; بعد سقوط كابل في يد الطالبان: أفغانستان.. والسيناريوهات المستقبلية | مجلة المجتمع

العنوان بعد سقوط كابل في يد الطالبان: أفغانستان.. والسيناريوهات المستقبلية

الكاتب نادر العزب

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أكتوبر-1996

مشاهدات 85

نشر في العدد 1221

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 15-أكتوبر-1996

  • القوى الإقليمية والدولية تستخدم أفغانستان ملعباً لتصفية حساباتها والشعب الأفغاني يدفع الثمن

بعد انتظار دام أكثر من عام خلف أبواب كابل نجحت أخيرًا حركة الطالبان في تحقيق حلمها بدخول العاصمة، وإنهاء حكم الرئيس برهان الدين رباني الذي انسحبت قواته إلى الشمال وتعسكر حاليًا في وادي بنجشير تحت قيادة أحمد شاه مسعود وهكذا دخل الصراع الأفغاني يوم ٢٧ سبتمبر الماضي مرحلة جديدة ما زالت معالمها غير محددة تمامًا، كما أن التطورات السريعة الأخيرة تثير تساؤلات عديدة حول المستقبل في ظل مواقف القوى الداخلية، وكذلك الإقليمية والدولية.

منذ إبريل ۱۹۹۲م إلى ٢٧ سبتمبر ١٩٩٦م قاومت القوات الموالية لبرهان الدين رباني عشرات الهجمات قامت بها قوات حكمتيار ثم ائتلاف حكمتيار-  دوستم-  الوحدة، ثم قوات الطالبان وكان المراقبون يؤكدون على صعوبة السيطرة على كابل نظرًا للتحصينات العسكرية التي أنشاها القائد أحمد شاه مسعود، فضلًا عن التضاريس الجغرافية المساعدة للدفاع عن المدينة، فكيف وبكل هذه السهولة تركت القوات الحكومية مواقعها في العاصمة ولم تقاوم هجوم الطالبان هذه المرة؟ خصوصًا وقوات رئيس الوزراء حكمتيار كذلك قد انضمت لها منذ ثلاثة أشهر، وجبهة القتال مع دوستم وحزب الوحدة متوقفة منذ شهور؟ وفي محاولة لفهم أسباب سقوط کابل بید الطالبان، نجد أن أسبابًا داخلية وأخرى خارجية دعت قوات الرئيس رباني للانسحاب نحو الشمال، منها: 

ضعف الجبهة الداخلية: كانت حكومة الرئيس رباني تعاني من صراعات وخلافات داخلية بين أقطاب الحكم (رباني- مسعود- حكمتيار)، وكذلك من تعدد مراكز القرار، وهذا بدوره أدى إلى حد كبير إلى التسبب الإداري واللانظام، والفوضى المتفشية في الإدارة الحكومية مدنيًا وعسكريًا. كما أن سوء الإدارة والتعامل المزدوج مع المقاتلين حسب انتماءاتهم العرقية، والتوزيع غير العادل للمناصب والأموال على المسؤولين واحتكار السلطة، كل هذا أدى بدوره إلى إيجاد حالة من عدم الثقة بين القادة السياسيين والقادة الميدانيين كما لعب دورًا أساسيًا في إضعاف الدوافع القتالية لدى المقاتلين الحكوميين. وربما شعر رباني ومسعود بهذا الضعف في صفوف الحكومة، فأرادا إخراج كل ما يمكن نقله إلى الشمال، حيث الولايات والمناطق ذات الأكثرية الطاجيكية قبل حدوث أي مفاجأة من قبل الطالبان. الحكومة من جانبها ما زالت تصر على أنها انسحبت لمنع حدوث مزيد من الدمار وإراقة مزيد من الدماء في كابل التي عانت كثيرًا خلال أربع سنوات ماضية، كما تؤكد أنها الحكومة الشرعية لأفغانستان، وأمرت كل سفاراتها في الخارج بالعمل كما في السابق وتبشر بالعودة مرة أخرى إلى كابل. 

تقدم الطالبان المذهل شرقًا: في ۲۸ أغسطس الماضي بدأت حركة الطالبان تحركاتها العسكرية نحو الولايات الشرقية وسيطرت على قاعدة «سبين شجا» بولاية بكتيا والتي كانت تابعة لحكمتيار، وخلال شهر واحد فقط فتحت كابل العاصمة مرورًا بولاية ننجرهار، ثم لغمان، وكونر، ثم مدينة سروبي الاستراتيجية، هذا التقدم يواجه مقاومة عسكرية شديدة لا شك قد ترك أثرًا نفسيًا قويًا على معنويات الجنود الحكومية التي وجدت نفسها محاصرة من ثلاث جهات، وأصبحت الحكومة تخاف حصارًا كاملًا من قبل الطالبان بعد سقوط سروبي بحيث توقعت تقدم الطالبان عبر وادي تجاب، ومنه إلى مطار بجرام العسكري شمال كابل. 

الطالبان.. علماء أم عملاء؟

حركة الطالبان الوليدة، والتي استطاعت خلال سنتين من عمرها أن تبسط سيطرتها على ٦٠ من الأراضي الأفغانية بما فيها العاصمة كابل ما زالت مجهولة لدى كثير من الناس سواء في داخل أفغانستان أو خارجها، كما أن ظروف نشأتها الغامضة، ثم تقدمها المذهل ومواقفها المتناقضة تشكل هالة من الغموض والشكوك حول نفسها. مما يفسح المجال لكثير من التوقعات، ومما يعقد المشكلة عدم وجود أدبيات للحركة وتاريخ قيادتها شبه المجهول. بدأت الحركة- حسب تصريحات قياديها- کرد فعل على الأوضاع المتردية للبلد والفوضى والفساد المستشري في كل مكان، ثم تعاطف معها الشعب ووجدت ترحيبًا واسعًا منه مكنها من بسط سيطرتها على ثلثي أفغانستان، وإعادة الأمن والاستقرار إليها، ويستبعد قادة الطالبان وجود أي نوع من التدخل الخارجي في نشأة هذه الحركة ويعتبرونها ذاتية الانبعاث من أوساط طلاب المدارس الدينية الأفغان. لكن يبقى السؤال الأهم وهو كيف يديرون كل هذه الماكينة العسكرية الضخمة من دبابات وطائرات وراجمات الصواريخ؟ ومن أين كل هذه الأموال والتموين اللوجستي؟ وسياسيًا لماذا توجيه الضربات نحو الأحزاب الجهادية بالذات وترك دوستم بل وتوطيد العلاقات معه طوال الفترة الماضية؟ ما سر المواقف المرنة تجاه ظاهر شاه الملك السابق؟ وأخيرًا كيف نفسر مواقف أمريكا وباكستان المرنة تجاه هذه الحركة رغم تشددها الكبير في تطبيق رؤاها المتشددة خصوصًا بالنسبة لحقوق المرأة؟ 

مصالح أمريكا وباكستان 

ويمكن ربط تقدم الطالبان المذهل بالمصالح الأمريكية الغربية والباكستانية في أفغانستان وذلك لسبب بسيط وهو أن الصراع الأفغاني لم يعد صراعًا داخليًا فقط، بل صراعًا إقليميًا وميدانًا لتصفية حسابات ودفع فواتير إقليمية، وتكمن المصالح الأمريكية في ثلاثة مجالات: الأول: مكافحة الإرهاب والضغط على إيران، والثاني: مكافحة المخدرات، والثالث: مصالح اقتصادية في مد أنابيب الغاز والنفط من آسيا الوسطى عبر أفغانستان نحو بحر العرب. لقد أدى تطاحن القوى الإسلامية في أفغانستان خلال أربع سنوات ماضية دوره كاملًا في تشويه الإسلام والتجربة الجهادية وكان لزاماً إنهاء الوجود الإسلامي من أفغانستان، لما له من تطلعات سياسية لا ترضي الولايات المتحدة، كما أن حالة الفوضى الأفغانية شكلت أرضية خصبة لما يسمى بالإرهاب الإسلامي- حسب رؤية أمريكا-  حيث قواعد التدريب العسكري لمثل هؤلاء تقع في مناطق مختلفة من أفغانستان، ونفس الأمر بالنسبة لتجارة المخدرات النشطة، وقبل كل هذا حصار إيران شرقًا، وممارسة ضغوط جديدة عليها. هذه الأهداف الأمريكية لا يمكن تحقيقها إلا بقوة تملك قاعدة شعبية، فلم يكن هناك أحسن من واجهة «الملأ» والدين، لما له من مكانة لدى المواطن الأفغاني أما باكستان فإنها تريد حكومة صديقة لها توفر لها العمق الاستراتيجي في صراعها مع الهند وتيسر لها الوصول إلى أسواق آسيا الوسطى، ومن هنا يسهل لهم الاهتمام الباكستاني الكبير لهذه الحركة. أما الدول الخليجية التي يقال إنها تدعم الحركة.

ويرى كثير من المراقبين أن الطالبان ليست إلا مرحلة انتقالية لمجيء حكومة غربية بقيادة الملك السابق ظاهر شاه أو شخصية أفغانية أخرى وذلك بعد استتباب الأمن ونزع السلاح من الجميع وضرب القوى الإسلامية، واستيعاب دوستم في جيش وطني، كما يرى البعض الآخر أن معترك الصراع الأفغاني يبقى مشتعلًا وقد يشهد البلد انقسامًا عرقيًا إلى ثلاث دويلات: بشتونية، وأوزبكية، وطاجيكية، هذه السيناريوهات المتوقعة يمكن تصنيفها كالآتي:

أولًا: عودة ظاهر شاه وإسلام على الطريقة الأمريكية: هذا السيناريو هو أقوى السيناريوهات في ظل معطيات الواقع الراهن وتصريحات قادة الطالبان ومواقف القوى الدولية. لقد صرح وزير خارجية إدارة الطالبان في کابل يوم 6 /١٠ الجاري أن حكومة الطالبان تعتبر مرحلة مؤقتة، وأنها ستسلم الحكم لممثلي الشعب عبر الانتخابات، كما أن قادة الطالبان لم يستبعدوا في تصريحاتهم القديمة والجديدة عودة ظاهر شاه إلى الحكم، وفي نفس الإطار يمكن الإشارة إلى تصريحات أمريكية مشابهة أدلى بها السيناتور «دانا» في شهر أغسطس الماضي بعد زيارة له لأفغانستان وقبل هذا كله استعداد ظاهر شاه للعودة وإعلانه عن هذا الأمر. وفي مثل هذا السيناريو يكون دور الطالبان هو تولي الجانب الديني للحكومة، وتقلد المناصب التي تناسبهم، وهذا بالطبع بعد السيطرة على مناطق أحمد شاه مسعود، والتفاهم مع الجنرال دوستم واستيعابه في جيش وطني، وإعطائه مناصب حكومية، والذي يجعل هذا السيناريو أقرب إلى التحقق هو تقارب دوستم الأخير مع الغرب، وسفره إلى بريطانيا وأمريكا وعلاقاته الوطيدة مع تركيا وأوزبكستان، دوستم نفسه أعلن ترحيبه لمجيء ظاهر شاه وحدد مطالبه بالمشاركة في أي حكومة تضمن حقوق الأقليات، وتتسع لجميع فئات الشعب في إشارة إلى فكرة إنشاء فيدرالية في أفغانستان. وإن كان البعض يرى أنه من الصعب قيام الطالبان بتسليم الحكم لظاهر شاه او غيره من الشخصيات، لما لها من تصلب وجمود في المواقف والرؤى ويرى أصحاب هذا السيناريو أنه وفي حالة تمرد الطالبان عن الخطوط المرسومة يمكن تصفيتها كما تمت تصفية قوى الإسلاميين، خصوصًا وأن الطالبان تفتقد إلى النظام والبنية السياسية القوية.

ثانيًا: التقسيم على أساس عرقي: هذا السيناريو يتحقق إذا استطاعت قوات أحمد شاه مسعود وقف زحف الطالبان إلى وادي بنجشير حيث تجري حاليًا اشتباكات واسعة بين الطرفين وبالطبع إذا وجد مسعود دعماً قوياً من قبل دول آسيا الوسطى خصوصًا طاجيكستان وأوزبكستان، ثم روسيا وإيران يمكنه إلى حد كبير القيام بالحفاظ على الولايات الباقية تحت سيطرته، هذا السيناريو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بموقف دوستم الحاسم، وإذا أبدی دوستم مقاومة ضد تقدم الطالبان وفشلت محاولات الحوار بين الطرفين فالتقسيم يظهر أقوى الاحتمالات الواردة، وخارجيًا يتعلق تحقق هذا السيناريو بموقف دول الجوار خصوصًا آسيا الوسطى وروسيا وإيران. وكانت قمة طارئة عقدت يومي 4 و5 أكتوبر الحالي في عاصمة قزاخستان «آلما آتا» جمعت رؤساء كل من طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وقزاخستان، بجانب رئيس وزراء روسيا فيكتور تشير نومردين لمناقشة تطورات القضية الأفغانية، وتقدم الطالبان نحو الشمال. المجتمعون في «آلما آتا» أبدوا تخوفهم من سيطرة الطالبان على كابل والبدء بالسياسات المتشددة من تطبيق الشريعة الإسلامية، ورغم عدم اتفاقهم على استراتيجية مواجهة موحدة، فقد وافق الاجتماع على توجيه تحذير إلى الطالبان من مغبة التدخل في شؤون آسيا الوسطى، أما الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف، فقد دعا إلى الوقوف بجانب الجنرال دوستم لوقف زحف الطالبان، والدعوة لم تجد صدى في الاجتماع، ورفض الرئيس القيرغيزي بدوره التدخل في القضية بتاتًا.

وإذا اقتنع دوستم بوجهة النظر القائلة بأن الطالبان يريدون التقرب إليه للتخلص أولًا من رباني ومسعود ثم يأتي دوره وأن عاقبة الرئيس الأسبق نجيب الله الذي أعدمه الطالبان بعد ساعات من وصولهم إلى كابل تنتظره هو كذلك.. إذا تم ذلك فمن الممكن جدًا عقد تحالف جديد بين دوستم ومسعود لمواجهة الطالبان، وهو الأمر الذي يسعى له حاليًا مسعود ودول إقليمية أخرى لا سيما روسيا وإيران وأوزبكستان وعلى هذا يمكن تقسيم أفغانستان إلى ثلاث دويلات: دولة الطالبان في الغرب والجنوب والشرق وتشكلها الأكثرية البشتوية، ودولة دوستم في الشمال متشكلة من أغلبية أوزبكية، ودولة الأستاذ رباني وأحمد شاه مسعود في الشمال الشرقي ذات الأغلبية الطاجيكية، أما أقلية الهزار ذات المذهب الشيعي فقد ترجح الانضمام لدوستم في مثل هذه الحالة.

ثالثًا: حكومة الطالبان واستمرار الصراع: وهذا إذا استطاعت الطالبان السيطرة على جميع أفغانستان وإعلان حكومتها المركزية، ولم تسمح للآخرين بالمشاركة، أو سمحت بمشاركة تكنوقراطية محدودة، وهذا السيناريو بعيد التحقق نظرًا لافتقاد الطالبان الشعبية الكاملة؛ لأن ٩٥% منها من البشتون دون العرقيات الأخرى، هذا بحد ذاته كفيل لاستمرار فتيل الحرب مشتعلاً لفترة طويلة، كما أن القوى التي تساند الطالبان مادياً ومعنوياً لن تسمح لها بالاستمرار إذا استنفدت أغراضها. كما يمكن أن نتصور قيام روسيا وربما أوزبكستان بإيجاد حزام أمني داخل الأراضي الأفغانية بحجة الحفاظ على أمن حدود آسيا الوسطى، وهذا الاحتمال وإن كان بعيدًا عن التصور غير أنه وارد في حالة عدم استطاعة مسعود ودوستم وقف زحف الطالبان، وأيًا كان السيناريو الذي ينجلي عنه الغبار الأفغاني فمن الصعب تصور عودة السلام الشامل إلى الأراضي الأفغانية قريبًا، ونهاية الحرب المدمرة التي تدفع ثمنها أفغانستان دمارًا وتخلفًا منذ ١٨ عامًا.

 

الرابط المختصر :