; بلا حدود: الشرق الأوسط الجديد | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود: الشرق الأوسط الجديد

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996

مشاهدات 83

نشر في العدد 1195

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 09-أبريل-1996

رغم الاختلاف الذي ظهر بين المحللين السياسيين والمؤرخين حول مصطلح الشرق الأوسط، ونشأته هل ظهر في أعقاب الحرب العالمية الأولى أم الثانية؟ إلا أن الكاتب البريطاني روجر أديلسون حاول أن يحسم الأمر في كتابه الذي نشره في سبتمبر ١٩٩٥م، تحت عنوان «لندن واختراع الشرق الأوسط»؛ حيث أكد على أن مصطلح الشرق الأوسط تم اختراعه في لندن عاصمة الإمبراطورية البريطانية، في عام ۱۹۰۲م، حينما كانت بريطانيا في ذلك الوقت تدير ربع الكرة الأرضية في مختلف القارات، ولما كان العالم الإسلامي ودولة الخلافة الإسلامية العثمانية تشكل عائقًا أمام بريطانيا وطرق المواصلات التي كانت تربطها بأكبر مستعمراتها في أقصى الشرق وهي الهند، سعت بريطانيا لإيجاد نظام بديل ومسمى جديد للمنطقة العربية والإسلامية يحفظ لها هيمنتها، ويضمن لها توسيع نفوذها ومنع القوى الأوروبية الأخرى من مزاحمتها في المنطقة العربية، التي بدأت الاكتشافات الأولى للنفط تظهر فيها في ذلك الوقت، وسعت بريطانيا لتحقيق أهدافها عبر محورين رئيسيين: الأول هو الضغط بقوة على دولة الخلافة التي كانت تعتبر الغطاء الشرعي للمسلمين في ذلك الوقت، وإضعافها، وتشجيع ودعم الحركات الانفصالية في الولايات التابعة لها، أما المحور الثاني: فهو الاستيلاء المباشر وغير المباشر على أكبر قدر ممكن من الدول التي تقع في قلب العالم العربي، والتي تقع على خط مواصلاتها المباشر مع الهند، ولذلك لم يكد القرن التاسع عشر ينتهي ويبدأ القرن العشرون حتى كانت بريطانيا قد استولت بشكل مباشر على مصر والسودان، وعدن، وبشكل غير مباشر على سواحل الخليج العربي، وبحر العرب، والبحر الأحمر؛ لأنها كانت تعتبر السيطرة العسكرية المباشرة على هذه الرقعة الواسعة مكلفة لها ماديًّا وأمنيًّا وسياسيًّا، ومثيرة لمشاعر الشعوب العربية والمسلمة.

ومع صدور وعد بلفور في عام ۱۹۱۷م، الذي نص على منح وطن قومي لليهود في فلسطين، بدأ مصطلح الشرق الأوسط يأخذ بعدًا عقائديًّا في تغيير وجه المنطقة ومسماها؛ حيث إن إقامة دولة يهودية في قلب العالم الإسلامي يقتضي تعزيز تغيير مسمى المنطقة إلى اسم جديد يستوعب وجود دولة لليهود وسط الدول الإسلامية، وفي مؤتمر لوزان الذي عقد في مدينة لوزان في سويسرا في عام ١٩٢٣م تم الاتفاق بين الدول الغربية على وضع المرتكزات الأساسية للشرق الأوسط بإطلاق الرصاصة الأخيرة على دولة الخلافة، وتم الإعلان بالفعل عن سقوط دولة الخلافة العثمانية في 5 مارس عام ١٩٢٤م، وتمزيق وتفتيت الدول التابعة لها، وتم رسم خريطة جديدة لما كان يسمى بالعالم الإسلامي، اقتسمت النفوذ فيها بريطانيا مع حلفائها. 

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية أرادت بريطانيا ترسيخ مفهوم الشرق الأوسط، فأقامت في عام ١٩٤١م مركزًا لتموين جيوش الحلفاء في المنطقة، جعلت مركزه في القاهرة، وأطلقت عليه اسم «مركز تموين الشرق الأوسط»، كما أقامت مشروعًا أطلقت عليه مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط، وقد عارضه المصريون بشدة في ذلك الوقت، واعتبروه وسيلة ملتوية تسعى بريطانيا من ورائها إلى بقاء جيوشها وجيوش الحلفاء على أرض مصر، علاوة على زيادة النفوذ السياسي والعسكري والتدخل في شؤون المنطقة، إلا أن بريطانيا مضت في مشروعها، وأعدت خريطة جديدة كرست فيها عملية التقسيم والتمزيق الأولى للعالم الإسلامي التي جرت في أعقاب سقوط دولة الخلافة، وفي ذلك الوقت برزت الولايات المتحدة كقوة جديدة على الساحة؛ حيث لعب الرئيس الأمريكي روزفلت دورًا هامًا في الضغط على المنطقة من أجل التمكين لإعلان الكيان الصهيوني دولة جديدة لليهود في قلب العالم الإسلامي، وتصبح هذه الدولة اليهودية هي الذراع الضاربة في المنطقة، والسند والحليف المنفذ لأهداف ومطامع المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الوقت تم إلغاء مصطلح العالم العربي أو العالم الإسلامي من الخرائط الدولية ومن لغة الصحافة والسياسة والأخبار، وحل محله مصطلح «الشرق الأوسط». 

وأصبحت مشكلة فلسطين التي تعتبر قضية المسلمين الأولى بما تحويه من مقدسات وعلى رأسها المسجد الأقصى يطلقون عليها مسمى «مشكلة الشرق الأوسط»، وظلت هذه لغة الصحافة، والسياسة، والأخبار طوال ما يقرب من خمسين عامًا؛ حتى ترسخت في أذهان الأجيال المتعاقبة، وأصبح مصطلح الشرق الأوسط يخدم بشكل غير مباشر أهداف ومطامع الدول الغربية؛ لأنه قام بإفراغ المنطقة العربية والإسلامية من محتواها التاريخي والعقائدي والسياسي والعسكري والقومي، كما قام بإفراغ الأمة العربية والمسلمة من هويتها وعقيدتها، وأصبح هناك من الزعماء من يقول عن اليهود: «إنهم أبناء عمومتنا»، كما أصبح اليهود وفق مفهوم الشرق الأوسط هم زعماء الشرق الأوسط وقادته، وبعدما وقع وفد عرفات على اتفاق أوسلو مع الصهاينة في عام ١٩٩٣م أخرج بيريز في عام ١٩٩٤م كتابه المسمى الشرق الأوسط الجديد الذي كان خلاصة أبحاث مجموعات من الأكاديميين الصهاينة في جامعة تل أبيب؛ حيث وضعوا فيها الخريطة النهائية للهيمنة الصهيونية على المنطقة، التي تتلخص في محو هويتها العربية والإسلامية، وربط المساعدات الغربية لدول المنطقة بمقدار تجاوبها مع مشروعات المصالحة مع إسرائيل، وإضعاف كل عناصر الوحدة العربية ومؤسساتها، وتغيير الخرائط ومناهج التعليم والمعتقدات والثوابت العربية والإسلامية، وضمان التفوق النوعي الإسرائيلي على كل دول المنطقة، وبعد اتفاق «أوسلو – ۱» انفرط العقد، وبدأت معالم الشرق الأوسط الجديد تترسخ، وأصبح اليهود في كل يوم يدنسون دارًا جديدة من ديار المسلمين؛ ليزيلوا الهوية العربية الإسلامية عن المنطقة، ويرسخوا دعائم الشرق الأوسط الجديد!!

الرابط المختصر :