العنوان بلا حدود: الاختراق الصهيوني للكنيسة الأمريكية
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1997
مشاهدات 60
نشر في العدد 1245
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 08-أبريل-1997
بعد انتهاء الحرب الأمريكية البريطانية وإعلان استقلال الولايات المتحدة تم وضع الدستور الأمريكي وإنجازه في 17 سبتمبر عام 1787م، وكان هذا مؤشرًا إلى بداية موجة كبيرة من هجرة الأوروبيين إلى الولايات المتحدة التي كانت بمثابة العالم الجديد في ذلك الوقت، ورغم أن غالبية المهاجرين الأوروبيين كانوا آخرين جاؤوا من السويد والنرويج وفرنسا وهولندا وبولندا وبروسيا، والعديد من الدول الأوروبية الأخرى، وقد حمل هؤلاء معهم معتقداتهم الدينية، وموروثاتهم الثقافية إلى العالم الجديد الذي انتقلوا إليه، فكان من بينهم اليهود والكاثوليك والإنجليكان واللوثريون وغيرهم، وكان اليهود في ذلك الوقت قد بدأوا بالتعافي وتجميع صفوفهم في أوروبا مرة أخرى بعد النكسات التي تعرضوا لها خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر على يد الأوروبيين بسبب الدور الذي لعبوه في المضاربات الاقتصادية والأعمال الربوية، مما تسبب في أزمات اقتصادية كبيرة في أوروبا دفعت بريطانيا إلى طرد اليهود في نهاية القرن الثالث عشر ودفعت الفرنسيين أن يحذوا حذوهم في نهاية القرن الرابع عشر والإسبان في نهاية القرن الخامس عشر، ويذكر الدكتور يوسف الحسن في كتابه «البُعْد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني» نقلًا عن المؤرخة اليهودية باربارة تشمان أن «جذور الكراهية لليهود في أوروبا وجدت خلال فترات الحروب الصليبية لأسباب دينية واقتصادية، فاليهود في نظر مسيحي أوروبا هم أعداء المسيح وقتلته»، ولذلك «هاجمتهم الجماهير الشعبية وبخاصة في إنجلترا وأعملت فيهم ذبحًا وتنكيلًا، ومن نجا منهم قام بذبح زوجته وأطفاله ثم قتل نفسه بيديه، كما كانت هذه الجماهير تصادر ممتلكاتهم وأموالهم».
غير أن بقية اليهود الذين فرو إلى فرنسا وهولندا وسويسرا وغيرها من الدول الأوروبية الأخرى استطاعوا أن يجمعوا شتاتهم من جديد، وأن يشكلوا قوة اقتصادية بدأت تؤثر في سياسة الدول التي يعيشون فيها، كما بدأوا شيئًا فشيئًا يعودون إلى الدول التي سبق وأن طردوا منها، وأن يلعبوا على الصراعات القائمة فيها فتبوؤا المناصب والمسؤوليات، وكانت عودة اليهود إلى بريطانيا مواكبة لظهور مارتن لوثر ومذهبه البروتستانتي في القرن السادس عشر، وفيما ناصر مارتن لوثر اليهود في البداية على أمل إدماجهم في مذهبه الكنسي الجديد، تجاوب اليهود في المقابل معه بغية السيطرة على مذهبه الجديد واستغلاله كمدخل للترويج للصهيونية من خلال اختراق المسيحية، ويبدو أن اليهود قد نجحوا بالفعل في تحقيق كثير من أهدافهم تجاه اختراق البروتستانتية، مما دفع مارتن لوثر إلى أن ينتقد اليهود بشدة في أواخر حياته حينما شعر أنهم حققوا أهدافهم حياله، فيما لم يستطع هو أن يفعل شيئًا، لكن اليهود الذين تمكنوا من اختراق البروتستانتية دفعوا اللوثريين الذين اجتمعوا في إستكهولم بعد أربعة قرون، وتحديدًا في يوليو عام 1983م إلى إعلان «عدم التزامهم بكل ما صدر عن مارتن لوثر بشأن اليهود»، كما أعربوا عن «أسف اللوثريين وعدم علاقتهم بالملاحظات المتطرفة التي سبق لمارتن لوثر أن أبداها تجاه اليهود».
ومع دفقات المهاجرين اليهود في زيادة مضطردة، ومع انتشار الصهيونية بين المسيحيين البروتستانت على وجه الخصوص فقد كان هؤلاء من أقرب أنصار اليهود، حيث يلتقون معهم في اعتبار العهد القديم «التوراة» الكتاب المقدس الرئيسي، كما يعتبرون مع الإنجيليين أن فلسطين هي أرض الأمة اليهودية التي جب استعادتها وتحقيق النبوءة التوراتية بها، ولهذا فإن هؤلاء يدعمون إسرائيل من منطلق عقائدي ويقومون بجمع الأموال وتنظيم الرحلات الجماعية إلى «أرض الميعاد»، ويشير جورج وبول ودوغلاس س ب بول في كتابهما «أمريكا وإسرائيل.. علاقة حميمة» إلى أن المسيحيين الإنجيليين الأمريكيين الذين يدعمون إسرائيل وينظرون إليها على «أنها إنجاز جزئي للنبوءة الإنجيلية» يبلغ عددهم أربعين مليون أمريكي، وقد قامت الفكر الصهيونية لدى هؤلاء مع ترسيخ الوجود اليهودي في الولايات المتحدة خلال القرن الثامن عشر على «السعي لإقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام»، أما بعد قيام إسرائيل على أرض فلسطين في عام 1948م فقد تطورت هذه الفكرة كما تقول لي أوبرين في كتابها «المنظمات اليهودية الأمريكية ونشاطاتها في دعم إسرائيل» نقلًا عن مقررات المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين الذي عقد في عام 1951م لتصبح: «توطيد دولة إسرائيل وتجميع المنفيين في أرض إسرائيل، وتعزيز وحدة الشعب اليهودي».
غير أن الدكتور يوسف الحسن يشير إلى أن الاختراق الصهيوني للكنيسة الأمريكية بدأ مع هجرة اليهود الأولى إلى الولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن السابع عشر، ويستشهد بأقوال كثيرة للمسيحيين الصهاينة، والبريطانيين منهم على وجه الخصوص «ففي عام 1814م وقف القس جون ماكدونالد- راعي الكنيسة المسيحية في مدينة أولباني- داعيًا إلى أن اليهود يجب أن يعودوا إلى أرض صهيون، ولابد للولايات المتحدة الأمريكية من أن تقود الأمم».
وهناك عشرات أخرين من رعاة الكنائس الأمريكية كانوا يحضون اتباعهم من البداية عبى دعم اليهود ودعم عودتهم إلى فلسطين، وقد لعب هؤلاء دورًا رئيسيًا في عمليات الاستيطان الأولى لفلسطين، حتى إن بعضهم دفع إتباعه للاستيطان في فلسطين في وقت مبكر، ففي «عام 1866م قاد القس أدم أكثر من 150 رجل دين مسيحي من ولاية مين للاستيطان في فلسطين».
أما الرئيس الأمريكي جون آدامز (1767 – 1848م) فكان أوَّلُ رئيسٍ أمريكي يعلن صهيونيته ويقول في عام 1818م: «أتمنى أن أرى ثانيةً أُمَّةً يهوديةً مستقلةً في يهودا» «أي أرض فلسطين»، وقد أسهم أتباع الكنائس الأمريكية في بناء عشرات المستوطنات اليهودية في فلسطين خلال القرن التاسع عشر، أما اللورد البريطاني بلفور صاحب وعد بلفور المشؤوم فقد سافر إلى واشنطن في مايو عام 1917م واجتمع بالرئيس الأمريكي ويلسون، وأخذ موافقة الولايات المتحدة على وعده الذي رعاه الأمريكيون فيما بعد، ورغم أن بلفور كان مسيحيًا إلا أنه قال قبل مغادرته واشنطن: «أنا صهيوني».
ويشير الدكتور الحسن نقلًا عن ابنة أخت بلفور ومؤرخة حياته بلانس روعاديل أن بلفور تربى على المسيحية الصهيونية منذ نعومة أظفاره في الكنيسة، وتتحدث غريس هالسل في كتابها: «النبوءة والسياسة» عن الكثير من رعاة الكنائس الأمريكية الذين يدعمون إسرائيل بالدعم المادي والمعنوي، وينظمون لأتباعهم رحلات منتظمة إلى إسرائيل، وينشر هؤلاء أفكارهم عن طريق 1400 محطة إذاعية وتليفزيونية في الولايات المتحدة، وتؤكد هالسل على أن الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان أحد هؤلاء التوراتيين «المؤمنين بقدسية إسرائيل» وأيدلوجية النبوءة، وأن هذا الأمر كان واضحًا منذ أن كان حاكمًا لكاليفرونيا في عام 1971م، ولذلك حظيت إسرائيل برعاية ريجان الخاصة خلال انتخابه لفترتين من 1980 إلى 1988م ليكون الرئيس الأربعون للولايات المتحدة.
ولم يقف الأمر عند حد الرئيس الأمريكي جون آدامز، أو الرئيس ويلسون، أو الرئيس ريجان، وإنما وصل إلى الرئيس الثاني والأربعين للولايات المتحدة بيل كلينتون الذي يحمل نفس المعتقدات الكنسية الصهيونية، والتي أفصح عنها بوضوح في خطابه الذي ألقاه في الكنيست الإسرائيلي في 27/ 10/ 1994م؛ حيث قال نقلًا عن راعي كنيسته الذي أوصاه بإسرائيل قبل 13 عامًا قائلًا له: «إنك إذا تخليت عن إسرائيل فلن يغفر الله لك أبدًا، إن مشيئة الله أن اختار إسرائيل أرضًا لنا، وإن مشيئته أن إسرائيل ستبقى إلى الأبد».
إن هذه الحقائق تؤكد على مدى وحجم الاختراق الصهيوني للكنائس الأمريكية، وتشير إلى حجم الدعم والنفوذ الذي يحظى به الصهاينة في المجتمع الأمريكي والإدارة الأمريكية، فهو لا يقف عند حد الستة ملايين يهودي وإنما يتخطاهم إلى أكثر من أربعين مليون صهيوني، ولا يقف عند حد الموظفين الإداريين صغارًا كانوا أو كبارًا، وإنما يصل إلى حد الرئيس الذي قدم لليهود ولإسرائيل ما لم يقدمه رئيس أمريكي آخر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل