; بعد حادث سياد بري.. الصراع على السلطة في الصومال!! | مجلة المجتمع

العنوان بعد حادث سياد بري.. الصراع على السلطة في الصومال!!

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1986

مشاهدات 61

نشر في العدد 770

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 03-يونيو-1986

أوردت وكالات الأنباء العالمية نبأ نجاة رئيس النظام الصومالي من الموت إثر حادث اصطدام سيارته مع شاحنة خلال نزول أمطار غزيرة، وقد أسفر الحادث عن وفاة ثلاثة أشخاص من مرافقي الرئيس الذي نقل إلى المملكة العربية السعودية جوًّا للعلاج حيث أدخل فور وصوله في غرفة العناية المركزة مما يشير إلى أن إصابته كانت خطيرة للغاية.

لقد تعرض رئيس النظام الصومالي لهذه الأزمة التي ليست إلا نقمة من الله نزلت عليه جزاء لما جنته يداه في حق علماء المسلمين في الصومال الذين زج بهم في السجون قبل تعرضه الحادث السيارة بأسابيع في محاولة من نظامه للقضاء على الإسلام وعلمائه في حين منح هذا النظام كل التسهيلات للمبشرين ورجال الكنيسة ليبثوا سمومهم في صفوف الشعب الصومالي المسلم الذي لم يذعن للصليب حتى في أحلك عصور الاستعمار.

ولذلك أراد الله لرأس هذا النظام العفن أن يذوق نصيبًا من العذاب في هذه الدنيا جزاء ما اقترفت يداه، فقد نقل مصدر مطلع أن سياد بري لن يكون قادرًا بعد هذا الحادث على مزاولة مهام الرئاسة من جديد، وقد ذكر نفس المصدر أنه لذلك السبب بدأ صراع خفي على منصب الرئيس بين وزرائه والمقربين منه الأمر الذي قد يكون بداية النهاية لنظام استبدادي قهري لم يعرف تاريخ الصومال الطويل مثله عبر السنين.

محنة الدعاة في الصومال

بدأ النظام الحاكم في الصومال حلقة جديدة من حلقات مسلسل قمعه للحركة الإسلامية والدعاة والعلماء وطلبة العلم وكل من له أي اهتمام إسلامي حتى لو كان هذا الاهتمام لا يتجاوز حدود الاستماع إلى الدرس الديني العام الذي يلقيه العالم في المسجد.

ولم تنقطع في الواقع سلسلة الحملات القمعية التي يشنها النظام ضد الدعاة بين الحين والآخر وهي لم تزل مستمرة متواصلة الحلقات منذ استلم الرئيس الحالي محمد سياد بري مقاليد الحكم في البلاد عام 1969م على إثر اغتيال الرئيس السابق عبد الرشيد علي شرماركي وقد بلغت حملة سياد بري ضد الدعاة والعلماء قمتها عشية إعدامه لعشرة من كبار علماء الصومال الذين اعترضوا على إلغاء الرئيس العمل بأحكام المواريث والأحوال الشخصية كما جاءت مفصلة في القرآن الكريم، وإنما كانت ولا تزال تتخلل هذه الحملات القمعية فترات متقطعة من الهدوء المشوب بالحذر أو الهدنة المؤقتة ريثما يستعيد النظام نشاطه في ضرب الدعاة وتتبع حركاتهم وسكناتهم، أو أحيانًا خوفًا من مشاعر الغضب الداخلية والخارجية عندما تنطلق صيحات الدعاة والعلماء التي تستغيث بالعالم الإسلامي الكبير من ظلم وتعسف الأجهزة الحاكمة في البلاد فيضطر النظام إلى التوقف وتهدئة الحملات القمعية والاعتقالات وفك الحصار بصورة مؤقتة لحين انتهاء العاصفة، وموجة الغضب والتبرُّم التي تهب عليه من كل جانب، ثم لا يلبث أن يعود إلى الاعتقالات وشن الحملات الواسعة ضد الدعاة إلى الله في الديار الصومالية الممتحنة.

وهكذا بدأت حلقة جديدة من حلقات مسلسل القمع والإرهاب الذي يمارسه حكم الرئيس محمد سياد بري ضد الدعاة الإسلاميين وانطلقت صفارة السلطة للمباحث والأمن القومي وجهاز ما يسمى محاربة التطرف الديني، وبتوجيهات وتعليمات مباشرة ومحددة من الرئيس بري وتخطيط وتنفيذ من عناصر المخابرات، في السادس عشر من أبريل 1986م لكي يباشروا حملة اعتقالات واسعة النطاق للدعاة والعلماء تشمل كافة المناطق والمحافظات الصومالية وتتركز في المدن الرئيسية التي يلاحظ أن فيها نشاطًا إسلاميًّا مكثفًا مثل دروس المساجد ومدارس تحفيظ القرآن والدروس الدينية في الفقه والتفسير والحديث في المساجد.

وبتاريخ 23/5/86 جاءت قوة كبيرة من الجنود المسلحين بالدبابات والعربات المدرعة إلى جامع عبد القادر الكبير وسط العاصمة فأبلغت المصلين -وكان ذلك قبيل صلاة الجمعة- بأنه لا تقام صلاة الجمعة في هذا المسجد اليوم وأن على الحاضرين أن يغادروا المسجد فورًا ثم أغلقوا الطرق الموصِّلة إلى المسجد لمنع القاصدين إليه بهدف أداء صلاة الجمعة.

وفعلوا الشيء ذاته في مسجد آخر من مساجد العاصمة فلما رفض بعض الحضور مغادرة المسجد قبل أداء الصلاة أطلق الجنود الرصاص عليهم واستشهد أحدهم في داخل المسجد.

ويؤكد القادمون والمطلعون على الأحوال هناك من أن الجو مشحون بالتوتر وأن حملة الاعتقالات العشوائية سوف تشمل جميع الدعاة علماء وطلابًا في جميع المحافظات، وأن هناك قوائم بأسماء الدعاة النشطين الذين يلقون الدروس المنظمة في المساجد ومعظمهم من المتخرجين من جامعات العالم العربي ومن الأزهر والجامعات الإسلامية الأخرى ويتهمهم النظام بأنهم يضفون على المجتمع الصومالي صبغة الثقافة والعادات العربية التي درسوها في العالم العربي.

والجدير بالذكر أن هذه الدروس التي تُلقَى في المساجد لا تمس النظام الحاكم من قريب أو بعيد، ولا تتدخل أو تنتقد سياساته، ولا تتناول تصرفات الحكومة تصريحًا أو تلميحًا، وإنما هي دروس تفسير أو فقه أو حديث قائمة على التعليم والتربية، ومع هذا لا تطيق الحكومة حتى هذا التعليم البحت؛ لأنها ترى أن الناس ينجذبون إلى هذه الدروس ويقبلون عليها بشغف تنزعج من هذا الاندفاع نحو التمسك بالإسلام في صفوف الشعب بكل فئاته، والتفقه في الدين الذي يسري بين الناس سريان النار في الهشيم، فلا بد والأمر كذلك من أن تقضِي السلطة على العناصر المحركة لهذه الدعوة، ولا بد من أن تفسح المجال في الوقت نفسه لأصحاب البدع والخرافات لكي يمارسوا دورهم التقليدي، ولا بد من أن تنشر لنفسها دعاية في العالم العربي والإسلامي بأنها لا تفرط في الإسلام ولا في العروبة، وأن توجه الدعوة لبعض الصحفيين من العالم العربي بعد أن تكون قد استعدت لهم الاستعداد المناسب وهيأت لهم ديكورًا جميلًا عن الأوضاع وبرنامجًا أعد خصيصًا لكي يترك في ذهن الصحفي الزائر أن الحكومة الصومالية تحمي الإسلام وترعى كتاتيب تحفيظ القرآن وتعين الأئمة وتدفع لهم الأجور وتوزع الوعاظ والمدرسين في القرى والمدن، وتحرص على تعليم اللغة العربية والدين، ويعود الصحفي وهو يتحدث عن فتوحات الإسلام في الصومال على يد الرئيس محمد زياد بري ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ونحن لا نستطيع ولا نريد أن نتهم هؤلاء الإخوة الصحفيين العرب الذين ينشرون عن الصومال صورة بعيدة عن الواقع الذي تعيشه الدعوة في الصومال والأوضاع الحقيقية فيها، ولكننا نستطيع أن نقرر بكل اطمئنان أنهم أخذوا بحسن نياتهم، ولم يقابلوا كل أطراف القضية ومنهم الدعاة إلى جانب المسئولين ثم كتابة الانطباع حسب ما تقتضيه أبسط قواعد التحقيقات الصحفية.. لم يقابلوا الدعاة والعلماء المعنيين الذين نُشر في العالم العربي في وقت سابق أنهم يتعرضون للمضايقات والاعتقالات والتهديدات المستمرة والقيود في إلغاء الدروس والخطب، لم يلتقوا بأحد من الدعاة الذين يستدعون باستمرار إلى إدارة الشئون الدينية ويودعون السجون، ويتعرضون للاضطهاد والمنع من إلقاء الدروس، والفتيات المحجبات وما يلاقينه من عنت وقهر وسخرية واستهزاء من جانب أجهزة النظام، لم ينقلوا صوتًا واحدًا من أصوات الدعاة ولا رأيا واحدًا للذين تعرضوا وما زالوا يتعرضون للإرهاب من جانب الحكومة. وإنما اكتفوا بتوجيه أسئلة إلى المسئولين وبالطبع لا ينتظر من المسئول إلا أن يحلف بأغلظ الأيْمَان بأنه ليس هناك داعية معتقل ولا عالم مسجون ولا قيود على الدروس، وأن ينفي وينكر كل شيء، فهل من المعقول أو من العدل والإنصاف أو من أصول التحقيق الصحفي أن يكتفي الصحفي بذلك دون مقابلة الأطراف الأخرى وتقصي الحقائق وجمع كافة المعلومات ثم الشروع في كتابة التحقيق واستعراض كافة وجهات النظر؟ ولكن هذا ما حدث على أي حال بالنسبة لكل الصحفيين الذين أرسلتهم جرائدهم أو مجلاتهم إلى هناك.

لقد وقعوا أسرى لبرنامج الحكومة، والاستماع للأسطوانة التي يرددها وزير العدل -إن كان هناك عدل- حسن فارح، ومدير عام الشئون الدينية محمد جوليد، ثم رئيس النظام محمد سياد بري، والتجول في أماكن هيأها لهم النظام لكي يخرجوا من كل هذا بانطباع واحد هو أن الحكومة الصومالية هي حامية الإسلام وحارسة العقيدة.

ويحدث هذا لدعاة الإسلام في الوقت الذي تعمل في الصومال أكثر من 33 منظمة تبشيرية وتوزع الأناجيل المترجمة إلى اللغة الصومالية وتؤسس الشركات التجارية والمؤسسات التي تنظم مساعدات للبلد، وهي من أمريكا وبريطانيا وفرنسا والدانمارك والنمسا وهولندا وغيرها من البلدان الغربية ومعها أعداد ضخمة من المتخصصين منهم الأطباء والمهندسون الزراعيون والممرضون والإخصائيون الاجتماعيون والبيطريون والإداريون وغيرهم ويقومون بتوظيف كثير من الشباب الصومالي من الجنسين برواتب عالية ومغرية ويقدمون لهم المنح الدراسية إلى أوروبا الغربية وأمريكا.

كل هذا من أجل تنصيرهم أو على الأقل سلخهم من الإسلام والانتماء الحقيقي والواقعي لهذا الدين وهذا يكفيهم بالطبع، لأنه لا يهمهم كثيرًا أن يدخل المسلم في النصرانية ولكن حسبهم أن يجعلوه بلا دين وبلا عقيدة وبلا إيمان يدفع إلى العمل أو التمسك بالإسلام.

ويؤكد المراقبون للأحوال هناك أن نظام سياد بري يشجع هذه المنظمات ويقدم لها التسهيلات بل ويحذر الدعاة الإسلاميين ومبعوثي رابطة العالم الإسلامي ودار الإفتاء بالسعودية من مغبة التعرض لهذه المنظمات في معسكرات اللاجئين، وبين أيدينا الآن قائمة تحتوي على 30 منظمة تنصيرية تعمل طبعًا باسم إغاثة اللاجئين مع أسماء المسئولين فيها ومناطق عملهم في المحافظات الصومالية، ولقد أصبح معروفًا لرجل الشارع في الصومال أن هذه المنظمات التنصيرية تعيش تحت مظلة ورعاية السلطة وتزاول عملها التنصيري بدعم معنوي مباشر من الحكومة، في حين يطارد دعاة الإسلام ويودعون في السجون والمعتقلات وتتعقبهم المخابرات.

إن الذي تؤكده أحداث أبريل 86 الأخيرة، وسياسات النظام السابقة منذ إعدام العلماء العشرة في أكبر ميادين العاصمة مقاديشو وما سبقها وتلاها من إجراءات هو أن النظام الحاكم ينكل بالدعاة ويضمر لهم العداوة والبغضاء، ويطاردهم ويلاحقهم باستمرار، وينزعج من إقبال الناس على التفقه في الدين وارتوائهم من الثقافة الإسلامية العربية.

إننا توجه النداء أولا إلى كافة الدول العربية والإسلامية بمناشدة الحكومة الصومالية بإيقاف حملة الاعتقالات فورًا، وإطلاق سراح جميع الدعاة والعلماء، ونتوجه بالنداء ثانيًا إلى المنظمات الإسلامية في العالم وخاصة منظمة المؤتمر الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي بمطالبة النظام الصومالي بوقف حملة الاعتقالات للدعاة التي بدأها في 16 أبريل 1986 فورًا، وإطلاق سراح جميع الدعاة المعتقلين وطلبة العلم والفتيات المحجبات، والكف عن ملاحقة الدعاة.

الرابط المختصر :