تبقى من السودان عبر دعم سلسلة إجراءات وإسباغها بالطابع الدولي؛ أبرزها:
رفع العقوبات الاقتصادية الغربية عن دولة الجنوب وإبقاؤها على الشمال رغم الوعود الأمريكية برفع العقوبات لو قَبِلت الخرطوم انفصال الجنوب!، واستصدار قرار من «مجلس الأمن » بنشر قوة دولية من سبعة آلاف جندي في دولة الجنوب الانفصالية لحمايتها في حال نشوب أي حرب مع الشمال، والمطالبة بخطط أخرى لنشر قوات دولية في «جنوب كردفان » و «دارفور » لاستكمال مخطط التفتيت.
قضايا عالقة
وهناك قضايا عالقة وخلافات بين دولة الجنوب المنفصلة حديثاً وبني الدولة السودانية الأم ستكون هي المفتاح والمدخل الغربي للتضييق على «الخرطوم » واستئناف الخطة الجهنمية لفصل ما تبقى من السودان..
أولاها: قضية «أبيي » التي شهدت منذ مارس الماضي توتراً كبيراً، قبل أن ينجح الجانبان مؤخراً في التوصل إلى ترتيبات أمنية تضبط الوضع فيها، عندما ذهب الرئيس «البشير » إلى «أديس أبابا » للقاء «سلفاكير » للبحث حول ما ينزع فتيل عودة التوتر في المنطقة، واتفق أخيراً في 20 يونيو الماضي على نشر قوات إثيوبية في المنطقة وتشكيل إدارة مدنية، إلى أن يتم إجراء استفتاء في المنطقة ويحدد مواطنوها إلى أي الجانبين الشمال أم الجنوب ينتمون.
والقضية الثانية التي يمكن أن تكون مدخالً للحرب بني الشمال والجنوب أو التضييق على الخرطوم هو «النفط » الذي لم يتم التوصل إلى حل بشأنه، والذي سيحصل الجنوب على 75 % منه مقابل 25 % للشمال.. فالجنوب لا يمكنه حالياً تصدير بتروله إلا عبر موانئ السودان وعبر خط الأنابيب الواصل من حقول النفط في الجنوب إلى ميناء «بور سودان» و«الخرطوم » كانت تعول على تعويض نقص عائداتها من النفط بتأجير هذه الأنابيب والموانئ لنقل بترول الجنوب مقابل نسبة من العوائد، ولكن الحركة الشعبية سعت إلى إبرام اتفاق مع كينيا يقضي باستغلال ميناء «أولامو » الكيني لتصدير واستيراد نفط الإقليم، وإنشاء طريق تربط بين الجنوب وكينيا وأثيوبيا، وربط ميناء «مومباسا » الكيني بالجنوب ليكون بديلاً عن أنابيب الشمال التي لا يستطيع الجنوب التصدير إلا من خلالها حتى الآن.. أضف إلى ذلك، أن مرافق المعالجة المركزية والخدمات المساعدة والمختبرات ومراكز المعلومات كلها في الشمال.
وقد هدد الرئيس «البشير » بإغلاق خط أنابيب البترول في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأنه، وطرح ثلاثة خيارات للتعامل مع النفط؛ تشمل: استمرار قسمة العائدات البترولية بني الشمال والجنوب، أو إيجار الأنابيب بالسعر الذي يُرضي الحكومة في الشمال، أو إغلاق الأنابيب.. علما بأن النفط يعتمد عليه اقتصاد الجانبين بشكل كبير يشكل 98 % من ميزانية حكومة الجنوب، و 70 % من صادرات الشمال، ما قد يجعل ىالنفط مادة أو أداة حرب بينهما وممولاً لها أيضًا.
أما القضية الثالثة الخلافية التي قد تثير حربًا فهي مسألة الحدود التي ظلت - رغم عمل لجان ترسيم الحدود - غير مرسمة على الأرض، وهناك تخوفات أيضاً من أن تفجر الحدود التي يزيد طولها على الألفي كيلومتر نزاعاتٍ في أكثر من بقعة ومنطقة، خصوصاً تلك الغنية بالنفط والثروات المعدنية، علماً بأن ما تم ترسيمه من الحدود على الورق هو 80 % ولم يتبقَّ سوى 20 % لم يتم ترسيمها.
إن ما كان الغرب يسعى لإقناع «الخرطوم» والعالم به، من أن انفصال الجنوب سيأتي بالسلام للمنطقة، ليس بالطبع سوى كذبة كبيرة، فالمتوقع هو أن يأتي الانفصال بمزيد من المشكلات ويفجر المزيد من الصراعات، وهو ما يؤكد أن الهدف ليس البحث عن مصالح السودان أو الجنوبيين بقدر ما هو البحث عن المصالح الغربية في السودان حيث الموارد الغزيرة والمناطق الإستراتيجية، وهو ما لن يتأتى لهم بدون تصفية قوة السودان الكبير الموحد، وشغله بصراعات متتالية كي لا تنهض دولة سودانية قوية في أفريقيا والعالم العربي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل