; بعد خمسين عامًا من الزعم... هل حقًا استقلت أفريقيا؟ | مجلة المجتمع

العنوان بعد خمسين عامًا من الزعم... هل حقًا استقلت أفريقيا؟

الكاتب د. سعيد باه

تاريخ النشر السبت 12-يناير-2013

مشاهدات 71

نشر في العدد 2035

نشر في الصفحة 36

السبت 12-يناير-2013

* كل ٣ من ٤ أفراد أفارقة هم من الشباب دون الرابعة والعشرين

* الأمية في عدد من البلدان الأفريقية تصل إلى ٧٥%

* نسبة وفيات الأطفال في القارة السمراء في حدود ١٤٠ من كل ١٠٠٠ طفل يولد

* رغم مضي أكثر من ٥٠ عامًا على استقلال السنغال لا نزال ترسل عينات من الدم إلى باريس وتنتظر أسابيع المعرفة النتيجة! 

ها قد أسدل الستار عن عام ٢٠١٢م، وأعلنت دول في أفريقيا احتفالها بمرور السنين على استقلالها .. الاحتفالات التي أعلن عن إجرائها تعطينا فرصة لتتوقف أمام هذه المسيرة لتحاول إلقاء نظرة فاحصة ترصد من خلالها بعض جوانب هذا الحصاد الذي تتباين حوله وجهات النظر بصورة حادة، وذلك من خلال المؤشرات الثلاثة الأساسية المؤشر السياسي، والمؤشر الاجتماعي والمؤشر الاقتصادي، مع توسيع دائرة النقاش على المستوى القاري مع التركيز في إعطاء الأمثلة التوضيحية على دول غرب أفريقيا التي كانت تحت الاحتلال الفرنسي.

ويمكن أن نتفق أولًا على أن خمسين عامًا في مسيرة قارة بحجم أفريقيا والتي تأتي من حيث المساحة في الترتيب الثاني بعد آسيا، ويقدر عدد سكانها اليوم بأكثر من مليار نسمة، ليس بالأمر الهين، وخاصة إذا قسنا ذلك بالتحولات العاصفة التي تشهدها القارات الأخرى، ومعظمها في الاتجاه الصحيح، خلال الفترة نفسها، ومن المفيد هنا أن تنظر في الظروف الموضوعية والزمانية التي جرت فيها عمليات الاستقلال: الأمر الذي يسهل لنا استيعاب ما سيلحق بعد ذلك من أحداث وتوجهات في معظم الدول الأفريقية المستقلة.

خطأ متعمد

ثمة خطأ يتعمد تسريبه في السياق التاريخي عندما يتعلق الأمر بالحديث عن حركات التحرر التي قاومت الاحتلال الأوروبي في كل أرجاء القارة حين تطرح القضية، وكان الاستقلال من صنع أولئك الذين ذهبوا إلى الغرب ودرسوا فيه ثم قلبوا له ظهر المجن، والجؤوه في نهاية المطاف إلى الجلاء الواقع هو أن القيادات الشعبية التي كانت على رأسها الطليعة الإسلامية الجهادية هي كانت قد تصدت أولًا الطلائع الاحتلال الأجنبي فأربكت خططه فترة، ثم استمرت تقاوم بعد وقوع الاحتلال، والتاريخ الأفريقي يزخر بأسماء الأبطال والحركات في كل أرجاء القارة وخاصة في الشمال والغرب.

وهو ما يؤكده كلام الرئيس السنغالي السابق، فها هو سنجور، يقول لنا بملء فيه مفاخرًا: اجتمعت بالرئيس ديجول في بوه فأعطاني الاستقلال خلال ثلاثين دقيقة.... هنا المفارقة الصارخة، فالاستقلال، كما تقول المعاجم ويؤكده العقلاء، إنما يؤخذ غلابا بعد جلادة وتضحية مثل كل الحقوق البشرية الأساسية، لكن لا يوهب، وإلا جاء أعرج أو عقيما لا نتاج له أو وهميا هلاميا لا لون ولا طعم ولا شكل له والاستقلال الذي أعطاء ديجول الذي لا يملكه له سنجور، الذي لا يستحقه كان من هذا النوع الرخيص. والآن فلتلق نظرة في المطالب الجوهرية الثلاثة التي طرحت أرضية للاستقلال في إطار الدوائر الثلاث السياسية، والاجتماعية والاقتصادية لترى حصيلة الخمسين عامًا من الاستقلال، فبدلا من الولايات الأفريقية المتحدة كما كان الحلم لدينا اليوم ٥٩ علمًا وعددًا مماثلًا من الدساتير والجيوش، إذا هي الدولة القطرية، وربما أمكن الحديث في بعض الحالات عن الدولة المقاطعة بالمفهوم الإداري، وحالة التمزق لا تزال جارية وفضلا عن ذلك فشلت كل محاولات التوحد الجهوي بين مالي والسنغال، وبين السنغال وجامبيا ومحاولات ليبيا أيام القذافي.

فالوحدات الإقليمية التي نشأت حتى الآن تحمل كلها بذور التفكك رغم ما يقال من نجاحات بعضها، وقس على ذلك بقية مشاريع الاتحاد والالتفاف حول الجوامع المشتركة.

بدءا بالخطوط الجوية الأفريقية وانتهاء إلى الاتحاد الأفريقي الذي خلف منظمة الوحدة الأفريقية، وحظ الأول ليس بأحسن حيث يتراوح بين قمة للرؤساء واجتماع للوزراء ثم بيانات تصدر إثر كل انقلاب يقع.

أرقام مفزعة

تعتبر القارة الأفريقية ذات وضع إستراتيجي بسبب الموقع الذي جعلها تتوسط قارات العالم القديم، ويأتي ترتيبها الثاني من حيث المساحة بعد القارة الآسيوية. حيث تصل مساحتها إلى ٢٠ مليون كلم، وأما عدد السكان فتقول آخر الإحصاءات بأنه قد تجاوز مليار نسمة قليلا نهاية عام ٢٠٠٩م، وأما متوسط معدل الزيادة السكانية في القارة فيصل إلى حوالي ٢٩٪ سنويًا. وفوق ذلك فإن كل ٣ من 4 أفراد أفارقة هم من الشباب دون الرابعة والعشرين ورغم هذه القوى البشرية ورغم الثروات الهائلة المتنوعة، فإن الوضع في مجال التنمية البشرية مقلق جدا، وهو ما يتضح من خلال المعطيات التالية: تتجاوز الأمية في عدد من البلدان ٧٥ وتكون هذه النسبة فيمن تكون أعمارهم فوق ٤١ سنة، وذلك رغم النجاحات التي حققها عدد ضئيل من الدول الأفريقية في هذا النطاق مثل جزر الموريشيوس وزيمبابوي.

ومؤشر آخر يتمثل في البيانات التالية:

  1. نسبة وفيات الأطفال في حدود ١٤٠ من كل ۱۰۰۰ طفل يولد بينما لا تتجاوز نسبة فرص الحياة ٥٥ عامًا، وذلك إلى جانب وجود مرض الملاريا الذي لا يزال يحصد حوالي ٢٠ مليون نسمة سنويا، ونسبة ٧٣% منهم في القارة الأفريقية.
  2. وبلغ عدد الانقلابات التي جرت في القارة خلال ٥٠ عامًا الماضية، والتي كانت دموية في معظمها (٨٥ انقلابًا)، بينما وصل  عدد القتلى من الرؤساء الأفارقة أثناء هذه الانقلابات حتى الآن إلى ٢٥ زعيمًا.

نقاط إيجابية

لسنا هنا بصدد شطب كل شيء، ثمة نقاط إيجابية كما قد يحلو للبعض أن يجادل في غير حاجة، وربما إلى درجة المكابرة هذه لا نملك إلا أن تؤمن عليها، لكننا نذكر بأن القضية المطروحة هنا أكبر من إنجازات تستل من كومة من الإخفاقات وشبكة مغلقة من الإنجازات الوهمية وفي خانة الإنجازات يسجلون بناء دولة معاصرة، وإيجاد لحمة وطنية متماسكة.

رغم وجود كثير من المسائل التي يمكننا أن تناقشها بهذا الخصوص، لكننا سنتجاوز ذلك الضيق المقام إلى مسائل جوهرية لنرى من خلالها حصيلة ٥٠ عامًا من ذلك الاستقلال الذي كثيرا ما كان الشيوخ السنغاليون والعجائز السنغاليات يتساءلون بحرقة بعد أن كابدوا مرارة ما سمي بالاستقلال: متى ينتهي الاستقلال؟

مضى اليوم ٥٠ عامًا على الاستقلال، ولا نزال لا نملك قوت يومنا بل نحن عالة على المستعمر الذي قدم لنا الاستقلال على طبق من ذهب كما يقول سنجور»، في توفير الحبة والجية.

مضى اليوم ٥٠ عامًا على الاستقلال، ولا نزال نرسل عينات من الدم إلى باريس وتنتظر أسابيع المعرفة النتيجة، فضلًا عن ان وزراءنا ورؤساءنا إذا زكمت أنوفهم ركبوا الدرجة الأولى إلى حيث الطب والأطباء.

مضى اليوم ٥٠ عامًا على الاستقلال، ولا نزال نشترط على من يمثلنا أو ينوب عنا في شأننا العام أن يرطن بلغة المستعمر ثم لا غضاضة، إذا ألقى كلمة في مناسبة شعبية بلغته الأم.. في أن يطعم خطابه ۷۷٪ من كلام المستعمر! 

مضى اليوم ٥٠ عامًا على الاستقلال، لا تقدر على توفير الكهرباء لـ ٥٠% من الشعب نصف يوم في كل سنة مرة! 

 مضى اليوم ٥٠ عامًا على الاستقلال، تتنافس نساء حكامنا الصالحين، في أن يضعن حملهن هناك حيث الأطباء المهرة والعلاج والأدوية الصالحة والوطن والجنسيات المفيدة! 

مضى اليوم ٥٠ عامًا على الاستقلال، ولا تزال دساتيرنا وقوانيتنا ومواثيقنا وانظمتنا ولوائحنا تستنسخ من هناك، وتطبق هنا بقضها وقضيضها. 

مضى اليوم ٥٠ عامًا على الاستقلال  وأبناؤنا يركبون أمواج الموت قرارا من كوابيس ليالي الاستقلال التي لا تنتهي إلا لتبدأ مجددا، ثم كان شعار شبابنا، الذي كنا تعول عليه لترميم ما هدمته اليد الغاشمة التي بطشت وسطت، ولا تزال إلى أن تكف أو تقطع على الإنسان والممتلكات، هو إما إلى برشلون، وإما إلى البرزخ. 

حصاد مر

هذا هو بعض الحصاد المر، بعد مضي ٥٠ عامًا من الاستقلال، وحق لنا أن نحتفل بهذا الحدث التاريخي جدا بإرسال ١٣ من رؤساتنا ليصفقوا لرئيس فرنسا التي احتلت بلادنا واسترقت جدودنا ونهبت خيراتنا قرونا عدة، وهي تحتفل بمناسبة ١٤ يوليو ٢٠١٠م. وبعثنا معهم جنودنا البواسل، وهم يحملون الفؤوس تذكيرا بدور قدر قام به جدودهم وليرقصوا كذلك على أنغام الغادة المارسيلية وربما في ختام الحفلة قد يذهبون ليؤدوا التحية للجنرال فيدهرب الذي استعمرنا ثم استحمرنا، وفي نهاية القصة شتمنا وقال فيد هرب قولته ثم على من تقع المسؤولية في هذه المسيرة المتعثرة للقارة الأفريقية التي يرى الأمريكيون بأنها أرصدة ادخرها الله للبشرية؟! 

وبعد السياسيين الذين يحملون أوزارهم. وأوزار من خانوهم نجد الطليعة الفكرية والثقافية التي توزعت بين جبان أثر الشطان الآمنة، يعيش ليأكل وقد انضم إلى الطائفة التي أهمتهم أنفسهم. وبين خائن بیدل جلده كل موسم مرتين، فأصبحوا ممن استخفهم السلطان فأطاعوه وكلنا الطائفتين قد خانت رسالة المثقف في المجتمع.

وفي هذه المرحلة الحرجة، نتجه الأنظار إلى حملة مشروع الإصلاح الأصيل على أساس مكونات ومقومات وخصائص الشعوب وتاريخها، كي يهبوا من رقادهم وأن يطرحوا ما عندهم من رؤى وتصورات وخيارات وبدائل في حلبة المنافسة حيث يتحكم قانون جودة المعروض وجمال العرض.

وبعد مضي ٥٠ عامًا من الاستقلال، ليس المطلوب سلسة من الاحتفالات والمهرجانات والخطب الرنانة بل يتمثل الواجب اليوم في:

أولًا: أن نقوم بجرد تاريخي شامل وصارم لتلك المرحلة التي تعتبر أحلك ايام تاريخنا أيام الاحتلال والاستغلال والاستلاب، ثم نحاكم المحتل بعدالة وأمانة وترغمه على الاعتراف بكل جرائمه التي تناهت في البشاعة ثم ترغمه على دفع الثمن كاملًا.

ثانيًا: أن نقوم بتقويم مرحلة ٥٠ عامًا من الاستقلال المزعوم لتحدد مكامن الخلل في مسيرتنا المتعرجة التي لا تصعد درجة حتى تتدحرج درجات نحو القاع، وهنا أيضًا لا بد لكل أولئك الذين خانوا العهد الوطني وباعوا مصالح الأمة من أن يدفعوا الثمن.

ثالثًا: أن نتنادي جميعًا نحن أبناء هذه القارة، وليس مجرد تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون يتقاسمون ليبيتونا من أجل وضع خطة رشد لبناء المستقبل، لا على أساس التلفيق والقص واللصق والاستعارة وإنما انطلاقا من ثوابتنا وتاريخنا وقيمنا وخصائصنا وفق إجماعاتنا الوطنية وأولوياتنا القومية لتحدد المسار الجديد للقارة وعندها سيحق للأجيال القادمة أن تحتفل وليس بمرور مائة ولا ثلاثمائة سنة من الاستقلال عن فرنسا وإنجلترا وإنما بميلاد وطن الكرامة التي لا تستباح والعزة التي لا تباع، وطن لا يقر منه أبناؤه إلى أحضان الموت لكنهم سيستميتون في الدفاع عنه والرفع من شأنه ويتنافسون حظوة الاحتماء في أحضانه، إنه أفريقيا الغد وطن الأحرار حيث يطيب العيش وتهنا الحياة إنه حلم، لكن الحلم قد يتحول إلى واقع متجسد يفوق الخيال.

(*)  أستاذ جامعي- السنغال

الرابط المختصر :