; بعد عودة الكيان الصهيوني إلى إفريقيا جاء دور أسبانيا | مجلة المجتمع

العنوان بعد عودة الكيان الصهيوني إلى إفريقيا جاء دور أسبانيا

الكاتب أبو عثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1986

مشاهدات 66

نشر في العدد 750

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 14-يناير-1986

في عام ١٩٧٣ وقبل وأثناء حرب أكتوبر أعلنت غالبية الدول الإفريقية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل تضامنًا مع العالم العربي الذي تربطه بالقارة الإفريقية وحدة الدين والتاريخ والمصير. وقد أيدت منظمة الوحدة الإفريقية موقف الغالبية الإفريقية من إسرائيل وأصدرت قرارًا في نفس عام ١٩٧٣ يطالب جميع الدول الإفريقية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني حليف النظام العنصري في بريتوريا، وقد نفذت جميع الدول الإفريقية قرار المنظمة سوى عدد قليل منها استمرت على علاقاتها مع إسرائيل.

ثغرة كامب ديفيد

وقد ظلت الدول الإفريقية متمسكة بقرار منظمة الوحدة الإفريقية وعلى مقاطعتها الدبلوماسية لإسرائيل وإن كانت العلاقات التجارية والاقتصادية لم تزل ممتدة بين بعض الدول الإفريقية وتل أبيب لاعتبارات اقتصادية، قد تكون لا إرادية بالنسبة لتلك الدول التي لم تحصل على البديل المادي من الدول العربية بشكل يعطيها الاستقلال الاقتصادي والتجاري الذي يمكنها من مقاطعة إسرائيل اقتصاديًا وعسكريًا كما قاطعتها بالفعل دبلوماسيًا.

أقول ظل الموقف الإفريقي العام والرسمي على تأييده للعرب وعلى مقاطعة إسرائيل دبلوماسيًا وسياسيًا في المحافل الدولية، إلى أن أقدمت مصر وهي كبرى الدول العربية والإسلامية على إبرام معاهدة كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني وما ترتب على ذلك من تطبيع شامل للعلاقات بين الطرفين بما فيها العلاقات الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية والسياحية وغيرها. وقد أحدثت هذه المعاهدة المشؤومة شرخًا هائلًا في جدار التضامن العربي- الإفريقي وكانت بمثابة ثغرة لعودة إسرائيل إلى القارة الإفريقية من البوابة المصرية.

دول إفريقية تعيد العلاقات

بمجرد أن وقعت مصر على وثائق المعاهدة بدأت إسرائيل تحتج لدى الدول الإفريقية بهذه المعاهدة وتوغر لها أنها ليس في إمكان الأفارقة الاستمرار في مقاطعة إسرائيل إلى الأبد، كما أن هذه الدول لا يمكنها أن تكون أكثر تحزبًا للقضية العربية من مصر ولبنان الذي كان قد وقع معاهدة سلام أخرى مع تل أبيب.

وبالفعل انطلت الحيل الإسرائيلية على بعض الدول الإفريقية وخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الغربية كانت تمارس ضغوطها على الدول الإفريقية وهكذا تمكنت إسرائيل من إعادة العلاقات الدبلوماسية مع زائير عام ١٩٨٢ ثم مع ليبيريا عام ١٩٨٣ وأخيرًا مع جمهورية ساحل العاج في ديسمبر ١٩٨٥. وقد واكبت تلك المواقف الإفريقية احتجاجات عربية شديدة اللهجة وصلت إلى درجة قطع الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية ومساعداتها المادية مع الدول التي أعادت العلاقات مع إسرائيل. في حين أن السبب للتغلغل الإسرائيلي الجديد إلى إفريقيا هو ما خلقته معاهدة كامب ديفيد من انشقاق في صف التضامن العربي بالإضافة إلى تخلي معظم الأنظمة العربية عن خيار الحرب والتحرير والتمسك بخيار الاستسلام الذي جسدته كامب ديفيد.

إسبانيا على الدرب

منذ وصول الحزب الاشتراكي الإسباني للحكم في البلاد وحكومة فيليب غونزاليس تضع على رأس قائمة أولويات حكومته السياسية أمرين هامين: انضمام إسبانيا إلى السوق المشتركة وبقاء مدريد في حلف الناتو. وبفضل الجهود التي بذلتها إسبانيا لتحقيق الهدف الأول حصلت على اتفاق مبدئي على انضمامها إلى السوق المشتركة ومعها البرتغال اعتبارًا من يناير ١٩٨٦ الجاري، لكن إسبانيا واجهت بعض العراقيل التي وضعتها الدول الأوروبية المتعاطفة مع الكيان الصهيوني ومن أهم تلك العراقيل الضغوطات الأوروبية التي مورست على إسبانيا كي تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب مقابل الحصول على اتفاق أوروبي نهائي على انضمامها إلى السوق المشتركة. وكانت إسرائيل بالذات وراء صفقة قيام العلاقات الدبلوماسية تلك لأنها تدرك أن إسبانيا التي هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي لم تقم علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، سوف تقبل بعقد أي صفقة ودفع أية فواتير مقابل انضمامها إلى السوق.

فالمشكلات الاقتصادية التي تواجهها إسبانيا ومعدلات البطالة المتفشية تجعلها مضطرة لقبول جميع الشروط للانضمام إلى السوق على أمل أن تستطيع مدريد تصدير منتجاتها الزراعية إلى دول أوروبا بأفضل الشروط. وأن تحصل منها على إعفاءات ضريبية وقروض كبيرة ومساعدات فضلًا عن الحصول على فرص عمل للإسبان في دول السوق.

ومن أجل كل ذلك أبدى غونزاليس استعداده للمساومة على الصفقة الإسرائيلية، وازداد حماس غونزاليس مع وصول شيمون بيريز لرئاسة الحكومة الإسرائيلية حيث تجمع الرجلين العقيدة الاشتراكية الواحدة. وتأكد عزم إسبانيا على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بعد الزيارة التي قام بها غونزاليس للولايات المتحدة الأمريكية واجتماعه هنالك بالجالية اليهودية. ولقد صرح غونزاليس بعد ذلك الاجتماع للصحف الأمريكية بأن إسبانيا ستقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ولكنه ينتظر الوقت المناسب. وهكذا أصبحت القضية في حكم الأمر الواقع.

وهنالك أمور عديدة أدت إلى هذه النهاية المؤسفة للموقف الإسباني من القضية العربية ومن تلك الأمور وصول الحزب الاشتراكي للحكم في إسبانيا وحزب العمل لرئاسة الوزراء في تل أبيب، مما زاد من توثيق العلاقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بين البلدين. كما أن اعتراف مصر بالكيان الصهيوني وإقامتها علاقات دبلوماسية مع تل أبيب كان من بين الأمور المشجعة للجانب الإسباني للذهاب بعيدًا في هذا الاتجاه مع غياب أي جهد عربي جاء لمنع إسبانيا عما أقدمت عليه. حتى وصل الأمر إلى أن يصرح وزير الخارجية الإسباني في مطلع العام الجديد بأن بلاده سوف تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب في الجزء الأول من العام الحالي.

أين القرار العربي الحازم؟

فعلًا بعد هذه التصريحات عن قرب قيام العلاقات الدبلوماسية بين مدريد وتل أبيب عقد وزراء خارجية العرب مؤتمرًا طارئًا في تونس لمناقشة عودة العلاقات الدبلوماسية بين ساحل العاج وإسرائيل، وعزم دول إفريقية أخرى اللحاق بساحل العاج، كما ناقش المؤتمر مسألة احتمال قيام علاقات دبلوماسية بين إسبانيا وإسرائيل وقرر المؤتمر إيفاد أمين عام الجامعة العربية إلى مدريد لإقناع إسبانيا بعدم المضي قدمًا في هذا المجال. لكن توصيات المؤتمر لم تتضمن أية عقوبة عربية قد تفرض على مدريد إذا هي أصرت على إبرام العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني. بينما جاء في تلك التوصيات قرار حظر المساعدات العربية عن ساحل العاج، كما سبق أن تعرضت كل من زائير وليبيريا لنفس العقوبة بالإضافة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول العربية والدولتين الأخيرتين.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ستتعرض إسبانيا لعقوبات مماثلة من الدول العربية في حال إقدامها على تنفيذ وعدها بقيام العلاقات أم أن تلك العقوبات تخص دولًا معينة دون أخرى، أو أن الدول العربية تجد في قيام العلاقات بين إسرائيل وإسبانيا عاملًا مساعدًا لإكمال فصول الاعتراف العربي بإسرائيل حسب الخطوط العريضة لمعاهدة كامب ديفيد؟! 

الرابط المختصر :