العنوان بعد عطاء وجهاد وصبر طويل.. نبيه زكريا عبد ربه.. وداعًا
الكاتب حسن علي دبا
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
مشاهدات 100
نشر في العدد 1029
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
بعد حياة شاملة العطاء بالكلمة
المكتوبة والمسموعة في كل مكان حل به، وبعد رحلة صبر وجهاد مع الابتلاء بالمرض،
رحل فتى القدس في الدوحة للقاء ربه صباح الثلاثاء الماضي الأستاذ نبيه زكريا عبد
ربه، الداعية الإسلامي والكاتب المعروف بالمجلات الإسلامية المختلفة، وأولها مجلة
«المجتمع» منذ سنواتها الأولى.
ولد أبو زكريا في حارة السعدية باب
الزاهرة بالقدس الشريف في 9/ 8/ 1938م، ومكث بها متعلمًا إلى أن نزح إلى «أربد»
بالأردن في 1957م، حيث عمل معلمًا بالمدرسة الإسلامية لمدة عام وحصل على دبلوم
المعلمين، انتقل بعدها إلى «أبها» بالسعودية في 1958م ليمكث بها أربع سنوات، ليحط
رحله بالدوحة في 1963م ويتزوج في 1964م.
لا يصلي وراء إمام!
منذ حداثة سنه بالقدس وهو يحرص على
صلاة الجماعة خاصة بالمسجد الأقصى، وقد اشتهر بأنه قلما يصلي وراء إمام، والسبب
أنه عادة ما يكون الإمام.. أثر في أهله بالقدس، فصلى من لم يكن يصلي، وبر
أهله خاصة والديه، وأعانهم في تربية أقرانه حتى أنهوا مراحل تعليمهم جميعًا..
زكريا، ومحمود، وعمر، وإبراهيم، وعبدالله، وياسر (الطفل)، وابنة واحدة، هم أولاد
أبي زكريا، ولكن المحبين له من أهل فلسطين ومصر والجزيرة والشام وكل من استمع له
داعيًا إلى الله هم أولاده جميعًا، لم يصل بمسجد إلا وحرص على أن يعطي إخوانه
درسًا قصيرًا خاصة بعد العصر، فلم تقتصر دعوته إلى الله على وقت محدد أو إلزام من
أحد، لم يخاصم إنسانًا بل ضحى كثيرًا في خطب ود من ناصبه العداء، لقد تجلت صفات
الأخوة وأخلاق المؤمنين في حياته، وصارت معلمًا بارزًا يذكر به أبو زكريا.
واقرأ
رحلته مع الصحافة
عمل بوزارة التربية والتعليم
القطرية، وحين افتتحت مجلة الأمة القطرية طلبت منه رئاسة المحاكم الشرعية التي
تصدرها أن يلتحق بالمجلة محررًا بها، فلبى الواجب ولم يكن غافلًا عن ميدان
الكتابة، فـي «الأمان» البيروتية و«المجتمع» الكويتية و«الدعوة» المصرية وغير ذلك،
مثل «الحرس الوطني» بالسعودية و«منار الإسلام» بالإمارات وصحف قطر اليومية، تعرفه
جيدًا كاتبًا في مختلف قضايا الفكر الإسلامي، خاصة تلك التي تتعلق ببيان طبيعة
الصراع مع اليهود، ذلك الصراع الديني أساسًا، وبيان أصل القضية الفلسطينية ومسارها
عبر التاريخ، وغير ذلك كان محط اهتمامه، بيد أنه أيضًا لم يغفل قضايا العالم
الإسلامي خاصة مناطق الصراعات السياسية، وربما كان أول من كتب عن محنة الإخوة
الأكراد في «الأمان» خاصة.. وبعد أن أغلقت مجلة الأمة التي سعدت بالعمل معه فيها
عاد أبو زكريا إلى وزارته الأصلية.
أي جنازة؟!
في وقت الشدة كان أبو زكريا واحة
عطرة يستطيب المرء فيها بَشُوشًا مع إخوانه. التحق بركب الحركة الإسلامية
منذ وقت مبكر، وظل موضع احترام وتقدير إخوانه طوال حياته، وليس أدل على ذلك من تلك
الجنازة الكبرى التي شهدتها الدوحة له، وقد خرج يودعه كل من عرفه أو سمع به من كل
الجنسيات.
أربعة كتب
ولقد كان يحيا بالقرآن، لذلك أخرج
أول كتاب له طبع بالدوحة: «كيف نحيا بالقرآن»، ثم طبع له بالأردن من «سلسلة رجال
الدعوة الإسلامية المعاصرين» كتابان هما: «حسن الهضيبي» المرشد الثاني للإخوان
المسلمين، «عبد رب الرسول سياف» قائد الجهاد الأفغاني. هذه هي أزاهيره الأربعة
المطبوعة، غير تلك التي اطلعت عليها في داره مما يزيد على عشرة كتب، منها كتابات
في العمل الحركي، والاتفاقات السرية في المعاهدة المصرية الإسرائيلية، وكشف
المخططات الأمريكية في المنطقة العربية، والحركة الكردية، ودراسات عن الشيوعية
واليهودية... إلى غير ذلك.
صبر مع المرض
منذ سنوات ثمانية بدأت رحلته مع
الابتلاء بالمرض في الكلية، وقد تبرعت له والدته بإحدى كليتيها وظلت معه سبع سنوات
إلى أن توقفت، فذهب إلى الهند وزرعت له أخرى. وكانت تلك بداية النهاية، حيث تسلل
فيروس «انتهازي» إلى الجسم ليقتحمه حين يكون الجسم ضعيفًا، وكمن بالكبد حتى اشتد
عليه الأمر، وأسلم روحه إلى بارئها، وحتى لحظاته الأخيرة عُرف بالصبر كله أمام تلك
النوازل التي ألمت به، وكانت ابتسامته وحمده وشكره لله هي عطاءاته لكل من زاره
بالمستشفى.
القدس.. وداعًا
في العام الماضي تحقق له حلم عمره:
أن يرى القدس، وكانت صحته لا تتحمل معاناة العبور فوق الجسور، ويسر الله له منظمة
طبية تؤدي له تلك الخدمة، تحمله من عمان بالسيارة والدواء حتى بيته بالقدس، ليلتقي
الأهل جميعًا، وتعود به السيارة بعد تلك الأيام إلى عمان دون معاناة العبور التي
لم تكن تتحملها صحته طبقًا لتقرير المستشفى الإسلامي بعمان.. لقد كانت رحلة الوداع!
لقد ودع أبو زكريا نبيه عبد ربه
القدس.. ترى أبا زكريا هل ننتظر طويلًا حتى نشرف بزيارة الأقصى؟ أم
أن الانتفاضة المباركة التي خرجت من المسجد، إذا قدر لها إن شاء الله العون
واستمرار العطاء، يمكن أن تساعدنا وتتحقق أمنيتنا نحن أيضًا؟! رحمك الله!
واقرأ أيضًا: