; بعد غيبوبة الانفصال باكستان الشرقية في دوامة المشكلات المعقدة عواقب الانفصال | مجلة المجتمع

العنوان بعد غيبوبة الانفصال باكستان الشرقية في دوامة المشكلات المعقدة عواقب الانفصال

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1972

مشاهدات 86

نشر في العدد 110

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 25-يوليو-1972

بعد غيبوبة الانفصال

باكستان الشرقية في دوامة المشكلات المعقدة

عواقب الانفصال

أخيرا.. كما يقولون في الأمثال «راحت السكرة وجاءت الفكرة» في الصحافة الغربية بالنسبة لقضية «دولة البنغلاديش» أو باكستان الشرقية، فقد ظلت أجهزة الدعاية الغربية بالذات في إنجلترا تصعد من حدة الأزمة منذ الشهور الأخيرة من العام أي قبل اندلاع الحرب بين الهند والباكستان وقد صادفت تلك الحملة الإعلامية، الجولة التي قامت بها أنديرا غاندي في أميركا وعدة دول أوربية للحصول على تأييد الهند ضد الباكستان، فازداد سعار أجهزة الدعاية في هذه المرحلة التي سبقت الغزو الهندي على الباكستان؛ مما أثار شكوك الكثيرين بأن هناك عملية تحضير للرأي العام لتقبل تدخل الهند في شؤون الباكستان عن طريق الغزو المسلح وكانت النغمة في ذلك الوقت هي حرية شعب باكستان الشرقية المضطهد وضرورة رفع علم البنغال رمزا لدولة مستقلة لها سيادتها الكاملة، فجمعت التبرعات على نطاق واسع حتى أقيمت حفلات موسيقية راقصة خصص دخلها لمساعدة الانفصاليين في باكستان الشرقية وطبعت الأسطوانات في بريطانيا تتغنى بالدولة الجديدة قبل أن تقع الحرب وفي هذه الأثناء وحتى فترة قريبة لم يرفع أحد صوته أو لم تكتب كلمة واحدة للإجابة على سؤال هام وهو: هل بنغلاديش لهـا مقومات الدولة؟ أو هل لديها الإمكانيات التي تؤهلها لكي تكون دولة مستقلة قائمة بذاتها؟؟

لقد تناست الصحافة الغربية هذا السؤال عمدا وعن قصد حتى انتهت نشوة النصر فكان لا بد من مواجهته والآن فقط بدأت بعض الأقلام تتناوله فالحقيقة الهامة بالنسبة لهذه الدولة الجديدة أنها مصابة بأكبر نسبة زيادة سكان في العالم، والغالبية العظمى من الشعب يعملون في الزراعة، والإنتاج الرئيسي في باكستان الشرقية هو الجوت، الذي يشكل ما يزيد عن ٨٠ ٪ من النشاط الاقتصادي للسكان.

ولذلك فالمشكلة هي كيف يمكن إطعام هذه الملايين بالإضافة إلى توفير الطعام لملايين الأفواه التي تولد كل عام ومما يزيد في تعقد الأمر أن نسبة كبيرة من أراض باكستان الشرقية تكون عاطلة عدة شهور من السنة نتيجة للفيضانات المستمرة، ونظرة سريعة إلى هذه الحقائق يتضح أن هذه الدولة لا بد أن تعتمد اعتمادا شديدا على المعونات الاقتصادية أكثر من أي دولة أخرى وقد كانت هذه قضية غير واردة قبل الانفصال، ومن الحقائق التي أوردتها نفس الصحف التي شجعت وكرست لعملية الانفصال أن شعب باكستان الغربية يتعرض الآن لمجاعة وإن كانت ليست بالحجم الذي كانوا يتوقعونه وذلك على الرغم من شحنات القمح الكبيرة من الولايات المتحدة الأمريكية وكميات أخرى تم شراؤها عن طريق الأمم المتحدة وقد اعترفت مجلة «التايم» في عددها الأخير بأن ليس من المتوقع أن تحصل بنغلاديش على أي نوع من الاستقرار الاقتصادي قبل سنوات، فنسبة كبيرة من المهاجرين العائدين من الهند ليس لديهم أي مورد يساعدهم على بناء مأوى أو لزراعة أي محصول... كما أن أسعار الأرز وهو الطعام الرئيسي قد زادت بنسبة خيالية؛ وذلك نتيجة طبيعية لقلة الإنتاج القومي والزيادة المستمرة في الطلب نتيجة لزيادة عدد السكان.

وتواصل «التايم» في تقريرها مؤكدة أن من أكبر المشاكل التي تواجه بنغلاديش هي ندرة الكفاءات الإدارية والعمال المهرة سواء لإدارة المؤسسات الحكومية أو لدفع عجلة العمل في المصانع التي كانت تدار بواسطة المسؤولين من غرب الباكستان قبل الانفصال.

وعلى الرغم من كل نوايا الشيخ مجيب الرحمن فإن حزب رابطة عوامي الذي يترأسه قد أصبح فريسة للفساد والفضائح ـ وهذا على لسان التايم- إن بعض مسؤولي الحزب قد وضعوا أيديهم على كميات كبيرة مـــن المواد الغذائية التي جاءت عن طريق الأمم المتحدة وأميركا ويبيعونها في السوق السوداء بأرباح خيالية، حتى أن سكان إحدى القرى قاموا بسجن مسؤول الحزب في القرية وأوسعوه ضربا حتى مات لتجارته في أقواتهم!!

ولم يسع الشيخ مجيب إلا أن يعلن أن عقوبة الإعدام تنتظر كل من تثبت عليه تهمة الاتجار في المواد الغذائية أو تهريبها إلى الحدود الهندية وبيعها هناك، ومن الأمور الطبيعية المتوقعة في بلد مدينة بوجودها لجارتها الكبيرة وهي الهند بأن الشعور المعادي لهذه الدولة لا بد أن يتزايد على مر الآكام، فكثير من سكان بنغلاديش يشعرون الآن بأنهم سيقعون تحت رحمة الهند الاقتصادية؛ نتيجة لتزايد حاجتهم لها سواء اقتصاديا أو سياسيا في هذه المرحلة، ولذلك أصدر الشيخ مجيب الرحمن تصريحا قال فيه:

«إن الهند وقفت بجانبنا في أحلك الظروف وعندما كانت عمليات اضطهاد الشعب في البنغال في قمتها لم يرفع هؤلاء المنتقدون لعلاقتنا مع الهند رؤوسهم ضد الجيش الباكستاني» وهي محاولة يائسة في الواقع لقمع الانتقادات المتزايدة لتدخل الهند في شؤون البنغلاديش»

وقد وقعت الهند مع الشيخ مجيب اتفاقية اقتصادية تقوم فيها الحكومة الهندية بتقديم مبلغ ۲۷٥ مليون دولار لتنمية بعض الصناعات كالأسمدة والورق... والسؤال هو: ما الذي يدفع الهند إلى تقديم هذا العرض وهي في أمس الحاجة لكل دولار من هذا المبلغ الكبير لرفع مستوى شعبها الذي تزايد منذ فترة بنسبة ٢ ونصف في المائة في السنة، حتى بلغ الآن ما يقارب ٦٠٠ مليون نسمة والتي تواجه نفس المشاكل الاقتصادية التي تواجهها بنغلادش؟ هناك تفسير لهذا «الكرم!!» الهندي المفاجئ:

السبب الأول: هو أن الرأسمالية الهندية وكبار التجار الهنود متعطشين لفتح سوق البنغال أمامهم بما يحتويه من فرص مغرية للربح، وذلك كما ذكرنا من قبل لقلة موارد البلاد من ناحية ولضخامة عدد السكان والمستهلكين من ناحية أخرى، ولذلك فإن تقديم مثل هذه المساعدات سيرفع من القدرة الشرائية للمواطنين في بنغلاديش ونظرا لأن بلاده لا تنتج شيئا غير الجوت؛ فإنه بطبيعة الحال سوف يتجه إلى البضائع الهندية، وهذا معناه: أن ما تعطيه الهند بإحدى يديها تأخذه بالأخرى.

والسبب الثاني- له صلة بأمن الهند السياسي- : فمن المعروف أن الشعب البنغالي لا يقيم كله في الباكستان الشرقية ولكن نسبة كبيرة من البنغاليين هم جزء من الهند، وحينما شجعت الهند نعرة القومية البنغالية ضد الباكستان حتى تم لها فصل بنغلاديش عن باكستان الأم، بات المسؤولون الهنود في خوف من تأثير إذكاء هذه النعرة القومية على الجزء من شعب البنغال الذي يشكل الغالبية العظمى من الأقاليم الشمالية الملاصقة لبنغلاديش، أي أن المغامرة التي قامت بها الهند إنما كانت سلاحا ذا حدين انغرس جانب منه في جسم الباكستان وبقي أن ينغرس الحد الآخر في جسم الهند إذ تخشى الهند من أن يطالب البنغاليون في الهند بحقهم في الاستقلال والانضمام إلى الدولة التي أصبحت قوميتها بنغالية وليست هندية أو باكستانية، ولذلك فإن مخططي السياسة الهندية يسعون وسوف يسعون دائما إلى إبقاء بنغلاديش تحت سيطرتهم السياسية والاقتصادية. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

301

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 17

194

الثلاثاء 07-يوليو-1970

هذا الأسبوع - العدد 17

نشر في العدد 18

152

الثلاثاء 14-يوليو-1970

الترقب والانتظار!