العنوان بلا رتوش صورة عهد مضى
الكاتب ممدوح فاضل القاضي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1405
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 20-يونيو-2000
في أجواء الموت المهيبة وعلى أنغام سيمفونية الموت الخاشعة.. يحاول بعض الأقلام والألسن دفن الكثير من الحقائق مع جثمان الرئيس السوري حافظ أسد.
ففي مزاد البطولة والمواقف القومية والصمود.. تكاد تطمس مواقف وممارسات كالمخارز التي تفقأ العيون.
حرب الاهوادة فيها ضد الحريات في سوريا.. فلا يوجد منبر واحد يمكن أن تقال منه كلمة معارضة واحدة. خلال العقود الثلاثة الأخيرة من الحكم في سوريا وحتى اللافتات التي صنعت الأحزاب إلى جانب حزب البعث الحاكم لم يستطع حزب البعث نفسه أن يجاريها في تكريس الفردية والاستبداد المطلق.
إن تقديس شخصية الرئيس بلغت مبالغ كاريكاتورية أحيانًا وموغلة في الاعتداء على عقيدة الأمة ودينها في كثير من الأحيان.. ولعل العديد من القراء يذكر ما سطرته مجلة الفرسان السورية: نريد من حكام العرب أن يجعلوا من الرفيق الأسد قبلة سياسية لهم يعبدونها بدلًا من الركوع أمام أوثان الإسلام!!.
والمتجول في أي بقعة من سوريا بدءًا من دمشق العاصمة حتى أقصى قرية في البادية السورية لا يمكن إلا أن يندهش الغزارة الصور والأصنام التي صنعت له.. وشعارات إلى الأبد... إلى الأبد يا حافظ الأسد.. وعلى الرغم من اكتظاظ الجدران وأعمدة الكهرباء والساحات وكل مكان يمكن أن تعلق فيه صورة.. استطاعوا أن يحشروا عشرات بل مئات الآلاف من الصور لنجليه باسل وبشار.
إن ما يزيد على ثلاثين عامًا من الحكم على رافعات الأجهزة الأمنية الأخطبوطية التي يزيد عددها على ١٤ جهازًا تمتلك إمكانات هائلة وصلاحيات لا محدودة.. أوصلت سورية إلى هذا الوضع الشاذ الذي يفصل فيه دستور الدولة ليناسب المقاس المطلوب وعلى مرأى ومسمع من العالم كله الذي لا يمل من الحديث عن حقوق الإنسان والتعددية السياسية وحرية الفرد والمجتمع المدني و..... إلخ.
ولا أدري كيف نسي المداحون المجازر التي يندي لها جبين الإنسانية في تدمر وجسر الشغور وحلب وحمص و... و.... إلخ.
ولا كيف نسي هؤلاء عشرات الآلاف الذين قضوا تحت أنقاض مدينة حماة التي دكت قذائف المدفعية وراجمات الصواريخ على رؤوس سكانها نساء وأطفالًا وشيوخًا.
وهل تستطيع سيمفونية الحزن الماثلة تغطي على أصوات آلاف المعتقلين في أقبية السجون الذين يسامون ألوانًا من التعذيب تهوي بالإنسانية إلى درك يستعصي على التصور والمخيلة؟!.
أما القضية الفلسطينية وما تركه العهد الراحل من ندوب في وجهها فكفيل بأن يغط على جميع الأصوات التي ليست مسوح الحزن فتل الزعتر والمخيمات الفلسطينية في دمشق شواهد تتمرد على النسيان وتستعصي على التغيب.
ويوم دنست مدرعات العدو الصهيوني عاصمة دولة عربية هي لبنان كانت القوي السورية تمد لسانها للذراع الفلسطينية التي لويت وأخرجت من لبنان برعاية!! من النظام وهي كانت موجودة باسم حماية الشقيق في لبنان.
أما (الخيار الاستراتيجي) الذي هو السلام مع يهود فقد حل محل التوازن الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني.. وقد شهدت صفحات الجرائد والمجلات العديد من التصريحات السورية التي تفاخر بأن سورية هي صاحب الفضل في انعقاد مؤتمر مدريد الذي انطلق منه مسيرة التنازلات العربية وماتزال مستمر حتى يقيض الله لهذه الأمة أمر رشد.
وأما الجولان وما أدراك ما الجولان فإنها وسام محفور في صدر الرئيس الراحل منذ أن كان وزيرًا للدفاع في الجيش السوري يوم أن فرط به وبمدينة القنيطرة التي أعلن سقوطها قبل ٤٨ ساعة من وصول أول جندي صهيوني إليها ومنذ ذلك الحين.. أصبح الجولان رمزًا للذل السوري ففي الوقت الذي تزهر فيه رياحين البطولة والعزة والمقاومة في الجنوب اللبناني يتخمر عفن الخنوع في ربى الجولان المحتل.
وهنا أيضًا يفاخر المسؤولون السوريون بأنهم أوفوا بالعهود التي قطعوها بأن يصمد الجولان وتُوأد فيه أي مقاومة أو أن تنبت في بذرة عزة أو إباء.
إن قائمة المواقف والممارسات التي امتدت خلال العهد الراحل طويلة طويلة ومليئة بل متخم بالحقائق والوقائع التي تغيب أو تغيب اليوم عن صفحات الجرائد والمجلات وشاشات الفضائيات التي تعج بكيل المدائح والبطولات ويعجب المر لهذه القدرات الفائقة على قلب الحقائق وإلباس الهزائم والتنازلات أردية البطولة والشجاع والصمود.