; مكاسب رابين.. وخسائر المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان مكاسب رابين.. وخسائر المسلمين

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1993

مشاهدات 117

نشر في العدد 1044

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 06-أبريل-1993

رابين حصل في زيارته الأخيرة إلى واشنطن على مكاسب أكبر مما كان يتوقعها من إدارة كلينتون.

ذهب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى أبعد مما ذهب إليه أي رئيس أمريكي سابق، بل ربما أبعد مما كان يحلم به إسحاق رابين رئيس وزراء العدو الصهيوني، وذلك عندما أعلن كلينتون في مؤتمر صحفي جمعه مع رابين أثناء زيارة الأخير لواشنطن قبل أسبوعين، بأن «الديمقراطية الإسرائيلية هي الصخرة التي تقوم عليها العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، وأنها النموذج المضيء لشعوب العالم التي تتصدر الصراع من أجل تحقيق الديمقراطية في بلادها».

ولم يقف كلينتون عند حد الإطراء لأكبر نظام عنصري إجرامي متسلط على مستوى العالم ووصفه بأنه «مثل مضيء للشعوب حول العالم»، وإنما أكد على أن العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية مرتكزة على «مصلحتنا المشتركة في شرق أوسط أكثر سلامًا، شرق أوسط يعطي إسرائيل في النهاية الاعتراف والقبول اللذين سعى إليهما شعبهما منذ أمد طويل».

وأضاف كلينتون قائلًا: «لقد اتفقت والمستر رابين على أن يكون هدفنا المشترك سلامًا حقيقيًّا ودائمًا وعادلًا وشاملًا، ويرتكز على القرارين ٢٤٢ و٣٣٨، ويجب أن يشمل تطبيعًا كاملًا وعلاقات دبلوماسية وحدودًا مفتوحة وتجارة وسياحة مع «الدول العربية»، إضافة إلى ضرورة أمن «إسرائيل»». وتعهد كلينتون بتوسيع التعاون الاستراتيجي والعلمي بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» في المستقبل، وجدد التزامه بالمحافظة على تفوقها النوعي على جميع جيرانها العرب. وللتدليل على ذلك، فقد تم الإعلان عن هيئة أمريكية-إسرائيلية للعلوم والتقنية تمهيدًا لملاقاة تحديات القرن الحادي والعشرين، والتنسيق العسكري للتصدي للصواريخ العربية. وأوضح كلينتون أن اقتصاد الدولتين سيستفيد أيضًا نتيجة رفع المقاطعة العربية عن إسرائيل، وعبر عن أمله بأن تتوقف المقاطعة قريبًا. ووجه كلينتون كلامه إلى رابين قائلًا: «ستكون هذه السنة سنة تدعيم العلاقات بين بلدينا، ويجب أن تكون سنة السلام في الشرق الأوسط، وأمامنا مسؤولية وفرصة تاريخية».

أما رابين الذي كان يتجول أثناء زيارته في أروقة الإدارة الأمريكية كما يتجول في أروقة إحدى إدارات حكومته في تل أبيب، فقد وقف مزهوًّا بالمكاسب التي حصل عليها، وأكد بدوره أنه سيبلغ الشعب الإسرائيلي بأن لدى «إسرائيل» صديقًا في البيت الأبيض، وأشار إلى الاتفاق الإسرائيلي الأمريكي على ملاحقة الحركات الإسلامية التي وصفوها بأنها تقف في طريق السلام، وذكر بأن الدولتين ستبحثان في المستقبل القريب وبكثير من الاستعجال في كيفية مواجهة مختلف «أوجه التعصب الذي أدى إلى الإرهاب القاتل الذي وصل إلى الولايات المتحدة أخيرًا».

ودعا رابين إلى إشراك «الدول الحرة» من أجل التشاور حول الوسائل الرامية إلى «كبح جماح» «الإسلاميين» المتطرفين الذي يشكل تهديدًا، واصفًا «الأصولية» بأنها تشكل تهديدًا لأمن إسرائيل ودول المنطقة.

ووجه رابين الشكر إلى كلينتون لإعلانه عن عزمه الاستمرار في المحافظة على تفوق إسرائيل النوعي على الدول العربية «لأنه لا يمكننا الانتصار في المعركة من أجل السلام من دون تفوق نوعي، حيث إن هذا التفوق النوعي سيسمح لقوات الدفاع الإسرائيلية بالمساهمة في المجهود العام للمحافظة على الاستقرار في منطقتنا العاصفة».

وأخذ رابين تأكيدات من كلينتون بأن المساعدات الأمريكية لإسرائيل سواء العسكرية أو الاقتصادية والتي يبلغ حجم المعلن عنها ثلاثة بلايين دولار لن تُمس من قريب أو بعيد.

كما أشار إلى أن «كلًّا من الولايات المتحدة وإسرائيل سوف يجددان مذكرة التفاهم بينهما التي وضعها ريجان لمدة خمس سنوات أخرى في إبريل الجاري».

ورغم عدم الإشارة إلى الموقف الأمريكي من بعض المطالب الإسرائيلية المعلنة التي حملها رابين معه إلى الولايات المتحدة مثل طلب «إسرائيل» تخزين أسلحة أمريكية حديثة في «إسرائيل» وبناء قاعدة بحرية أمريكية في ميناء حيفا بحيث توجد فيه باستمرار حاملة طائرات أمريكية مع توابعها من القطع البحرية، فإن المكاسب والوعود الضمنية الشاملة قد منحت «إسرائيل» أكبر من ذلك، مما دفع رابين أن ينهي زيارته للولايات المتحدة قبل موعدها بعدما حقق كل مطالبه وحصل من المكاسب على أكبر مما كان يتوقع.

ومع الإهمال والتجاهل الكامل والواضح لمشاعر واهتمامات الدول العربية من قبل الرئيس كلينتون خلال مؤتمره الصحفي الذي عقده مع رابين، واندماجه بالكلية مع مفاهيم «إسرائيل» ومطالبها، فإنه لم يسع حتى في إجابته عن السؤال الذي وجه إليه حول ميله الأكثر إلى جانب إسرائيل لكي يعدل من انحيازه الشديد، فقال: «إن الدول الأخرى المعنية (يقصد الدول العربية) تعرف أن للولايات المتحدة علاقات وصداقة وروابط تاريخية مع إسرائيل، وتعرف أن الولايات المتحدة تلتزم بكلامها وتبذل ما في استطاعتها لدعم أمن كل الأطراف إذا تم التوصل إلى اتفاق».

انتهى المؤتمر وعاد رابين مظفرًا بالمكاسب الكبيرة إلى الكيان الصهيوني، ولم يقم العرب حتى بشجب الانحياز الأمريكي.

إن كل يوم يعتمد فيه العرب والمسلمون على أمريكا هو إضافة جديدة لرصيدهم من الخسائر في كافة المجالات، فالإسلام دين هوية وحضارة يستمد منه المسلمون خيريتهم وانتماءهم وامتدادهم في التاريخ وسيادتهم على سائر الناس، أما الذين يصرون على استمداد وجودهم من أمريكا أو من غيرها فإنهم يسيرون في الطريق المؤدي إلى الهاوية، لأن أمريكا تعلم ماذا تفعل وكيف تحقق أكبر قدر من المكاسب، و«إسرائيل» تعلم ماذا تفعل وكيف تحقق أكبر قدر من المكاسب، ولكن بقي على الحكومات العربية والإسلامية أن تدرك ماذا ينبغي أن تفعل، لا لتحقق مكاسب، فقد أصبح هذا الأمر وهمًا في ظل الأوضاع الراهنة، ولكن حتى تقلل من رصيدها العالي من الخسائر، تلك الخسائر التي تتحول إلى مكاسب في جيب العدو الإسرائيلي عن طريق الوسيط الأمريكي في كافة المجالات، فمتى تعود أمتنا إلى خيريتها وإلى سيادتها؟ ومتى تتحول خسائر المسلمين إلى مكاسب؟

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2061

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1114

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان