; بلا حدود.. قصة لوسيا دحلاب | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود.. قصة لوسيا دحلاب

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1996

مشاهدات 49

نشر في العدد 1225

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 12-نوفمبر-1996

كان أول ما صادفني بعد وصولي إلى جنيف هو قصة السويسرية المسلمة لوسيا دحلاب التي تحولت بحجابها إلى قضية أصبح المسلمون السويسريون طرفًا فيها ضد الحكومة الإقليمية في جنيف.

ولوسيا دحلاب هي سيدة سويسرية تعمل مدرسة للمرحلة الابتدائية في إحدى مدارس جنيف الحكومية، أما قصتها فقد بدأت قبل حوالي عشر سنوات حينما كانت لوسيا تدرس في المرحلة الجامعية، وقد شغلت بالبحث عن حقيقة خلقها ووجودها في هذا العالم، ولم تقنتع لوسيا بالحياة التي تعيش في إطارها، ولا بالمعتقدات التي يعتنقها من حولها، ولم تمنعها حياة الترف والرفاهية التي يتميز بها المجتمع السويسري عن البحث عن الحقيقة، وتحديدًا عن دين تعتنقه يملأ نفسها، وينتقل بها إلى الحياة التي تنشدها والمعتقدات التي ترتاح إليها، وقضت لوسيا عدة سنوات في البحث والدراسة والقراءة، حتى أنها سافرت إلى الهند وطافت بمعابدها ومعالمها آملة أن تجد فيها ما تبحث عنه مثل كثير من الغربيين الذين يفعلون ذلك، إلا أنها عادت خالية الوفاض والتحقت بالعمل كمدرسة للمرحلة الابتدائية في إحدى مدارس جنيف عام 1989، وواصلت بحثها ودراستها حتى هداها الله سبحانه وتعالى إلى الإسلام، وأعلنت لوسيا إسلامها في عام 1991، وارتدت الحجاب كفرض من فروض الإسلام وتعاليمه للمرأة المسلمة، ورغم غربة الحجاب في تلك المجتمعات الغربية المترفة، إلا أن لوسيا لم تتردد في ارتدائه أو تساوم عليه أو تتثاقل في الالتزام به مثلما تفعل بعض المسلمات في المجتمعات الغربية اللائي يحرصن على عدم ارتداء الحجاب مسايرة للمجتمعات التي يعشن فيها.

وبعدما أنعم الله على لوسيا بالإسلام واصلت عملها كمدرسة للمرحلة الإبتدائية مرتدية حجابها، وأنعم الله عليها بزوج مسلم من أصل جزائري فتزوجها، وسارت حياتها بشكل طبيعي منذ عام 1991 وحتى نهاية الفصل الدراسي الماضي، حيث أقامت المدرسة حفلتها السنوية للطلبة في نهاية العام وكانت لوسيا بين المدرسات الموجودات في الحفل، وكان بين الحضور صحفي سويسري يدعى باسكال برابلان ما أن رأي لوسيان تقف بحجابها بني المدرسات حتى أخذه الحقد وملأت نفسه الكراهية وخرج متوجهًا إلى وزيرة التعليم في حكومة جنيف الإقليمية ورفع إليها مذكرة احتجاج على وجود مدرسة مسلمة ترتدي الحجاب، وقال: إن هذا أمر غير مسموح به في دولة لا دينية، وكتب باسكل برابلان مقالًا في صحيفة «جورنال دي جنيف» بتاريخ 22/ 6/ 1996 يحرض فيه الحكومة الإقليمية في جنيف ضد المدرسة المسلمة التي مضى على ارتدائها الحجاب خمس سنوات في عملها دون أن تثير أي مشكلة أو قضية، وذكر باسكال أنه تقدم بشكوى لوزيرة التعليم في الإقليم حتى لا تسمح لهذه المدرسة المسلمة بارتداء الحجاب، وقال: إن الوزيرة تجاوبت معه وأعلنت أنها لن تسمح لأي مدرسة مسلمة بارتداء الحجاب، وأنها تسمح فقط للطالبات، وسرعان ما قامت مديرة التعليم الابتدائي في جنيف باستدعاء لوسيا دحلاب إلى مكتبها في 27/ 6/ 1996، وطلبت منها خلع الحجاب وحذرتها من استمرار ارتدائها له، إلا أن لوسيا أعلنت رفضها لخلع الحجاب وقالت إنها ترتديه منذ خمس سنوات وهو يدخل ضمن الحرية الشخصية التي يسمح بها المجتمع السويسري للسويسريين، إلا أن مديرية التعليم الابتدائي عززت تحذيرها بخطاب رسمي وجهته إلى لوسيان في 11/ 7/ 1996 قالت فيه: إن ارتداء الخمار يخالف نظام التعليم في هذه البلاد.

ونظرًا لخطورة القضية على مستقبل النساء المسلمات السويسريات حيث إن إقرار منع المرأة المسلمة من ارتداء الحجاب في العمل سوف يمس الأجيال القادمة من المسلمات السويسريات بشكل عام، واللائي أصبحن يشكلن أعدادًا لا بأس بها في الجيل الثاني والثالث من مسلمي سويسرا، فقد رأت مجموعة من المسلمات السويسريات ضرورة أن يتحركن بقوة في هذه القضية التي تعتبر اعتداء صراخًا يمس الحرية الشخصية للمرأة المسلمة، وقد تحرك الشيخ يحيى با سلامة مدير المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف وأبرز علماء المسلمين هناك لحث المسلمين على تبني هذه القضية حفاظًا على حقوق المرأة المسلمة السويسرية ومستقبلها ومستقبل أبنائها بشكل عام، وتم تكليف المحامي السويسري الشهير جاك باريبون بملف القضية، حيث رفع مذكرة احتجاج إلى حكومة جنيف في 21/ 8/ 1996 بسبب موقف إدارة التعليم الابتدائي من لوسيا وإنذارها بخلع الحجاب، وقال: إن ارتداءها للحجاب يدخل ضمن إطار حريتها الشخصية ورغبتها في ستر نفسها بالصورة التي تراها ضمن الحقوق المكفولة لكل مواطن سويسري، ثم رفع مذكرة احتجاج أخرى في 27/ 8/ 1996، وصارت مداولات بينه وبين حكومة جنيف انتهت بإصدار حكومة جنيف قرارًا في 6/ 9/ 1996 بتنفيذ قرار إدارة التعليم الابتدائي الذي يقضي بوجوب خلع لوسيا لحجابها أو منعها من التدريس؛ إلا أن لوسيا أعلنت رفضها للقرار والتزامها بالحجاب.

ثم أخذت القصة بعد ذلك منحى أكثر إثارة حينما أدلى القس بيير فارين الحبر الكاثوليكي لمنطقة جنيف بحديث إلى صحيفة «لوماتان» السويسرية نشرته في 30/ 10/ 1996 وجه فيه اللوم إلى المدرسة المسلمة لوسيا دحلاب بسبب إصرارها على ارتداء الحجاب في بلد علماني لا ديني، وقال: إن الحجاب يعبتر رمزًا صارخًا لعقيدة هذه المدرسة، وأشاد بقرار حكومة جنيف بمنعها من ارتداء الحجاب أو منعها من التدريس في حالة إصرارها على ارتدائه، كما نشرت بعض الصحف السويسرية مقالات وكتابات تؤيد موقف حكومة جنيف ضد المدرسة المسلمة وضد الحجاب والخمار.

وقد دفعت هذه التصريحات للحبر الكاثوليكي الشيخ يحيى با سلامة أن يرد عليه ويرسل نص رده إلى صحيفة «لوماتان» التي نشرت جزءًا صغيرًا منه في عددها الصادرة في 2/ 11/ 1996 حيث قال الشيخ با سلامة: «إن التزام المرأة المسلمة بالخمار هو جزء لا يتجزأ من ملابسها التي تجملها بالوقار والحشمة والعفة والكرامة، حتى أن نساء النصارى في أوربا كن يفعلن هذا حتى القرن الماضي وما زال بعض الراهبات يفعلن ذلك حتى الآن»، واستغرب الشيخ با سلامة موقف القس الذي يعتبر تحريضًا ضد المسلمين في الوقت الذي يدعى فيه استعداده للحوار معهم. وقد أبلغني الشيح يحيى با سلامة الذي أتابع معه تطورات القضية منذ أكثر من شهر أن مسلمات جنيف قد شكلن لجنة للدفاع عن لوسيا؛ وذلك لحفظ كافة حقوق النساء المسلمات السويسريات بشكل عام.

وقد قامت لجنة الدفاع عن لوسيا بتكليف المحامي جاك باريبون برفع قضية استئناف لقرار حكومة جنيف أمام المحكمة الفيدرالية في لوزان حيث من المقرر أن يقدم مذكرته الأولى للمحكمة قبل نهاية نوفمبر الجاري، لكن المشكلة الأساسية الآن هي في تكاليف القضية التي بلغت حتى الآن حوالي 35 ألف فرنك سويسري لم يجمع منها سوى 12 ألفًا فقط، فيما بقيت مبالغ أخرى أكبر يحتاجها الدفاع لمواصلة القضية أمام المحكمة الفيدرالية، وقد طلب مني الشيخ يحيى با سلامة -وهو رجل يثق فيه وفي علمه كل مسلمي سويسرا باعتباره المفتي الأول للمسلمين هناك- توجيه نداء عبر المجتمع إلى أهل الخير من المسلميم لدعم هذه القضية التي لم تعد قضية لوسيا وحدها، وإنما قضية كل امرأة مسلمة سويسرية وقضية الأجيال القادمة من المسلمات السويسريات اللائي يردن الحفاظ على حقهن في ارتداء الحجاب في مجتمع يعلن بكل صراحة الآن حربه على الحجاب، فهل يجد نداء الشيخ صداه لدى المسلمين؟

الرابط المختصر :