العنوان بلا حدود .. حياة فتاة مسلمة في مدريد!
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1244
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 01-أبريل-1997
هذه الصفحة اليوم من حقها هي تلك الفتاة المسلمة التي لم تتجاوز ربيعها الخامس عشر، والتي هزت كياني كله برسالتها تلك، حتى أني حرت في أي موضع من المجلة أضعها، وفي أي موقع انشرها، ولكني بعد تفكير طويل لم أجد سوى صفحتي فهذا أقصى تكريم يمكنني تقديمه للفتاة الإسبانية المسلمة يمان أيمن إدلبي التي تدرس في إحدى المدارس المتوسطة في العاصمة الإسبانية مدريد، ففي إحدى المسابقات الدورية التي تقيمها وزارة التعليم في إسبانيا طلب من طلاب المرحلة المتوسطة أن يكتبوا موضوع عات تحت عنوان من أنا؟ يتحدث فيه كل منهم عن نفسه، وعن كيانه، وعن ماهيته، ومشاعره وأحاسيسه في المجتمع الذي يعيش فيه، وكتبت يمان قصتها التي عبرت فيها عن نفسها ومشاعرها وأحاسيسها كفتاة مسلمة تعيش في المجتمع الإسباني، وتقدمت بها مثل غيرها من الطلاب المشاركين إلى وزارة التعليم في العاصمة الإسبانية مدريد، لكن المسؤولين حينما اطلعوا على قصة يمان رفضوا استلامها أو إدراجها ضمن المسابقة،
وحينما سالتهم عن سبب الرفض أخبروها بأن مثل هذه الموضوعات سوف تثير مشكلات لا يحبون التعرض لها، فقالت لهم أي مشكلات وانتم مجتمع يرعى الحرية كما أني أعبر عن حقيقة نفسي ومشاعري، وهذا هو موضوع المسابقة الذي طلبتموه، إلا أن يمان عادت حزينة إلى بيتها بعدما أصروا على رفض موضوعها، ثم أرسلت لي رسالتها وقصتها التي أنشرها دون تعليق تاركًا لكل قارئ أن يشعر بما شعرت به بعد قراءة هذه الرسالة، وأن يضع وسامًا على صدر يمان تكريمًا لها، وعوضًا عن رفض وزارة التربية الإسبانية استلام قصتها ومكافأتها على صدق مشاعرها، وأن يدعو لها ولكل مسلمة تعيش في هذه البلاد بالصبر والثبات..
تقول يمان في موضوعها الذي رفضت وزارة التعليم الإسبانية استلامه بعض الناس ينظرون إليَّ وأنا أمضي في الشارع، بشفقة ورأفه، وبعضهم الآخر في احتقار وازدراء، إلا أن هناك من ينظر إلى وإلى كل فتاة مسلمة محجبة تسير بينهم بشيء من والمشاركة الوجدانية أولئك الذين ينظرون بشيء من التعاطف، أما الشفقة هم الذين يظنون أنني أجبرت: على وضع الحجاب الذين تملأ نظراتهم مشاعر الاحتقار فهم الذين يكرهون المسلمين وما أكثرهم هنا. معظم أولئك الذين لا يؤمنون بالإسلام يتحدثون عن أشياء لا يعلمون حقائقها، ويروون حكايات عن المسلمين لا أساس لها من علم أو حقيقة فانا فتاة مسلمة كعشرات المسلمين والمسلمات الذين يعيشون في مدريد، لقد ولدت ونشات وقضيت سنوات عمري الخمس عشرة في إسبانيا. وعندما كنت صغيرة، كان الناس يبدون لطفًا شديدًا في معاملتهم معي، ويوجد دائما استثناء، فبعضهم كانوا على غاية من الفظاظة في معاملتهم حتى مع طفل عمره سبعة أعوام، مادام ينتمي إلى أسرة غريبة. بعض جيراننا كانوا يعاملوننا وكأننا أهل وأقرباء، وعلى الرغم من ذلك فإنهم لم يقبلوا قط ديننا، ولا إسلامنا، كانوا ما يفتؤون يرددون مازحين: إياك أن تلبسي هذه الملابس الشنيعة التي ترتديها أمك، وآخرون: لا تكوني مغفلة.. وتصومي رمضان...
إن هذا شيء مريع! وعلى الرغم من أنني كنت طفلة ولم أكن في ذلك الوقت محجبة ولا احمل أي صفات عرقية تميزني عن الإسبان في شيء، وعلى الرغم من أنني مولودة في إسبانيا، واذهب إلى المدارس الإسبانية فلقد كان زملائي في المدرسة لا يدعونني إلا «مورا»، ولا يكفون عن تقريعي بكوني مسلمة، شأن كل الأطفال، يعيرون كل واحد بما يؤلمه، فهذا سمين، وهذا قبيح، وهذا كسول، وأنا «مورا» أي مسلمة، لقد بذلت جهودًا دائمة للانضمام إليهم، أو الاندماج في العالم الذي يعيشونه في إطار المدرسة، ولكن نيتي الحسنة لم تشفع لديهم لتقبلي بينهم كفتاة عادية، لأن التزامي بأوامر الإسلام، كعدم أكل لحم الخنزير، وعدم المشاركة في احتفالات رأس السنة والابتعاد عن المجموعات التي تمارس ألعابًا غير بريئة، جعلهم لم يقبلوا قط أن أكون فردًا في تجمعهم المدرسي ذاك. لقد اجتهدوا جميعًا على الرغم من صغر سنهم في إبعادي وإقصائي، وتعميق مشاعر الغربة والاختلاف عنهم. نشأت وكبرت.. وأخذت أرى الأمور بطريقة مختلفة، ولم يعد يهمني على الإطلاق قبول الإسبان أو رفضهم لوجودي، فمنهم من كان على غاية من اللطف، ولدي مجموعة لا باس بها من الصديقات اللواتي يحد من نمو صداقتي معهن وفقط التزامي بديني، وعلى الرغم من ذلك فقد حاول البعض منهن تفهم الأمر، واحترام الطريق الذي أسير فيه، وهن لا يتورعن عن سؤالي في هدوء ودون الحاج عن سبب هذا الأمر، أو ذاك، أو معنى هذا السلوك، أو هذه العبارة، أو تلك.. لم تعد لي أي رغبة في أن أكون جزءا من هذا المجتمع، بل لقد بدأت أبحث عن جذوري في رغبة وإصرار، إنني أريد أن أعرف كل شيء عن الإسلام. لقد صممت على وضع الحجاب.. لأنني أصبحت على ثقة بأنه من الواجب على وضعه، ولقد واجهني أبواي بداية بالرفض، لا لأنهما لا يريدان لي وضع الحجاب، ولكن لأنهم يريدان لي أن أضعه عن رضا، وقناعة وفهم، لكيلا تكون خطواتي غير ثابتة في مجتمع يضيق علينا جميع السبل.
لقد أردت أن أعود إلى الإسلام والتزم بديني، وقد فهمت حقيقة واضحة وهي أن هذا المجتمع الغربي الذي أعيش فيه، لا يمكن أن يقبلني، ولو ذبت فيه، وتعلمت عاداته، والتزمت تقاليده، وحتى لو اعتنقت -لا قدر الله- دينه ولو لبست ملابس القوم، وأكلت طعامهم وشربت شرابهم، وحتى لو دخلت في جلودهم، وخرجت من جلدي، فلن أكون بالنسبة إليهم إلا مسلمة أو «مورا» كما يحبون أن يسموا كل مسلمة، فلماذا لا أكون مسلمة ملتزمة يكرهونها ويحترمونها، ولا أكون مسلمة منحرفة يكرهونها ويحتقرونها؟ أحيانًا أشعر بالمرارة كلما خرجت إلى الشارع وواجهت نظرات الناس، ولكنني أعود إلى نفسي وأقول لا ينبغي أن يحزنني ذلك يجب أن أشعر بالفخر بما أنا عليه، فانا واثقة من هذا الدرب الذي أسير فيه، ولا يهمني أحد إلا الله. إنني أشعر بالعزة والكرامة، بل بالسعادة المطلقة لأنني لبست الحجاب، كما أنني فخورة بكل مسلم يعيش في أوروبا ويحافظ على دينه وأصوله. انتهى...