العنوان بعد قانون «سلام السودان»: لا أمل في سلام على الطريقة الأمريكية
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 02-نوفمبر-2002
مشاهدات 54
نشر في العدد 1525
نشر في الصفحة 22
السبت 02-نوفمبر-2002
على عجل وقع الرئيس الأمريكي بوش قانون سلام السودان الذي أجازه الكونجرس بمجلسيه تحت ضغط التحالف المسيحي الصهيوني وبعض جماعات السود في أمريكا. ورغم أن القانون يعطي السودان مهلة ستة أشهر للوصول إلى اتفاق نهائي مع حركة التمرد فإن الأجهزة التنفيذية في إدارة بوش أصدرت أمرًا بتجميد أصول ۱۲ شركة سودانية بعد لحظات من توقيع القانون.
وما زالت الإدارة الأمريكية تتبنى مواقفها تجاه السودان بناءً على ادعاءات كاذبة تزعم أن حكومة السودان تمارس انتهاكات بحقوق الإنسان وتجارة الرق، ففي حفل توقيع القانون قال بوش: وقعت اليوم قانون سلام السودان الذي يؤكد تصميم الولايات المتحدة على تحقيق سلام دائم في السودان ومن أجل احترام حقوق الإنسان والعتق من الاضطهاد. إن هذا القانون وضع لمخاطبة الشرور التي أوقعتها الحكومة على الشعب السوداني بما في ذلك المعاناة واستخدام الغذاء كسلاح في الحرب وممارسة الرق.
وأضاف بوش- وهو يتحدث عن البند السادس من القانون- أن هذا البند يوجه الأجهزة التنفيذية في حكومته لإدارة مفاوضات مع الحكومات الأجنبية والمؤسسات المالية الدولية ومع مجلس الأمن الدولي لتأكيد أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
لماذا اتخذت الإدارة الأمريكية هذا الموقف المتشدد والمفاجئ حيال السودان في هذا الوقت بالذات؟ ولماذا تصر على تسمية الحكومة السودانية بحكومة الجبهة الإسلامية القومية بالخرطوم، مع أنها تعلم يقينًا أن الحكومة الحالية مكونة من أعضاء في المؤتمر الوطني والحزب الاتحادي الديمقراطي «جناح الهندي» وحزب الأمة «جناح مبارك المهدي» ومسيحيون جنوبيين «منهم نائب رئيس جمهورية» ووزراء اتحاديون وولائيون؟
ربما كان السبب في إصدار هذا القانون الآن أن الولايات المتحدة مقبلة على انتخابات تجديد نصف مقاعد الكونجرس ويريد الجمهوريون ممارسة المزايدة السياسية المعروفة أيام الانتخابات، وقـد جـاراهم الحزب الديمقراطي واقترع لصالح القانون فأجيز بما يشبه الإجماع باستثناء ثمانية أعضاء اقترعوا ضد القانون.
لكن المؤكد أن الهدف هو الضغط على حكومة السودان لتقديم تنازلات مع بداية الجولة الثالثة للمفاوضات مع المتمردين في مشاكوس في كينيا. لا سيما أن المفاوضات تدور حول علمانية العاصمة القومية «الخرطوم» وإدخال مناطق شرق السودان في الهدنة الموقعة بين الحكومة والتمرد.
تجميد أرصدة الشركات
القرار الأمريكي بتجميد أرصدة وأموال اثنتي عشرة شركة سودانية قرار سياسي غير مدروس وليس قرارًا اقتصاديًا بالمعنى المفهوم، إذ إنه يطال مؤسسات لا وجود لها أصلاً وعلى رأسها مؤسسة البترول السودانية.
وفي نظر الاقتصاديين فإن القرارات الأمريكية لن تؤثر على المسار الاقتصادي ولا على المصالح السودانية مع البلاد الأخرى، لأن العلاقات الاقتصادية الدولية هي الدافع في تحديد المصالح المشتركة بين السودان والدول الأخرى فرغم الحصار الاقتصادي المضروب من قبل أمريكا منذ مجيء نظام الإنقاذ للسلطة فإن الدول الأخرى لم تستجب لنداءات واشنطن بمقاطعة السودان بل وصلت شركاتها للسودان واستثمرت في مجال النفط حتى تم الاستخراج والتصدير.
كما أن ذلك القرار لن يؤثر على سير برنامج السودان مع صندوق النقد الدولي.
لكن على الجانب السياسي فإن للقرار آثارًا سلبية على العلاقات السودانية الأمريكية التي ظن البعض أنها تحسنت كثيرًا والإدارة الأمريكية بدأت تتفهم قضية السودان بعد أن أبدت الحكومة السودانية تفهمًا، بل وتعاونًا مع أمريكا في حملتها ضد الإرهاب، وأبدت مرونة فائقة في المفاوضات مع حركة التمرد وأقرت بحق تقرير المصير.
لكن العلاقات بعد هذا الموقف الأمريكي الجديد اهتزت تمامًا وأصبح الشارع السوداني بأجمعه ضد هذا الاستعلاء الأمريكي.
وقد أكدت واشنطن بموقفها الجديد أنها وسيط غير محايد في مفاوضات السلام الجارية بين الحكومة السودانية والمتمردين.
فقد أعطى هذا القانون الجديد المسمى بقانون «سلام السودان»، الفرصة الكاملة لحركة التمرد للمراوغة والتسويف والتنصل مما اتفق عليه سابقًا، فهو ينزل العقوبات بالحكومة الشرعية بينما يكافئ المتمردين عليها بمبالغ سخية!
وقد وصف كل من قرأ القانون بدقة بأنه قانون حرب على السودان أو قانون يدعو لتقسيم السودان. النائب الأول للرئيس السوداني علي عثمان طه وصفه بأنه ظالم وجائر ومجحف في حق السودان وداعم لحركة التمرد في كل بند من بنوده، ويحمل تهديدًا غليظًا للحكومة السودانية بأنها إن لم تستجب لمطالب القانون فسيصيبها ما أصاب الرافضين دخول بيت الطاعة الأمريكي.
ويؤكد علي عثمان أن سياسة العصا الغليظة لن تجعل السودان يرفع الراية البيضاء.
المستشار السياسي لرئيس الجمهور د. قطبي المهدي قال بصراحة إن الولايات المتحد الأمريكية انكشفت على حقيقتها وأن ما تلبسه من أقنعه باسم حقوق الإنسان قد سقطت.
أما د. غازي صلاح الدين مستشار رئيس الجمهورية فقال: إن السلام سيكون بخير إذا ما ابتعد عنه الكونجرس.
وطالب .د. مصطفى عثمان وزير الخارجية بضرورة إعادة النظر في الدور الأمريكي لتحقيق السلام في السودان متهمًا واشنطن بالانحياز التام لحركة التمرد.
وهكذا أدركت الحكومة السودانية أن المطلوب منها.. التنازلات تلو التنازلات حتى يتم الاستفراد بها والتخلص منها نهائيًا، وذلك سراب بعيد المنال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل