العنوان بلا حدود: رجلٌ من الأوَّلين
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
مشاهدات 56
نشر في العدد 1165
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
يبقى الرعيل الأول في كل الدعوات جيلًا فريدًا في خصائصه ومميزاته وعطائه وقدراته، وكما كان الرعيل الأول فريدا في كل الدعوات وعلى مدار فقد كان الرعيل الأول العصور الذي تربَّى على يد الإمام الشهيد حسن البنا جيلا فريدا من هذه الأجيال المتعاقبة، وكان سعيد رمضان أحد رواد هذا الجيل.
ولد الدكتور سعيد رمضان في شبين الكوم بمصر عام١٩٢٦م، وتوفي – رحمه الله. في جنيف بسويسرا في 4 أغسطس 1995م، ودفن في القاهرة بعدها بأربعة أيام، وبين تاريخ الولادة وتاريخ الوفاة قضى سعيد رمضان رحمه الله- حياة حافلة بالحركة والعطاء، فقد تعرف على دعوة «الإخوان المسلمون» في بداية حياته، وتربى على يد الشيخ البهي الخولي حينما كان طالبًا بالمرحلة الثانوية في طنطا، وكان بعد ذلك من أبرز قيادات الطلبة في الجامعة؛ حيث كان يتمتع بمهارات فائقة في مجالي الخطابة والكتابة، فكان له تأثيره الخطابي في جماهير الطلبة وجماهير الإخوان عمومًا فيما لم يكن عمره قد تجاوز العشرين، عاما نفس السن الذي تخرج فيه سعيد رمضان من كلية الحقوق بجامعة القاهرة، فأعاد صورة مشرقة من صور الأولين في الجهاد والحركة ومع براعة الإمام البنا في سبر غور من حوله وتوجيه الطاقات الفاعلة من الشباب في أوجه الأداء المناسبة، فلم يكن ينظر إلى سعيد رمضان أو غيره من الشباب بأعمارهم، وإنما كان ينظر إليهم بعطائهم وقوة أدائهم، فعين سعيد رمضان وهو في العشرين من عمره مديرا لمجلة الشهاب، التي كانت لسان حال الإخوان في ذلك الوقت.
وفي عام ١٩٤٨ كان سعيد رمضان قائد كتيبة القدس، إحدى كتائب الإخوان التي شاركت في حرب فلسطين، وفي نفس العام وهو لم يكن قد تجاوز الثانية والعشرين – أوفده الإمام البنا إلى باكستان مع د. محمود أبو السعود – رحمه الله- كممثلين لـ «الإخوان المسلمون» في وضع أسس بناء دولة المسلمين الوليدة في شبه القارة الهندية وقضى سعيد رمضان عامين أتاحت له فرصة عظيمة في المشاركة في بناء دولة جديدة، وبناء آفاق جديدة وإضافة خبرات واسعة لشخصيته الوثابة المتوقدة، وقضى سعيد رمضان عامين هناك، ثم عاد إلى مصر؛ حيث تزوج إحدى بنات الإمام البنا بعد استشهاد الأخير في فبراير ١٩٤٩م.
وفي عام ١٩٥١م أصدر سعيد رمضان مجلة «المسلمون»، التي وضع مقدمة عددها الأول نفس مقدمة العدد الأول من مجلة «الشهاب» التي كان يصدرها الإمام البناء ليؤكد على أصالة منبع «المسلمون» وهويتها، ثم أضاف قائلا: (و«المسلمون» ليست إلا قبسا من أقباس هذا «الشهاب» تقفو أثره، وتعيد في الناس سيرته في خدمة دعوة القرآن، وتجلية فضائل الإسلام ومصدرها ليس إلا تلميذا من تلامذة حسن البنا الكثيرين، وقد نعم -رضي الله عنه وأرضاه - بالشهادة بعد أن أدَّى الرسالة وأرسي الأساس، ورسم قواعد البناء) وفي مقدمة العدد الأول من السنة الثالثة الذي صدر في نوفمبر ١٩٥٣م قال سعيد رمضان: «وإنما سميناها «المسلمون» وهو اسم وجدناه في أنفسنا، ولم نتكلفه لها إعلانا عن الحقل الواسع الذي نؤمن بوحدته... وكنا نعلم من يوم أسميناها كذلك أن النسبة إلى الإسلام لا تثبتها شهادات الميلاد، ولا يعينها العدد الضخم من مئات الملايين في الشرق والغرب، ولكنها دعوى يجب أن يقوم برهانها في عقائد أصحابها وأخلاقهم وسائر أحوالهم وكانت «المسلمون» مدرسة جامعة للمسلمين في أنحاء الدنيا وصورة من صور عالمية الإسلام وعالمية الدعوة التي أكد عليها حسن البنا وحملها تلامذته من بعده، كما كانت منبرا لأبرز المفكرين والكُتَّاب الذين لا زالوا حتى الآن من أبرز مفكري الأمة خلال العقود السبعة الأخيرة، وكان عادة ما يكتب افتتاحيتها المستشار حسن الهضيبي - المرشد العام لـ «الإخوان المسلمون» في ذلك الوقت أو سعيد رمضان نفسه صاحب العبارات الرصينة والمعاني العميقة والخطاب الحماسي، أما أبرز كتابها، فمن مصر كان سيد قطب، وعبد القادر عودة، والصادق عرجون، والبهي الخولي، ومحمود أبو السعود، وعبد الوهاب عزام، والشيخ حسنين مخلوف، والشيخ محمد أبو زهرة، ود. عيسى عبده، ومحب الدين الخطيب، والشاعر محمود حسن إسماعيل، أما من المغرب فكان يكتب فيها علال الفاسي، وعبد الله كنون، ومن الجزائر البشير الإبراهيمي، ومن تونس محي الدين القليبي، ومن ألبانيا وهبي سليمان الألباني، ومن السودان محمد الخير عبد القادر، ومن اليمن على أحمد باكثير، والقاضي محمد محمود الزبيري، ومن سوريا الشيخ مصطفى السباعي، ود. محمد معروف الدواليبي، ود. مصطفى الزرقاء، ومن باكستان الإمام أبو الأعلى المودودي، واشتياق حسين قرشي، ومن الهند السيد أبو الحسن الندوي، والسيد مسعود الندوي، ومن إندونيسيا د. محمد ناصر، وآخرون كثيرون، فكانت بذلك مدرسة فكرية جامعة للمسلمين من المغرب وحتى إندونيسيا.
وفي عام ١٩٥٣م انتخب سعيد رمضان سكرتيرا عاما لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وفي عام ١٩٥٤م اعتقل لمدة أربعة أشهر مع مجموعات كبيرة من الإخوان سافر بعدها خارج مصر؛ حيث أقام في دمشق من ١٩٥٤م إلى ١٩٥٦م، وأصدر «المسلمون» من هناك بعدما أوقفت في مصر، وحوكم غيابيًّا مع جموع الإخوان التي حاكمها عبد الناصر في ١٩٥٤م وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، إلا أن ذلك دفعه لمزيد من الحركة والعمل، فكان يتحرك بين دمشق، وبيروت والقدس ومكة المكرمة، بصفته سكرتيرا عاما لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ثم انتقل للإقامة في بيروت خلال عامي١٩٥٧ ، ١٩٥٨، حيث سافر في نفس العام إلى جنيف وفي عام ١٩٥٩م حصل على الدكتوراه في القانون من جامعة كولون ألمانيا، وفي عام ١٩٦١م أسس المركز الإسلامي في جنيف وفي عام ١٩٦٢ شارك في تأسيس رابطة العالم الإسلامي في مكة وقد أقام -رحمة الله- في جنيف بسويسرا منذ عام 1961م، وحتى توفاه الله في أغسطس ١٩٩٥م، حيث كان له دوره البارز في نشر وتأصيل دعوة «الإخوان المسلمون» خارج مصر، ورغم أن عبد الناصر سحب الجنسية المصرية من سعيد رمضان عام ١٩٥٤م، وسعى لتصفيته في الخارج عدة مرات، إلا أن سعيد رمضان كان يتمتع باحترام واسع لدى معظم حكومات العالم العربي في ذلك الوقت، فحصل على جوازات سفر أردنية، وسعودية، وباكستانية ورفض التنازل عن جنسيته المصرية رغم إقامته في سويسرا ما يقرب من خمسة وثلاثين عامًا، وقد أعيدت له الجنسية المصرية مؤخرا، حيث نقل جثمانه إلى مصر ودفن إلى جوار أستاذه ومعلمه الإمام الشهيد حسن البنّا – رحمهما الله – رحمة واسعة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل