العنوان بلا حدود : نيران الرفاق التي أحرقت الجميع!
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
مشاهدات 56
نشر في العدد 1071
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
صراع الرفاق ونهاية الإمبراطورية
الحمراء
إن نيران الشيوعية لم تحرق برلمان
روسيا وحده وإنما تحرق الآن شعوبًا بكاملها وتزيل مدنًا وتمحو دولًا من الوجود.
الصراع الدموي الذي اشتعل في موسكو مؤخرًا بين
الرفاق لن يكون نهاية الصراعات الدموية بين أحفاد كارل ماركس، وإنما هو جزء من
بداياتها فلم تعد هناك رقعة على ظهر الأرض تبنت الماركسية أو اعتنقت الشيوعية إلا
وهي تواجه نوعًا من الفوضى والانهيار والدمار والصراع سواء كان من النواحي
السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
وقد كان صراع الرفاق في عدن منذ سنوات صورة بائسة
لما سوف تجنيه الشعوب التي تبنت حكوماتها المذهب الشيوعي أو الماركسي، وبعد ذلك
جنى الشعب الروماني مرارة صراع دموي آخر بين الرفاق ولا تزال رومانيا غارقة في
الفقر وصراعات دموية داخلية أخرى.
ومع خروج السوفييت مهزومين من أفغانستان في 1989
بدأت نيران الصراع تطال الاتحاد السوفيتي نفسه؛ حيث كان انقلاب القرم الفاشل في
أغسطس 1991 ضد ميخائيل جورباتشوف إيذانا=إيذانًا باندحار الشيوعية واشتعال النار في بنائها الهش، وبدأت الشعوب
التي رفع العلم الأحمر على أرضها تجني مرارة 74 عامًا من الحكم الشيوعي هي المسافة
بين أكتوبر 1917 وأغسطس 1991، وأصبح مصممو الخرائط يعدون كل مساء خرائط جديدة غير
التي أعدوها في الصباح حيث قامت الشعوب التي ذاقت مرارة الشيوعية أكثر من سبعة
عقود تنفض غبار الذل عن نفسها، فنشبت صراعات دموية في معظم المناطق التي خضعت
لهيمنة موسكو إن لم يكن بين الشيوعيين وأعداء الشيوعية فبين الشيوعيين أنفسهم، كما
حدث في موسكو مؤخرًا، فبوريس ييلتسين ورسلان حسبولاتوف والكسندر روتسكوي كلهم من
أحرص الناس على حياة، ووجوه لعملة واحدة وكلهم يعملون لمصالحهم الخاصة وليس من أجل
فكرة أو عقيدة يضحون من أجلها، وكل منهم له تاريخه العريق في الشيوعية والشعوب هي
التي تدفع الثمن دائمًا وليس أدل على ذلك مما رواه الصحفي الإيطالي «أنريكو
فرانشسكيني» الذي التقى بألكسندر روتسكوي في الطابق الرابع من مبنى البرلمان بعدما
دكته دبابات يلتسين فاشتعلت النيران في الأدوار العليا منه فوجد «روتسكوي» الذي
اختاره البرلمان رئيسًا يسيطر عليه الرعب ويرتجف ووجهه ممتقع وقال للصحفي الإيطالي
وهو يرتجف رعبًا: «إني أريد أن أخرج حيًا من هنا ولكن هل تعرف لماذا أحب أن أخرج
حيًا من هنا؟ إنني لست خائفًا على نفسي ولكني خائف على أقرب الناس إليّ فلم يعد لي
سوى شقيقين وهما هنا معي ولا أريد لهما أن يموتا هكذا، وإنني خائف على زوجتي
لودميلا وأطفالي، إني لا أريد أن أتركهم.. أريد أن أحيا».
سقوط الشعارات والواقع المر
هذا الكلام الذي قاله روتسكوي يعكس صورة الزعماء الرفاق أصحاب
الشعارات الطنانة والمذاهب البالية، رئيس منتخب لم يفكر وقت الأزمة إلا في نفسه
وأقاربه، أما الذي=الذين طلب منهم
روتسكوي حمايته والدفاع عنه حتى الموت فلم يفكر في أحد منهم. إن نيران الشيوعية لم تحرق برلمان روسيا وحده، وإنما تحرق الآن شعوبًا
بكاملها وتزيل مدنا من على الخرائط وتمحو دولًا من الوجود.
ويكفي أن الاتحاد السوفيتي
تمزق وحتى كتابة هذه السطور إلى أكثر من ثمانين جمهورية ودويلة، وأصبح به مئات
الحركات الانفصالية التي تشعل الحروب في كل جوانبه، والأماكن الخالية فيه من
الحروب بها مخاوف من اندلاع الحروب فيها مثل حوض بحر قزوين وأصقاع سيبيريا وحوض
البحر الأسود وهناك حروب طاحنة في جورجيا وأبخازيا وطاجيكستان وأذربيجان، أما خارج
الاتحاد السوفيتي السابق فالنيران المشتعلة في البوسنة والهرسك تهدد بانفجار دموي
كبير في البلقان لن تسلم أوروبا من نيرانه لا سيما بعد عودة الأغلبية للشيوعيين في
بولونيا، وعودة الاشتراكيين للحكم في اليونان، وتهديد الصرب لكوسوفو وألبانيا
ومقدونيا.
المصير الحتمي للمذاهب المادية
إن ما تجنيه البشرية اليوم من نيران الشيوعية المشتعلة في أرجاء
مختلفة من الأرض هو نتيجة حتمية ومصير طبيعي لمذهب مادي خالف فطرة الإنسان وسنة
الله في الكون والحياة، وستظل البشرية تجني المرارة والدمار ما دامت تتخبط بين
الشيوعية تارة، والرأسمالية تارة أخرى حتى تثوب إلى رشدها وتعود إلى فطرتها، حينئذ
تستقر وتهدأ وينعم الناس بالأمن في ظلال الفطرة وفي ظلال زعماء يضحون بأنفسهم من
أجل أن تسعد شعوبهم وأن ترتفع راية دينهم، أما هذا العصر عصر روتسكوي وأشباهه من
الحكام والرؤساء فإنه دون شك عصر من عصور الشقاء.
انظر أيضا:
ليلة سقوط الشيوعية!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل