; بلا حدود ... هل يلحق يلتسين ببيريز؟ | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود ... هل يلحق يلتسين ببيريز؟

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1996

مشاهدات 52

نشر في العدد 1204

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 18-يونيو-1996

لم تخف الإدارة الأمريكية خيبة أملها إزاء سقوط مرشحها في انتخابات رئاسة الحكومة الإسرائيلية شيمون بيريز، التي جرت في إسرائيل في نهاية مايو الماضي، وكانت التصريحات والتعليقات التي تلت إعلان فوز بنيامين نتنياهو برئاسة الحكومة الإسرائيلية تشير إلى أن هذه النتيجة قد أدت إلى فقدان الإدارة الأمريكية لتوازنها، وربما عدم قدرتها على استيعاب التغيير غير المنتظر الذي حدث في إسرائيل، والذي سيجبرها على إعادة ترتيب الأوراق- ولو قليلًا- من جديد، فقد ألقى كلينتون بكل ثقله وراء بيريز، وقدم له من الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي ما جعل بيريز يقف أمام الصحفيين في زيارته الأخيرة لواشنطن، ويعلن أنه قد أفلس من الطلبات، فلم يعد يحلم بشيء من أجل رفاهية إسرائيل وأمنها، إلا ومنحه إياه كلينتون، بدءًا من كونه أول رئيس أمريكي يزور إسرائيل ثلاث مرات خلال عام ونصف فقط، وانتهاء بمنح إسرائيل أجهزة السوبر كمبيوتر العملاقة «كراي- 2» إضافة إلى معلومات الأقمار الصناعية، وأحدث إمكانات وطرق التجسس الخاصة بأدق أسرار الولايات المتحدة، وقد أدى هذا الدعم الأمريكي لبيريز إلى أن يجعل بيريز يتحدث للإسرائيليين قبل الانتخابات باعتباره أحد محاور وركائز العلو الصهيوني في التاريخ الحديث.

وبدا أن حجم التلاحم الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل قد بلغ في عهد كلينتون- بيريز ذروته، مما دفع بعض المراقبين إلى إطلاق اسم «أمريكا الصغرى» على إسرائيل و«إسرائيل الكبرى» على الولايات المتحدة، لكن سقوط بيريز أعاد خلط الأوراق من جديد، لا من الناحية الاستراتيجية، ولكن من ناحية التفاهم والمواءمة بين الإدارتين، وفيما بدا عدم التوازن والترقب واضحًا على إدارة كلينتون، فقد ظهرت الصدمة على حلفاء بيريز الآخرين، بعدما قدموا له كل شيء، ثم فوجئوا بنجاح نتنياهو.

السيناريو الذي حدث قبل أيام في إسرائيل يتكرر اليوم في روسيا، فأمريكا وأوروبا تلقي بكل ثقلها خلف الرئيس يلتسين باعتباره رجل الغرب الأول في روسيا، ذلك الرجل الذي ظهر فجأة في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي في أكتوبر عام 1987م ولم يكن يعرفه كثير من الناس من قبل، حيث وقف يلتسين في هذا الاجتماع، وألقى خطابًا عاصفًا هاجم فيه الحزب الشيوعي السوفييتي بعنف، وكان هذا بداية تسليط الأضواء عليه عالميًا، حيث كان الاجتماع وأول حدث في تاريخ ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي بثته وسائل الإعلام العالمية إلى أنحاء العالم عبر الأقمار الصناعية، وخلال أربع سنوات فقط من هذا الخطاب تم إيصال يلتسين إلى رئاسة روسيا في عام 1991م بعد ما تم تفتيت الاتحاد السوفييتي إلى أكثر من 88 جمهورية ودويلة، كما بدأت الدول الغربية تدعم مشروعات يلتسين التي تهدف إلى فتح أسواق روسيا أمام مطاعم الهمبورجر والكوكاكولا، وتفتيت القوة النووية لروسيا، وإقامة حاجز بين المد الإسلامي في آسيا الوسطى والعالم الإسلامي، ثم بدأت المليارات تتدفق حتى زاد مجموع المبالغ التي تدفقت من الدول الغربية إلى روسيا في الفترة من عام 1990م إلى 1992م عن 80 مليار دولار، وبدأت سياسة ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي تصب أرباحها في جيوب الدول الغربية، والمافيا الروسية، فيما انقسم الشعب الروسي إلى أغلبية مطحونة، لا تجد قوت يومها، وأقلية فاحشة الغنى، وفي عام 1993م قام تمرد برلماني ضد يلتسين قاده نائبه ألكسندر روتسكوي ورئيس البرلمان رسلان حسب اللاتوف، انتهى بضرب مبنى البرلمان بالدبابات، والقبض على المتمردين، وبدأ يلتسين يشدد قبضته على السلطة، ويقصي كل مخالفيه، فيما ازداد تدفق الدعم الغربي له، وفي ديسمبر 1994م تورط يلتسين في الشيشان، وبدأت أسهمه تنخفض مع احتجاجات الشعب الروسي على هذا التورط، وفي عام 1995م قضى ما يقرب من خمسة أشهر متفرقة في المستشفى بسبب أزمات صحية تعرض لها، مما أدى إلى انخفاض شعبيته على كل المستويات، وبدأ نجم المرشح الشيوعي للرئاسة جينادي زيوجانوف يلمع في سماء روسيا، مما أصاب الغرب بالخوف على يلتسين، باعتباره الشرطي الذي يحمي مصالح أوروبا والولايات المتحدة في آسيا الوسطى، ومع ازدياد تردي الأوضاع الاقتصادية في روسيا بدأت الولايات المتحدة والدول الغربية المالكة لصندوق النقد الدولي تضخ المليارات ليلتسين، وأصدر الصندوق في شهر مارس الماضي موافقته على منح روسيا قرضًا بقيمة 10,2 مليار دولار يتم تسديدها على ثلاث سنوات، وفي 29 إبريل حصلت موسكو من نادي باريس على حق جدولة الغالبية العظمي من ديونها الخارجية، وهي مديونية تبلغ قيمتها حوالي أربعين مليار دولار.

وعلى الصعيد السياسي فقد نشرت صحيفة «واشنطن تايمز» الأمريكية في مارس الماضي مذكرة سرية لوزارة الخارجية الأمريكية، أشارت إلى أن الإدارة الأمريكية لا تزال تراهن على يلتسين كرئيس قادم لروسيا، وأن لقاءً عقد بين الرئيسين كلينتون ويلتسين في 13 مارس الماضي على هامش قمة شرم الشيخ التي عقدت في مصر، وعده كلينتون فيه بدعم أمريكي في معركة إعادة انتخابه، وتم بالفعل عقد قمة الدول الصناعية السبع في موسكو في إبريل الماضي، وأشار المراقبون إلى أن عقد هذه القمة في موسكو في هذا الوقت جاء كتظاهرة غربية واضحة تقودها الولايات المتحدة لدعم الرئيس الروسي في الحملة الانتخابية، بعدما أصبحت كل استطلاعات الرأي تشير إلى تفوق منافسه الشيوعي جينادي زيوجانوف، وقبيل عقد القمة الصناعية في موسكو قام المستشار الألماني هيلموت كول بزيارة لروسيا كانت دعمًا واضحًا للرئيس يلتسين، ورغم أن دعم يلتسين علانية في حملته الانتخابية يعد تدخلًا في شؤون روسيا- حسب تصريحات المرشحين الروس الآخرين- إلا أن كلا من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والألماني هيلموت كول أطلقا نداء تضامن مع الرئيس يلتسين لم يسبق له مثيل، وذلك أثناء زيارة كول للولايات المتحدة في مايو الماضي؛ حيث تم تبرئة يلتسين من كل مساوئه، بدءًا من ضرب البرلمان وحتى إبادة شعب الشيشان، ووقف كلينتون وكول أمام الصحفيين حيث بدأ كول كلامه قائلًا: «أتابع عن كثب ما يجري في روسيا، وأدعم القوى السياسية التي تريد الإصلاحات، وانفتاح البلد على العالم، تلك القوى التي تعمل على بناء الجسور مع سائر أوروبا والولايات المتحدة، ومن أجل ذلك أتمنى أن يفوز بوريس يلتسين»، بعد ذلك تناول كلينتون الكلمة قائلًا: إنني والمستشار كول معجبان بالطريقة التي يسعى الرئيس يلتسين من خلالها إلى بناء روسيا المستقبل، إنه يمثل سائر القوى الإصلاحية، أمل البلاد، وذلك فإننا نتمنى أن تصوت روسيا من أجل هذا الأمل».

انتهى المزاد الأمريكي الأوروبي الذي ألقى بكل أوراقه خلف يلتسين بنفس الطريقة التي ألقى بها كلينتون وحلفاؤه أوراقهم خلف بيريز، لكن بيريز قد ولى، وأصيب كلينتون وحلفاؤه بخيبة الأمل، فهل يلحق يلتسين ببيريز فتضيع مراهنات أمريكا وأوروبا، وتتبعثر أوراقهم، وتتبدد أحلامهم، وتدخل أمريكا وأوروبا في دوامة الصراع مع روسيا من جديد؟.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل