; بلا حدود.. خمسون عامًا من الابتزاز | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود.. خمسون عامًا من الابتزاز

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1995

مشاهدات 64

نشر في العدد 1156

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 04-يوليو-1995

فرض المنتصرون في الحرب العالمية الثانية أشكالًا مختلفة لهيئات وتجمعات يستطيعون من خلالها فرض سطوتهم وإحكام سيطرتهم على دول العالم النامي لا سيما دول العالم الإسلامي التي تقع في قلب خريطة العالم، وكان صندوق النقد الدولي الذي اتخذ المنتصرون قرارًا بإنشائه في أعقاب مؤتمر بريتون وودز عام ١٩٤٤م هو أحد صور الاحتلال غير المباشر التي ابتكرها الغرب بعد انتهاء احتلاله العسكري للمنطقة، فرغم أن المهمة الأساسية التي يجب أن يقوم بها صندوق النقد الدولي هى «مراقبة نظام نقدي يقوم على أسعار صرف ثابتة» إلا أن هذه المهمة قد اختفت تمامًا منذ أكثر من عشرين عامًا وأصبحت مهمة الصندوق السرية والعلنية الآن هي تحقيق أهداف الدول الكبرى –لا سيما الولايات المتحدة التي يقع بها مقر الصندوق، والتي تمول الجانب الأكبر من مخصصاته- في التدخل والتأثير المباشر في السياسة الاقتصادية للدول التي تعاني ضعفًا اقتصاديًا وقصورًا في مواردها المالية، وكذلك تقديم الدعم المصحوب بشروط مجحفة للدول التي لا تجد طريقًا لحل مشاكلها الاقتصادية، وقد استطاع الصندوق أن يوقع في براثنه عشرات الدول النامية والفقيرة، وأصبح يتحكم بشكل مباشر في سياساتها ومواردها وحتى مؤسساتها الاقتصادية، وقد أشارت دراسات وأبحاث اقتصادية كثيرة إلى أن كل الدول التي تعاملت مع الصندوق قد تدهورت حالتها الاقتصادية بشكل يدعو للرثاء، لأن سياسة الصندوق تعتمد على امتصاص السيولة النقدية في الدول التي تقترض من الصندوق وتخضع لشروطه وتوصياته التي أشبه ما تكون -في رأى كثير من الاقتصاديين- بامتصاص الدم من الجسد، فهذه الشروط والتوصيات حولت كثيرًا من الدول الغنية إلى دول مدينة، وكثيرًا من الدول الفقيرة إلى دول أكثر فقرًا وعجزًا حتى عن تسديد فوائد الديون.

وقد أكدت على ذلك مجلة «جون أفريك» الفرنسية في تقرير نشرته عنها «العالم اليوم» في 21/ 8/ 94 فقد أشار التقرير إلى أن الدول الأفريقية التي تقع جنوب الصحراء الكبرى، والتي تتعامل مع الصندوق قد أصبحت مديونياتها الآن أثقل مما كانت عليه قبل عشر سنوات، ففي عام ١٩٨٥م كانت مديونيات تلك الدول ٦٣.٥ مليار دولار أمريكي، أما في نهاية عام ۱۹۹۳م فقد وصلت مديونيات تلك الدول إلى ١٣٢.٥ مليار دولار، وذلك بسبب توصيات صندوق النقد وشروطه، وأكدت جون أفريك أن كل سياسات الإصلاح الاقتصادي التي فرضها الصندوق على معظم الدول الأفريقية التي خضعت لشروطه قد فشلت في برامجها وضربت مثالًا على ذلك بدول كينيا ونيجيريا وغانا وكوت ديفوار وكل بلدان الفرنك التي تقع في غرب القارة الأفريقية.

وقد بلغ الوضع بثلاثين دولة من الدول الأفريقية المدينة للصندوق بأنها أصبحت عاجزة ليس عن تسديد الديون، وإنما عن تسديد فوائد الديون.

ولا يختلف الوضع المذرى للمديونية الأفريقية كثيرًا عن الوضع العربي، فقد نشرت الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي الذي عقد في بيروت تقريرًا في مايو ١٩٩٤م ذكرت فيه أن المديونية العربية بلغت ١٩٤ مليار دولار، وذلك في نهاية عام ۱۹۹۳م وتبلغ الفوائد المقررة على هذه الديون ۱۸ مليار دولار وهو ما يعادل ميزانيات دول عديدة، وأشار التقرير إلى أن ديون الدول العربية تمثل ٧٥٪ من إجمالي الناتج المحلي.

ويلعب صندوق النقد دورًا هامًا في ترسيخ هذه الديون ومضاعفتها وابتزاز الجانب الأكبر من مخصصات الدول العربية وثرواتها، وليس أدل على ذلك من الطريقة التي ظل يتفاوض بها الصندوق مع كل من مصر والجزائر حتى حول دولة مثل الجزائر كان من المفترض أن تكون واحدة من أغنى دول العالم بما تملك من ثروة نفطية هائلة إلى دولة وصلت ديونها الآن إلى ٥٢ مليار دولار، وقد فتح صندوق النقد الدولي خزائنه للجزائر فأفرط العسكر في الاستدانة حتى أصبحت ثروة الجزائر الآن مرهونة لعدة عقود.

أما مصر فقد وافقت في يوليو ١٩٩٤ على شروط صندوق النقد المجحفة وغير المنطقية والتي من أبرزها عدم قدرة مصر على حماية صناعاتها الوطنية، كذلك القبول بمبدأ تحقيق تخفيض سعر الجنيه مقابل الدولار والإسراع ببرنامج الخصصة، ذلك البرنامج الذي أشار كثير من المحللين الاقتصاديين إلى أنه سوف يؤدي إلى بيع المؤسسات الوطنية المصرية بثمن بخس، كذلك طلب الصندوق وضع احتياطات البنك المركزي المصري تحت رقابة الصندوق، وهذا يعتبر -في رأي كثير من المراقبين- مساسًا بسيادة السلطات النقدية المصرية، كذلك طلب الصندوق إطلاق مد يده في سوق الصرف المصرية، وقد بلغ عدد دول منطقة الشرق الأوسط والدول الأفريقية التي أصبح صندوق النقد يتدخل الآن بشكل مباشر في شئونها العامة أكثر من خمسين دولة معظمها من الدول الإسلامية.

أما أخطر أساليب الابتزاز التي أصبح يمارسها صندوق النقد الدولي الآن مع الدول الإسلامية ليست فرض الخصخصة أو التحكم في سعر صرف العملات وأسعار السلع الضرورية والتوجهات السياسية للدول المدينة، وإنما وصل الأمر إلى درجة الابتزاز العلني لعقائد المسلمين وتوجهاتهم ومساعيهم لتحري الحلال والحرام في شئون حياتهم، وقد تمثلت أكبر صور هذا الابتزاز في الزيارة التي قام بها وفد من الصندوق إلى صنعاء في نهاية مايو وأوائل يونيو الماضيين حيث وضع الوفد توصيتين هامتين إلى الحكومة اليمنية، وذلك في مقابل منحها مساعدات تبلغ قيمتها ۲۸۰ مليون دولار على مدى اثني عشر شهرًا، أما التوصية الأولى: فهى كما جاءت على لسان خبير اقتصادي يمني ونشرتها وكالة الأنباء الفرنسية تتمثل في «الحد من نفوذ التيار الإسلامي داخل المؤسسات الحكومية» أما التوصية الثانية: فهي «إلغاء قرار إنشاء البنك الإسلامي» الذي كانت الحكومة اليمنية قد وافقت مبدئيًا على إنشائه في شهر أبريل الماضي.

وقد أبدى بعض المراقبين تعجبهم من وضوح هذه التوصيات التي ربما تكون تمهيدًا لأن يطلب الصندوق من الدول الإسلامية المدينة له والتي تسمح بنظام مصرفي إسلامي، وقيام بنوك إسلامية على أرضها أن تغلق هذه البنوك مستقبلًا، كما فرض على بعض هذه الدول من قبل أن تصفي شركات توظيف الأموال وإلا حُرمت من بركات الصندوق.. وما زال في المستقبل مجال لمزيد من الابتزاز.

تنويه: نظرًا لسفري وتفرغي لمهمة دراسية قصيرة فإني أعتذر إلى القراء عن احتجاب زاوية بلا حدود، وحتى عودتي سبتمبر القادم إن شاء الله.

 

الرابط المختصر :