; بعد مرور عام على الانتفاضة المباركة.. حماس: التجربة الرائدة والعطاء المستمر | مجلة المجتمع

العنوان بعد مرور عام على الانتفاضة المباركة.. حماس: التجربة الرائدة والعطاء المستمر

الكاتب ماجد إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1988

مشاهدات 67

نشر في العدد 895

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 13-ديسمبر-1988

 

 التجاوب الواسع الذي بدأت تلقاه حماس بدا واضحًا في الإضرابات التي نفذت في شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين.

* حركة حماس موجودة على ساحة الصراع العقائدي والتربوي، تعد الأجيال، وتبني المؤسسات، وتعبئ النفوس لساعة المواجهة.

كان لا بد لنا من وقفة جادة- والانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة تدخل عامها الثاني- ندرس فيها حصيلة عام من الجهاد والتضحيات، مبرزين انعكاساته السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أرض الواقع، متحدثين عن حركة المقاومة الإسلامية التي مثلت علامة أساسية في التجربة، متلمسين التوقعات المستقبلية لهذه الانتفاضة، التي تحوطها مشاعر الشعوب الإسلامية بكل أمل في أن تتطور مع الأيام؛ لتقتلع الوجود «الإسرائيلي» على أرضنا المقدسة، في الوقت الذي تتعرض فيه الانتفاضة للتخطيط الماكر من الأعداء لسحقها، ومن «الأصدقاء والأقرباء» لتقزيمها وتفريغها، وصرفها عن مسارها الصحيح.

ولا شك أن هذه الانتفاضة قضية لا يمكن تجاوزها بعد مرور عام على اشتعالها، فهي أكثر الانتفاضات الفلسطينية طولًا منذ عام 1967، كما أنها أكثرها قوة وصلابة، وأكثرها عطاء وتضحيات في الشهداء والجرحى والأسرى، بالإضافة إلى ما تميزت به من منطلقات ودوافع والتزام إسلامي أكد ارتباط الشعب الفلسطيني بالإسلام، واتخاذه عقيدة ومنهجًا وسلوكًا، وكذلك بالنظر إلى الهزة الكبرى التي أحدثتها الانتفاضة على الصعيد الاقتصادي والسياسي والأمني في «الكيان الإسرائيلي».

ويحاول هذا الملف الذي تقدمه «المجتمع» لقرائها أن يقدم خلاصة متكاملة لتجربة عام مضى على هذه الانتفاضة، والله يهدي إلى سواء السبيل.

حماس تفجر الانتفاضة:

«بكل فخر ودون أن نبخس الناس حقهم، أو نتجنى على دور الآخرين، أو نحاول تهميشهم، أو إقصاءهم؛ فللحركة الإسلامية الفخر أنها فجرت الانتفاضة في ليلة 8 ديسمبر صبيحة الأربعاء، وأذكر ذلك بالتحديد». 

هذه الكلمات التي قالها المبعد الشيخ خليل القوقا في مقابلته مع جريدة الأنباء بتاريخ 8/ 10/ 88، جسدت البعد الحقيقي للانتفاضة الذي برز منذ أول يوم من اشتعالها، في المظاهرات التي خرجت من مخيم جباليا، فلقد استطاعت الحركة الإسلامية بمهارة فائقة استثمار حادثة المقطورة لتصعيد المواجهات ضد اليهود، ولقد ساعدها على ذلك قرارها المسبق بتشكيل «الجسم الانتفاضي التنظيمي» الذي يستغل أية فرصة سانحة لاختلاق المواجهات مع اليهود... وأنه وإن لم يكن أحد يتصور أن تستمر هذه الانتفاضة بهذا الزخم ولهذه الفترة؛ إلا أنه من المسلم به أن الحركة الإسلامية ممثلة بحركة المقاومة الإسلامية «حماس» كانت وراء إشعالها.

كما سارعت بعض الوجوه للمزايدة التي تخفي وراءها انبهارًا واندهاشًا بالخطوة النوعية التي قامت بها «حماس»، فهذا رشاد الشوا- رئيس بلدية غزة السابق- يصرح عشية اندلاع الانتفاضة ردًا على سؤال محرج وجه له عن دور الإسلاميين في الانتفاضة قائلًا: «أنا مستعد للانضمام للحركة الإسلامية إذا كانت ستنهي الاحتلال الإسرائيلي».

وفي تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية «24/ 12/1987» أكد أن «الأصوليين المسلمين ورثة حركة الإخوان المسلمين المصرية الأكثر عددًا، والأكثر نشاطًا في قطاع غزة هم وراء الانتفاضة وهم وقودها الحقيقي».. إن هذه الحقيقة أوقعت الرعب في صفوف اليهود، وأرعدت فرائصهم، فلقد كشف المعلق السياسي «يهودا ليطاني» في 8/ 9/ 88 النقاب عن الخطر المحدق الذي يواجه اليهود من جراء نشاط حماس، وسرعة تأثيرها في أهالي الأرض المحتلة قبل وبعد 67 خاصة الشباب منهم».

حماس: أين كانت؟

ولعل من التساؤلات التي تثار بين الحين والآخر عن السبب في ابتعاد حماس عن ساحة الصراع طيلة العشرين سنة الماضية، وعن السر في ظهورها المفاجئ على الساحة، وسرعة تأثيرها، ويصل بعضهم للتشكيك بالحركة، والقول إن اليهود قد شجعوها، ونحن لسنا بصدد الإجابة عن هذه التساؤلات، فلقد أجابها وكفّاها الشيخ القوقا في مقابلته في 8/ 10/ 88 مع جريدة الأنباء؛ ولكننا نريد أن تكشف عن حقيقة غابت عن طارحي هذه التساؤلات... إن حركة المقاومة الإسلامية ليست حركة وليدة للانتفاضة، بل العكس يكاد أن يكون صحيحًا؛ فحماس التي أعلنت في بيانها الخامس أنها الذراع القوي لحركة الإخوان المسلمين، تكون قد أكدت على جذورها الضاربة في الأرض في تاريخ قضية المسلمين الأولى.. قضية فلسطين؛ فليس من عاقل يتجاهل تحركات الإخوان منذ إنشاء النظام الخاص داخل الجماعة، والذي قصد منه بالدرجة الأولى مشاركة أعضائه في الجهاد لتحرير فلسطين، كما شهدت تحركاتهم منذ الثورة الكبرى 1936- 1939 صدى واسعًا في مصر، التي سمعت أول ما سمعت عن فلسطين ومأساتها من الإخوان، ولعل مشروع «قرش فلسطين»، وتوزيع كتاب النار والدمار في فلسطين، والدعوة إلى القنوت في الصلاة من أجل فلسطين، يشهد لهم بجديتهم وحرصهم على العمل من أجلها.

هذا وقد قدمت الحركة فلذات أكبادها شهداء في سبيل فلسطين الإسلامية في حرب 1947- 1948 وأعلن إمام الجماعة عند اغتصاب فلسطين عام 1948 عن تقديم عشرة آلاف مجاهد فداء فلسطين، كما كان للحركة دور مشرف 1968- 1970 في معسكرات الشيوخ على الضفة الشرقية لنهر الأردن، والتي قامت بالكثير من العمليات الفدائية الناجحة.

إن الواقع التاريخي يشهد أن مثل هذه التساؤلات أغلوطة بقصد كانت أم بغير قصد، ثم هل غابت الحركة عن ساحة الصراع بعد 1970؟ إن استقراءً متأنيًا في واقعها ينفي ذلك بشدة.. فالحركة كانت موجودة على ساحة الصراع العقائدي والتربوي، تعد الجيل تلو الجيل، وتنشئ المؤسسات، مُعَبِّئَةً النفوس لساعة المواجهة، وما كادت تفرغ من بناء الجيل المسلم الواعي حتى خاضت هذه الحركة ساحة الصراع دون تردد أو وجل، مثبتةً صلابة بنيانها، وعمق جذورها في الأرض، وهذا في ظننا تخطيط وتفكير سليم، وخوض لساحة الصراع بعدة كافية تؤهلها للصمود أمام بطش اليهود وشراستهم.

حماس تقود الانتفاضة

ومع ما تجمع لهذه الحركة من عناصر البناء العقائدي والتربوي والنضج التنظيمي والحركي، أقدمت على حمل الراية، بل لم تقف عند هذا الحد، بل عملت على تطوير المواجهات والصدامات مع اليهود؛ لتصل بالانتفاضة إلى ثورة عارمة تجتاح الوطن المحتل من أقصاه إلى أقصاه، وقد شهدت الصحف الأجنبية ووكالات الأنباء العالمية على القدرة العالية في التثوير التي تتمتع بها حماس، فهذه صحيفة الفايننشال تايمز تصف الانتفاضة بعد أسبوع من اندلاعها «15/ 12/ 88» بأنها «ثورة حقيقة بفضل النشاط الإسلامي في الآونة الأخيرة».

وتؤكد جريدة الصنداي تايمز بعد مرور شهر على الانتفاضة «يناير 88» قائلة: «إن الشيخ أحمد ياسين أحد مؤسسي المجمع الإسلامي في غزة هو أحد أربعة من زعماء غزة الذين تعتقد المخابرات العسكرية الإسرائيلية أنهم يسيطرون على الانتفاضة الحالية».

ولقد بدأت حماس تخوض مرحلة الإضرابات والصدامات المنظمة والمحددة سلفًا بجدول زمني، يمتاز بمجاراة ومتابعة واضحة للأحداث والمناسبات السياسية، واستغلالها استغلالًا كاملًا في إبقاء جذوة الثورة في نفوس الشعب المسلم، معتمدة على الرصيد العقائدي الذي يشمل أبناء شعبنا، بل لقد تجاوزت حدود سلطة حماس وتأثيرها على غير المسلمين؛ فلقد دعت في 9/ 9/ 88 إلى إضراب بمناسبة دخول الانتفاضة شهرها العاشر، وتناقلت صحف العالم خبر هذا الإضراب، ونشرت صحيفة الجيروزاليم بوست في 13/ 9/ 88 خبرًا عن هذا الإضراب ينص على التالي: «.... إلا أن الإضراب شمل بلدتي بيت جالا وساحور ذوات الطابع النصراني»، ومما تجدر الإشارة إليه إلى أن هذا الإضراب كان أحد إضرابين دعت لهما «حماس» بشكل منفصل عن القيادة الوطنية الموحدة، حيث كان الإضراب الآخر في 21/ 8 بمناسبة ذكرى إحراق الأقصى، ومما أثبتته التحقيقات الإخبارية أن هذين الإضرابين لقيا تجاوبًا واسعًا في الضفة والقطاع لم تشهده أية إضرابات أخرى دعت لها القيادة الوطنية الموحدة، وقد مضت نفس الجريدة السابقة تقول عن هذا الإضراب: «.... وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإضراب الثاني الذي تدعو إليه «حماس» في الضفة والقطاع، ويتحقق على عكس رغبة القيادة الوطنية الموحدة».

إن التجاوب الواسع الذي بدأت تلقاه حماس بدا واضحًا في الإضرابات التي نفذت في شهري أغسطس وسبتمبر، الأمر الذي بدأ يرعب اليهود وبشكل واضح، فقامت بشن حملة اعتقالات واسعة في صفوف القيادات الميدانية التي استطاعت التعرف عليها، أو التي شكت في انتمائها للحركة، وقد أكدت الأخبار الصحفية التي بثتها وكالة رويتر في 12/ 10/ 88 على أن عدد المعتقلين قدر بـ 100 شخص، كما قام اليهود باعتقال شخصيتين إسلاميتين بارزتين بتهمة الانتماء لحماس هما إبراهيم اليازوري والشيخ إبراهيم أبو حمدة.

وفي نفس الوقت الذي تزايدت فيه قوة حماس وبرز نشاطها متميزًا، بدأت بعض الصحف العالمية ووكالات الأنباء- ومع تزامن إصدار حماس لميثاقها- تسرب الإشاعات والاتهامات بأن حركة «حماس» تقف ضد الوحدة الوطنية، وتمارس برامج نضالية تتضارب مع القيادة الوطنية الموحدة، ولقد كان من الواضح أن هذه الاتهامات ما وجهت إلا محاولة لإجهاض القوة المتنامية لحماس، وفي نفس الوقت تأليب القيادة الوطنية الموحدة، ومحاولة الدس بين صفوف الشعب الفلسطيني مما انخدع به كثيرون، ولكن يقظة حماس أجهضت هذه المحاولات في مهدها، فأكدت في ميثاقها وبياناتها الصادرة على حرصها كل الحرص على الوحدة الوطنية، وأظهرت موقفها الواضح من المنظمة.

ولقد مارست حماس عدة ممارسات نضالية جهادية وجهت بها شعبنا بـ 32 بيانًا حتى الآن، وكان من أهم هذه الممارسات التي لقيت استجابة تامة ما ذكرناه من قبل بمناسبة إحراق الأقصى 21/ 8، ودخول الانتفاضة شهرها العاشر في 9/ 9/ 88، هذا بالإضافة إلى كثير من الإضرابات التي شاركتها فيها القيادة الوطنية الموحدة، ومن الملفت للنظر أن الإضرابات والصدامات التي كانت تشارك «حماس» فيها كانت أعم وأشمل من الإضرابات التي لا تشارك فيها، بل لقد كانت حماس عاملًا كبيرًا في نجاح الكثير من الممارسات النضالية لبعدها الجماهيري الواضح، وفيما يلي نذكر بشكل موجز أهم الممارسات النضالية التي دعت لها حماس:

1- الإضراب الشامل الذي عم فلسطين المحتلة من البحر إلى النهر في 21، 22، 23/ 12/ 88، وهو الإضراب الوحيد الذي شمل كل فلسطين، ولم يشارك حماس أحد في هذا الإضراب، بل لم تكن القيادة الوطنية الموحدة موجودة آنذاك.

2- الإضراب الشامل والمواجهات بمناسبة ذكرى معركة بدر في 26/ 4/ 88، حيث سقط في يوم الإضراب جريحان و10 جرحى.

3- الإضراب والمواجهات الشاملة التي حصلت في ذكرى الهجرة النبوية في 14/ 8/ 88، وقد كان من أعنف الإضرابات التي عمت الضفة والقطاع.

4- عملية الهجرة النبوية التي نفذها أبطال «حماس» في ذكرى الهجرة؛ حيث قاموا بمهاجمة معسكر للجيش اليهودي في مركز شرطة نابلس؛ حيث أصيب فيه أربعة من اليهود، وحيا الشعب الفلسطيني في الداخل حماس على هذه العملية الجريئة.

5- الإضراب الشامل بمناسبة مذابح صبرا وشاتيلا في 17/ 9 حيث نجح نجاحًا باهرًا، وشاركتها فيه القيادة الوطنية الموحدة.

الرابط المختصر :