; بلا حدود: رسالة من جحيم بيهاتش | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود: رسالة من جحيم بيهاتش

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1995

مشاهدات 95

نشر في العدد 1139

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 21-فبراير-1995

منذ بداية الحرب البوسنية في أبريل 1992م وإقليم بيهاتش يتعرض لعمليات إبادة وتدمير منظمة، ومع شدة المعارك في البوسنة أو هدوئها فإن إقليم بيهاتش ظل مشتعلًا ولم يتوقف فيه القتال يومًا واحدًا، وتبقى طبيعة المعارك في بيهاتش لها خصوصيتها وأهميتها لأنها تدور بين جيش صربي منظم يأتيه الإمداد من كل مكان، وبين الفيلق البسنوى الخامس المحاصر من كل مكان منذ بداية الحرب في أبريل 1992، وقد دفعني هذا الوضع إلى التفكير جديًا في الدخول إلى بيهاتش للاطلاع على مأساة المسلمين المحاصرين فيها، إلا أني حينما عرضت الفكرة على بعض الذين يمكنهم تسهيل الأمر لى قالوا: إنك تفكر في المستحيل وقد فكر كثير من الصحفيين، أو حاولوا الدخول إلا أنهم لم يستطيعوا، ويكفى أن تعلم أنه لا يوجد في بيهاتش الآن سوى مراسل واحد هو «أرنولد ليندن» مراسل محطة «سكاي نیوز» الإخبارية، وهو الذي ينقل أحداث بيهاتش للعالم كله، فهو الوحيد الذي نجح ونجحت محاولته ولم ينجح حتى الآن أحد بعده، حيث لا توجد طريقة للدخول سوى بالطائرات المروحية، وهذا أمر صعب لأنها غالبًا ما تُقصف من الصرب حتى ولو كانت تحمل شارة الأمم المتحدة، أو عن طريق الجبال الوعرة وهى مخاطرة مميتة، إلا أن هذا لم يمنع البوسنيين من القيام بمغامرات بطرق وأساليب مختلفة تمكنهم من الوصول إلى المحاصرين في بيهاتش لإيصال بعض المساعدات أو تفقد أوضاع المحاصرين. 

قبل أيام تمت إحدى هذه المحاولات، بنجاح حيث تمكن «حشمت خليفة» مدير مكتب لجنة الإغاثة الإنسانية التابعة لنقابة الأطباء المصرية، في البوسنة من الدخول إلى بيهاتش بواسطة طائرة مروحية مستأجرة، حيث تم استغلال الغيوم الكثيفة التي ملأت سماء بيهاتش خلال أيام الشتاء الماضية فتمكنوا من إدخال بعض المساعدات المباشرة، وتعتبر هذه هي المرة الأولى منذ عامين ونصف تقريبًا التي يتمكن فيها مسئول إغاثى من الدخول إلى بيهاتش المحاصرة، وحينما رجع من بيهاتش اتصل بي وأبلغني بمغامرته الناجحة وقال: كنت أود أن يتم ترتيب هذه الرحلة أثناء وجودك في البوسنة لتشاركنا فيها، فقد كانت رحلة إلى الموت بالفعل، لكن الذي يبحث عن الموت دائمًا توهب له الحياة، ولم يفتني عند وصولي إلى بيهاتش ولقائي مع «مرصاد فلاجيتش» - ممثل الحكومة البوسنية في بيهاتش - أن أبلغه برغبتك الملحة في زيارة بيهاتش عندما زرت البوسنة، وقد تأثر بهذا وكتب إليك رسالة وحملني أمانة إرسالها إليك لنشرها، قلت له: قبل أن ترسل الرسالة هل يمكن أن تصف لي بعبارات موجزة كيف كان جو الأيام العشرة التي قضيتها في بيهاتش؟

قال: من الصعب عليَّ أن أصف لك شيئًا، فالوضع يفوق كل وصف إلا أنه في خلاصته صورة من صور الجحيم. 

قرأت رسالة «مرصاد فلاجيتش» عدة مرات وها أنا أنشرها كما وصلتني بعد حذف التحية والديباجة من مقدمتها:

«لقد علمت بمجيئك إلى البوسنة، وكم كنت أود أن تتمكن من زيارتنا هنا في بيهاتش حتى تسجل قصة صمود ما يزيد على مائتي ألف مسلم محاصرين يأتيهم الموت من كل مكان، وأرجو أن تنقل نص هذه الرسالة إلى المسلمين حتى يعرفوا أهمية جيب بيهاتش وحجم معاناة المسلمين فيه. 

يقع جيب بيهاتش في القسم الشمالي الغربي لجمهورية البوسنة والهرسك وتبلغ مساحته 2900 كيلو متر مربع، وعدد سكانه 333.567 نسمة 76% منهم من المسلمين والبقية من الصرب والكروات، وتعتبر مدينة بيهاتش عاصمة الإقليم وهى تعتبر أهم مرکز أقتصادی وثقافي بالمنطقة، وهى موصولة بواسطة خطوط للسكك الحديدية بموانئ البحر الإدرياتيكي سبليت وشيبينيك وزادار وكذلك مع وسط أوروبا بطرق برية إضافية، ويقسم نهر أونا الجيب إلى قسمين متساويين ولكنهما مختلفان في طبيعة التضاريس، فالقسم الغربي به مرتفعات بسيطة وسهولة، والقسم الشرقي معظمه جبال مغطاة بالغابات وغني بالمراعي. 

ومن منظور اقتصادي فالكانتون يتمتع بسمعة صناعية وزراعية كبيرة في وسط أوروبا، وقد دخل سكان بيهاتش إلى الإسلام في عام 1582م في حين بقي سكان المنطقة المحيطة بهم على دياناتهم السابقة وما زالوا، وبالتالي فإن إقليم بيهاتش يعتبر أبعد نقطة جغرافية للمسلمين في قلب أوروبا، وقد دفع مسلمو بيهاتش ضريبة دخولهم الإسلام طوال القرون الخمسة الماضية، فقد خضعت بيهاتش لسيطرة النمساويين حينما استولوا على البوسنة في الفترة من 1878 وحتى 1918م، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية ذاق مسلمو بيهاتش المرارة على أيدى الشيوعيين الذين وصل بهم الأمر إلى حد ترحيل مسلمى بيهاتش إلى تركيا وذلك من أجل القضاء عليهم وإنهاء وجودهم، إلا أن مسلمى بيهاتش قاوموا الشيوعية وحافظوا على دينهم وهويتهم وبلغ عدد المساجد التي كانت في بيهاتش قبل قيام الحرب الأخيرة بيننا وبين الصرب مائة وخمسين مسجدًا. 

أما الحصار فقد ضرب علينا في عام 1991م حينما اشتعلت الحرب في البداية بين الصرب والكروات، حيث قطعت المواصلات والاتصالات بما فيها التليفون والراديو عن الإقليم وأصبحنا معزولين عن العالم وما زلنا حتى الآن، حيث يستخدم الصرب ضدنا كل وسائل وأساليب الإبادة والإرهاب التي لا تتصور فيما تقف قوات الأمم المتحدة هنا موقف المتفرج، إلا أننا لم نستسلم أمام حرب الإبادة هذه وقررنا أن نخوض هذه الحرب ببنادق الصيد والمسدسات المحلية في البداية، وقد وفقنا الله في انتصارات كبيرة حصلنا من ورائها على غنائم ضخمة وأسلحة متقدمة هي التي نحارب بها الصرب الآن، وقد قام مسلمو بيهاتش بتحقيق بطولات عظيمة في هذه المعارك غير المتكافئة، وقد بلغ عدد شهدائنا حتى الآن 2000 شهيد، أما الذين قتلوا من المدنيين فقد بلغوا 25000 قتيل، والقصف لا يتوقف هنا يومًا واحدًا بل ربما لا تمر ساعة هادئة دون قصف، أما ضرورات الحياة فهى غير متوفرة وإن توفرت فبأسعار باهظة للغاية، حيث يبلغ سعر لتر الزيت 60 ماركًا ألمانيًا، وكيلو السكر 60 ماركًا، وكيلو الأرز 20 ماركًا، وكيلو الملح 20 ماركًا.. وهكذا، إن أكثر من مائتي ألف مسلم فى بيهاتش يتعرضون الآن لمجاعة كبرى.

إننا نتعرض هنا لحملة إبادة عالمية منظمة لأننا مسلمون، ولأننا مسلمون أيضًا فسوف نواصل الصمود لأننا أصحاب قضية عادلة ودين قويم يدفعنا إلى عدم القبول بالهوان والظلم، إن كل أملنا أن نشعر بوجود كيان مستقل يجمعنا ونستطيع تحت رايته أن نقيم شعائر ديننا ونحافظ على هويتنا الإسلامية، وإننا سوف نواصل دفاعنا عن ديننا هنا طالما بقيت لنا قدرة على ذلك.

وفي الختام أوجه شكري وشكر مسلمي بيهاتش إلى كل الذين يساعدوننا في حربنا العادلة، آملين أن يستمر دعمهم لنا حتى يكتب الله لنا النصر النهائي.. والسلام عليكم ورحمة الله.. ممثل حكومة البوسنة والهرسك في بيهاتش.. مرصاد فيلاجيتش.

الرابط المختصر :