العنوان بلا حدود: «أوليسترا».. الاختراع الأمريكي الجديد!
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1996
مشاهدات 80
نشر في العدد 1210
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 30-يوليو-1996
نظرت إلى طبق الطعام الذي وضعه الزميل د. أحمد يوسف -مدير المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث في واشنطن- أمامي ولم أجرؤ على أن أمد يدي إليه، فنظر إلي باستغراب، وقال: ما لك لا تأكل؟ فتأخرت قليلًا عن الجواب لأني كنت في مقاومة شديدة مع معدتي التي بدأت تنتفض رافضة هذه الرائحة النفاذة المنبعثة من الطعام الذي تقدمه مطاعم الوجبات الخفيفة التي تملأ الولايات المتحدة ودول الغرب عمومًا، والتي اضطررنا للجوء إليها حينما حان وقت الغداء أثناء وجودنا في مبنى الصحافة الوطني في العاصمة الأمريكية واشنطن، كانت المطاعم التي تملأ طابقًا كاملًا من المبنى الكبير تحمل أسماء لأطعمة من دول مختلفة إلا أنها جميعًا تكاد تحمل مواصفات واحدة، فهي وإن اختلفت ألوانها وأشكالها وأسماؤها إلا أنها تلتقي في صفة أساسية وهي أن صلصة الطماطم «كيتش أب» تغطيها، وتنبعث منها روائح نفاذة تكاد تكون متطابقة.
نظرت إلى المكان المزدحم بالناس فوجدت الجميع مكبًا على ما أمامه من طعام يلتهمه بسرعة، إلا أنا.. فعلاوة على أني لا أعرف ما الذي أمامي في الطبق، ومن المستحيل أن آكل شيئًا لا أعرفه، فقد كانت مشكلتي الأساسية في الرائحة النفاذة للأطعمة التي عادة ما تسبب مشكلات لي في أسفاري فاضطر للابتعاد عن تلك المطاعم والاكتفاء بأكل الفواكه: أو على الأقل البحث عن شيء أعرفه لأتناوله.
قال أحمد يوسف يبدو أن الطعام لم يعجبك، هل أحضر لك نوعًا آخر؟ قلت له: لا إنه جيد، ثم إنه ليس هناك على ما يبدو نوع آخر فالرائحة واحدة والألوان مختلفة فقط وصلصلة الطماطم تغطي كل شيء وبالتالي فيجب أن أغمض عيني وأسد أنفي وأبدأ الطعام، لا سيما وأننا لم نتناول فطورنا بعد وقد اقتربت الساعة من الثانية بعد الظهر، لكني قبل أن أبدأ بهذه الإجراءات أرجو منك مشكورًا أن تعرفني بمحتويات هذا الطبق وما الذي تخفيه صلصة الطماطم تحتها؟ غرق أحمد يوسف في الضحك وهو يشرح لي مكونات الطبق التي لم أستوعب منها شيئًا لأنني أحمل رأيًا خاصًا في مثل هذا الطعام كنت أحتفظ به دائمًا حتى قرأت رأيًا متطابقًا لرأيي ذكره الكاتب الأمريكي هنري ميللر حيث قال: «الأمريكيون يمكن أن يأكلوا «زبالة» يغطونها بصلصة الطماطم والخردل والفلفل الأحمر والصلصة الحارة الجهنمية أو أية توابل أخرى تتلف المذاق الأصلي للطعام» وهذا ما وجدته بالفعل حينما قاومت وأكلت بعض ما في الطبق، وحتى اليوم لم أعرف ماذا أكلت سوى أنه كان شيئًا مما ذكره «هنري ميللر» ولم أقم بتكرار التجربة مرة أخرى من يومها رغم اضطراري في بعض الأسفار إلى البقاء ساعات طويلة دون طعام، فما يقرؤه الإنسان ويعرفه عن مكونات الأطعمة والوجبات السريعة التي تقدمها المطاعم هناك وتأثيرها الضار على المدى الطويل على جسم الإنسان تجعله يفكر جيدًا قبل أن يقلد الناس فيما يأكلون لا سيما وأن الغربيين يطلقون على هذه الأطعمة مسمى «JUNK FOOD» وهي كلمة عامة تطلق على الأطعمة ذات القيمة الغذائية المتدنية المغطاة دائما بصلصة الطماطم أو الفلفل الحار، وأشهر تلك الوجبات الهامبورجر، الذي يدخل في تكوينه بقايا اللحوم والجلود والدهون، وهذه الأطعمة بشكل عام تقدم طعمًا ربما يكون لذيذًا وتحتوي على كميات كبيرة من السعرات الحرارية مما يساعد على تراكم الدهون والشحوم في الجسم، لكنها لا تقدم أية فائدة غذائية للجسم حسب دراسات أخصائيي التغذية الذين يسمونها الأطعمة الخالية من القيمة الغذائية، وقد أدى انتشار المطاعم التي تقدم هذه الأطعمة في أوروبا والولايات المتحدة إلى إهمال الناس هناك في اختيار نوعية الغذاء الصحي مما أدى إلى امتلاء أجسامهم بالشحوم، وهذه مشكلة تعاني منها الولايات المتحدة على وجه الخصوص لذلك فإن جمعية القلب الأمريكية وجمعية السرطان الأمريكية والمكتب العام للجراحين الأمريكان يصدرون من أن لآخر بيانات وإحصاءات تبين خطورة هذه الأطعمة على صحة الإنسان وينادون بضرورة خفض كميات الدهون في الطعام.
والأمر بالنسبة لمحتويات «JUNK FOOD» لا يتوقف عند حدود مكوناتها العالية من الأملاح والسكريات والسعرات الحرارية والدهون، بل إن الأمر أخطر من ذلك حيث يدخل في تصنيع هذه الأطعمة الكثير من الأصباغ الصناعية والمواد الحافظة ومواد مشتقة من الصناعات البترولية، وهذه المواد لا يتوقف ضررها – حسب بعض الدراسات الأخيرة على أنها خالية من القيمة الغذائية، وإنما تتخطى ذلك إلى إصابة الجسم بأضرار صحية، بل ثبت علميًا أنها قد تكون من مسببات السرطان وأمراض أخرى خطيرة.
وعندما ظهرت مشكلة جنون البقر في بريطانيا نشرت دراسات وأبحاث كثيرة عن مخاطر استخدام الأجزاء غير الصالحة للاستخدام الآدمي من أجساد الأبقار في الوجبات الخفيفة التي يتناولها الناس بنهم وتلذذ في الغرب وكذلك في بلادنا الآن، وكان مما اطلعت عليه تصريح وصف بأنه لأحد أكبر مصنعي اللحوم في الولايات المتحدة الأمريكية دون ذكر اسمه حيث قال: «إننا حينما نذبح عجلًا أو بقرة فإننا لا نحب أن نلقي منها شيئًا، فاللحوم تباع إما طازجة أو مجمدة، والعظام تدخل في صناعات كثيرة مثل مواد التجميل وبعض الأطعمة والأسمدة والأعلاف الحيوانية والقرون والحوافر لها من يشتريها من أصحاب الصناعات المتخصصة، كما أنها تستخدم في صناعة الأسمدة، أما الجلود فإنها يتهافت عليها صناع الأحذية، والملابس الجلدية، ولكن ماذا عن أحشاء هذه الأبقار والأعصاب والشحوم وبعض بقايا اللحوم المتناثرة هنا وهناك من جراء عمليات التقطيع... هل تلقيها في القمامة لا أعتقد أن ذلك اختيار جيد، ولكنها مع قليل من البهارات والإضافات الأخرى يمكن أن تصبح هامبورجر لذيذة وعندما تحضر بالطرق الخاصة وتقدم مع السلطة وصلصة الطماطم والبطاطا المقلية ستكون رائعة.. أليست وجبة الهامبورجر أفضل من إلقاء هذه البقايا في الزبالة؟».
انتهى الكلام، وأعتقد أنه ليس بحاجة إلى تعليق، والمشكلة ليست فيما يأكله الغربيون فهم أحرار فيما يأكلون ولكن المشكلة أن هذه المطاعم بدأت تغزو العالم العربي وأصبحت تلقى قبولًا كبيرًا دون أن يلتفت الناس للمخاطر الصحية المترتبة على التناول الدائم لما تقدمه من وجبات، ومع كثرة الحديث في الغرب عن المخاطر الصحية التي تسببها الوجبات السريعة فقد تم الإعلان مؤخرًا في الولايات المتحدة عن اختراع مادة غذائية جديدة تدعى «أوليسترا»، وقد أنفقت الشركة الأمريكية المنتجة لها ٢٠٠ مليون دولار على أبحاث سرية استمرت ما يقرب من ثلاثين عامًا للتوصل إليها، وهي مادة تتكون من ستة جزيئات من الدهون إلى جوار جزيء واحد من السكر وهي لا تهضمها المعدة ولا تمتصها الأمعاء، وكما تدخل الجسم تخرج منه لكن مذاقها لذيذ كالقشدة والزبدة ودسم اللحم. وقد توقعت الشركة المنتجة «بروكتر أندجامبل» أن تسيطر على كل موارد الأطعمة المشهية والوجبات السريعة في الولايات المتحدة بواقع 15 بليون دولار سنويًا بعد طرحها هذه المادة في الأسواق مؤخرًا، إلا أن «أوليسترا» ما كانت تشتهر حتى ظهرت مخاطرها الصحية بسرعة، حيث اضطرت وكالة الأغذية الأمريكية إلى أن تحذر المستهلكين منها معلنة أنها قد تسبب الإسهال والمغص وتحول دون امتصاص بعض الفيتامينات والمعادن، كما أصدرت الإدارة الأمريكية للعقاقير تقريرًا في شهر يونيو الماضي ذكرت فيه أنها أجرت دراسات على مستخدمي أوليسترا في ثلاث مدن أمريكية فقط فثبت أن ۲۰٪ منهم أصيبوا بتلبكات في المعدة وأن ٣٪ أصيبوا بأمراض خطيرة، وقد طالبت الإدارة الأمريكية للعقاقير بحماية الناس من هذا المنتج، وأشارت دراسات أخرى إلى أنها قد تسبب السرطان باعتبارها مادة كيماوية شأنها في ذلك شأن أية مادة كيماوية أخرى.
وهذا الأمر لا يشكل حتى الآن مشكلة للمستهلك العربي ولكن المشكلة أن الشركة المنتجة «بروكتر أندجامبل» ترتبط بمصالح صناعية مع أشهر شركات النفط والمنتجات الغذائية التي تعمل وتنتشر منتجاتها وفروعها في كثير من الدول العربية، وبالتالي فمن غير المستبعد أن يتم إغراق الأسواق العربية بهذا الاختراع الجديد «أوليسترا» سواء باسمه هذا أو تحت أي مسمى آخر تمامّا كما تم إغراق الأسواق العربية بمنتجات أخرى كثيرة لا تقل خطورة عنه، وفي ظل شغف البعض الآن بكل ما هو أمريكي فلا ندري حجم المخاطر الصحية التي يمكن أن تسببها «أوليسترا» إذا تسربت للأسواق العربية..