العنوان بعد مجزرة طرابلس
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1983
مشاهدات 69
نشر في العدد 626
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 21-يونيو-1983
حقًا..
إن إسرائيل هي المستفيد.... ولكن من هي الأداة؟!
خلال
عام كامل، يواجه المسلمون في لبنان قدرهم في التصدي للوجود الإسرائيلي على أراضيهم
بسلسلة من العمليات الجريئة حملت إسرائيل على التفكير جديًّا بإعادة تجميع قواتها
كي تتفادى الخسائر التي تلحقها بها المقاومة الوطنية الإسلامية في لبنان.
هذه
المواجهة يعتبرها المسلمون في لبنان قدرهم، وهم يقبلون عليها بفدائية خارقة، لكن
يبدو أن إسرائيل تريد أن تخفف من حدة المواجهة، لذلك فإن من مصلحتها أن تقوم
مواجهات أخرى على الأرض اللبنانية تصرف العناصر العاملة في هذا الميدان عن الجهد
المركز الذي تبذله في هذا السبيل، فكانت مواجهة من نوع أخر في الشمال اللبناني
تفرض نفسها ضد بلد يفترض أنه قطر عربي شقيق، وهل أقسى على الإنسان من ظلم ذوي
القربي وغدرهم ومكرهم؟
تناقلت
وكالات الأنباء أخبار المجزرة التي حدثت في طرابلس أخيرًا، وذهب ضحيتها تسعة عشر
قتيلًا وعشرات الجرحى.. لسنا هنا بصدد استنكار سقوط هذا العدد الكبير من القتلى
والجرحى، فلو كان ذلك ضد إسرائيل لما استحق إلا الإشادة واستدرار الرحمة، ولكن
الفظيع في الواقعة هو الأسلوب الذي نفذت به الجريمة «المجزرة» والأيدي التي نفذتها.
تجمع التقارير على أن جنديًّا سوريًّا قتل (أو
أصيب) عند المدخل الجنوبي لمدينة طرابلس، وغالبًا ما يحدث ذلك لأسباب عادية فردية،
فجاءت ثلاث سيارات تحمل لوحات مدنية، ترجل منها مسلحون ملثمون، أخذوا يطلقون النار
من رشاشاتهم على ورشة لتصليح السيارات وعلى المارة والسيارات العابرة، حتى إذا
أنجزوا مهمتهم انسحبوا بعد أن غطوا انسحابهم بزخات كثيفة من الرصاص.
وتجمع
التقارير كذلك على أن المهاجمين هم من تشكيل «فرسان العرب» أو «الفرسان الحمر» أو
«الهنود الحمر» كما يطلق عليهم في المنطقة نتيجة ممارساتهم المنحرفة الشاذة، وهم
تابعون للحزب العربي الديمقراطي، أو «العلوي الديمقراطي» ويتمتعون بنفوذ كبير في
ظل قوات «الردع العربية» التي توفر لهم دائمًا التسليح العالي والدعم المستمر.
لا
نريد الاستطراد في وصف المجزرة ولا في تحديد المسؤول عنها، لكننا نريد أن نؤكد
شيئًا واحدًا أجمعت عليه كل القوى الحزبية المحلية في طرابلس هو أن العدو
الإسرائيلي هو المستفيد الوحيد منها.
ليس
ذلك من أجل التعميم أو التعمية أو صرف الأنظار عن المجرم المباشر، وإنما لأن هذا
المجرم المباشر هو مجرد أداة في يد إسرائيل تدفعه ليفعل ما يخدم مصالحها ويخفف من
حدة المقاومة القائمة ضدها.
لقد
كان رد الفعل معروفًا ومتوقعًا، فقد أخذ الناس يرددون بالبداهة: «إنها مجزرة..
إسرائيل لا تفعل ذلك، فهي تتلقى يوميًّا ضربات يقتل فيها ويجرح عشرات الجنود، ومع
هذا فهي لا تحصد المارة والسيارات بالرشاشات بشكل عشوائي..» يقال مثل هذا الكلام
في طرابلس المدينة التي كانت ترجح انتماءها «السوري» على أي انتماء آخر حتى لو كان
لبنانيًّا، المدينة التي كان يطلق عليها طرابلس الشام أصبح الناس فيها يلتمسون
الخلاص من واقعهم المر إلى أي بديل آخر، وبالطبع فإن أسوأ البدائل ليس السلطة
اللبنانية الكتائبية المارونية.. فهل هناك خدمة أكبر من هذه يمكن تقديمها لإسرائيل.
ويتساءل
الناس في لبنان: لماذا تبقى قوات «الردع» في بلد مثل طرابلس؟! ولماذا تصر على
إنشاء التشكيلات المسلحة من المرتزقة الذين يعيثون في الأرض فسادًا فيهلكون الحرث
والنسل؟! ولماذا تحرص على تأكيد طابعها الطائفي الحاقد المتعصب خلال ممارساتها
كلها؟
إن كان
ذلك من أجل الحيلولة دون تقسيم لبنان فإنها هي التي ساعدت على تقسيمه وما تزال.
وإن كان دفاعًا عن لبنان ضد إسرائيل فهي لم تدافع عنه وأسلمته لإسرائيل لقمة سائغة،
وإن كان دفاعًا عن المقاومة الفلسطينية فالمقاومة ترجوها مشكورة أن تكف يدها عنها
وترفع وصايتها عليها.
أما
فرسانها الحمر، فقد كانوا في بيروت قبل سقوطها عصابة كبيرة تملك سلاحًا وراجمات
صواريخ لا يتمتع الجيش السوري بمثلها، تتصدى بها لفصائل الحركة الوطنية والمقاومة
الفلسطينية، وتبسط سيطرتها على مناطق الروشة والحمراء والمنارة، وهي مناطق حمراء
في الليل ولكنها ليست عسكرية على أي حال.
ولما
كان حصار بيروت أوت إلى جحورها ثم انسحبت.. لتركز وجودها الآن في البقاع وطرابلس.
ونعود
إلى طرابلس. لقد تأزم الوضع بعد المجزرة، وحمل المواطنون السلاح دفاعًا عن أنفسهم،
وبدأ المستفيدون يحصدون ما زرعوا، فالنقمة توجه الآن عبر إذاعة وصحف الكتائب
اللبنانية إلى سوريا ككل وإلى الوجود السوري، وليس إلى الحزب «العلوي الديمقراطي»
أو النظام الذي قاد سوريا وجيشها إلى مثل هذا الموقف.. لقد نصحت القوى الإسلامية
في طرابلس سوريا بأن تسحب قواتها من المدينة على الأقل إذا أرادت الاحتفاظ بمواقع
عسكرية في المنطقة، ففعلت ذلك جزئيًّا لكنها أطلقت أيدي العصابات المسلحة التي
تقتل وتخطف وتسرق وتنهب وتزرع الحقد الطائفي في كل مكان.
ولطالما
ردد مسؤولون سوريون بأنهم سيفعلون بطرابلس ما فعلوه بحماة إلا إذا انصاعت
لرغباتهم، لكن طرابلس يصعب عليها أن تنصاع، والصعوبة الأكبر هي أن المواطن المسلم
فيها يجد صعوبة كبيرة في أن يخوض مواجهة من هذا النوع في الوقت الذي يرى فيه الغزو
الإسرائيلي يتربص به لينقض عليه مستكملًا ابتلاع كل لبنان.
إذن..
سواء كانت اليد التي نفذت مجزرة طرابلس عربية أو علوية أو غير ذلك، فإن إسرائيل هي
المستفيد، وسواء كانت مثل هذه الممارسات مجرد ردة فعل انتقامية، أو تنفيسًا عن حقد
طائفي، أو تنفيذًا لمخطط تخريبي.. فإنها بالنتيجة لا تخدم إلا مصلحة إسرائيل، سواء
أدرك المنفذون ذلك أم لم يدركوه.
وقد
استطاعت القوى الوطنية والإسلامية في المدينة التحكم بردة الفعل الشعبية الناقمة،
فكانت كل البيانات والمواقف معبرة عن وعي بخطورة الموقف وانعكاساته، لكن كل هذا لا
يمكن أن يثمر إذا كانت اليد (الأداة) مصرة على أن تتابع تآمرها وتخريبها، وعندها
فسوف تحترق هذه الأيدي (الأداة) الملطخة بالدم قبل أن تتاح لها الفرصة لمتابعة
تخريبها.. فهل يدرك المسؤولون عما يحصل خطورة الموقف فيتداركوه قبل أن ينقلب كل
شيء عليهم، نأمل أن يفعلوا ذلك قبل فوات الأوان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل