العنوان بمناسبة العام الدراسي الجديد.. هذه صورة من تراثنا العلمي
الكاتب الدكتور عبد اللطيف دهيش
تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1977
مشاهدات 76
نشر في العدد 368
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 27-سبتمبر-1977
جامعة صلاح الدين الأيوبي بالمدينة المنورة (1313هـ - 1914م)
هي أكبر مؤسسة علمية قامت الدولة العثمانية بتأسيسها في أواخر أيامها في المدينة المنورة كمنبر للمعرفة ومنهل للعلوم والثقافات بما يتمشى مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف.
وقد أطلق على هذه المؤسسة التعليمية الكبرى اسم جامعة صلاح الدين الأيوبي، وهي أعلى مراحل التعليم التي أسستها الدولة العثمانية في الحجاز. كما أنها كانت إحدى الجامعات الأربع التي قررت الحكومة العثمانية إنشاءها في كل من المدينة وبغداد ودمشق وصنعاء، وذلك كخطوة أولية لتوثيق الصلات المختلفة بين هذه المناطق العربية ومركز الدولة العثمانية في إسطنبول والذي كان قد أخذ في التدهور نتيجة لدخول عوامل سياسية وثقافية خارجية وظهور حركات متنوعة، كذلك فإن إنشاء هذه الجامعة كان خطوة عظيمة من الدولة العثمانية للاهتمام بالتراث الإسلامي ونشر المعارف والعلوم بعيدًا عن المؤثرات الأجنبية الجديدة والتيارات الهدامة التي أخذت تتسرب إلى بعض أجواء من العالم الإسلامي والتي كان على الدولة العثمانية الوقوف في وجهها وصدها بالوسائل الإيجابية، وستحمل هذه الجامعة طابعًا إسلاميًا ويكون من أهم أهدافها جعل الطلاب في مستوى يمكنهم من نشر تعاليم الإسلام على أسس علمية.
إن إنشاء هذه الجامعة جاء بناء على أمر سلطاني أصدره السلطان رشاد بن عبد العزيز بتاريخ 12 جمادى الأولى عام 1313هـ الموافق 19 من أبريل 1913م. كما أنها كانت أول الجامعات الأربع التي أنشئت بأمر الحكومة العثمانية في المناطق المشار إليها أعلاه.
وتتألف هذه الجامعة من ثلاث كليات، كلية للدراسات الإسلامية وأخرى زراعية وثالثة تجارية، كما تضم أيضًا مدرسة زراعية ثانوية ويتم إنشاؤها في وقت لاحق، وترتبط هذه الجامعة بالهيئة التعليمية العليا المركزية في إسطنبول. ولها مجلس أعلى يتكون من عشرة أعضاء من بينهم:
وزير الأوقاف رئيسًا، واثنان من مسلمي الهند البارزين- ويتم اختيار الأعضاء طبقا لإرادة سنية سلطانية تصدر بتشكيل المجلس. وهذا المجلس مسئول عن كل شئون الجامعة فعليه بوجه خاص تنظيم اللائحة الداخلية للجامعة والقيام بالفصل في الخلافات التي قد تنشأ أحيانًا بين مجلس الإدارة وبين مدير الجامعة، ولا تعتبر قرارات هذا المجلس نافذة المفعول إلا بعد موافقة أكثر من ثلثي الأعضاء وتصديق السلطان عليها.
كما يتولى هذا المجلس وضع الخطة الدراسية بمختلف الكليات والمراحل التعليمية الأخرى المرتبطة بالجامعة، كما يتولى وضع الميزانية العامة وتعيين العمداء والأساتذة المختصين والإداريين بمختلف الكليات والمعاهد أو المدارس المرفقة بالجامعات، كما يمكنه عزلهم إذا دعت الضرورة لذلك، وعليه أيضًا مهمة تعيين مجلس إدارة للجامعة يكون مقره المدينة المنورة، ويتولى الإشراف على تنفيذ الخطط الدراسية والتنظيمات المختلفة داخل الجامعة.
وليس لمجلس إدارة الجامعة الحق في تغيير أو تعديل أي مادة من مواد نظام الجامعة أو الخطة الدراسية وكذلك التصرف في أي بند من بنود الميزانية العامة للجامعة، إلا بعد الكتابة وإشعار الهيئة التعليمية العليا في إسطنبول باقتراحاتها أو ملاحظاتها على الخطة الدراسية أو غيرها وأخذ الموافقة على كل ذلك.
مناسبة العام الدراسي الجديد:
إن جميع هذه المقترحات والملاحظات التي يتقدم بها مجلس الإدارة إلى الهيئة التعليمية العليا نافذة المفعول، وعلى مجلس الإدارة تنفيذها إذا لم تبت فيها الهيئة التعليمية العليا في خلال مدة أقصاها ؟؟؟ أشهر من رفع تلك المقترحات والملاحظات، كما أن على مجلس إدارة الجامعة بالمدينة المنورة أن يقوم برفع تقرير شامل عن الجامعة بالمدينة المنورة من كل من:
؟؟الحرم النبوي ووالي المدينة ومدير الجامعة وعمداء الكليات ومدراء المعاهد والمدارس التابعة للجامعة وبعض أعضاء الهيئة التدريسية للجامعة ممن ترشحهم الهيئة العليا وثلاثة من علماء المدينة المنورة وأن تصدر قراراته بموافقة جميع الأعضاء أو على الأقل بأغلبية الأصوات، وقد نصت الخطة الدراسية في هذه الجامعة على أن تكون الدراسة باللغة العربية. كما أنه يقبل ؟؟ الطلاب الذين تم تخرجهم من المدرسة الإعدادية بالمدينة أو من خارجها من المدارس الإعدادية. وكذلك أي طالب نجح في امتحان المعادلة التي تعده هذه الجامعة.
والشهادة المعطاة بهذه الجامعة تعادل مثيلاتها في الجامعات الأخرى داخل الدولة العثمانية. أما عن ميزانية هذه الجامعة وتكاليف إنشائها فقد خصص مبلغ ثمانين ألف جنيه عثماني لصرفها حسب الحاجة على منشآت الجامعة في المدينة المنورة. وكذلك خصص مبلغ سنوي قدره مليون قرش عثماني عشرة آلاف جنيه عثماني بميزانية سنوية يتم الصرف منها حسب البنود المعتمدة، كما يحق للجامعة علاوة على ذلك قبول الهبات والتبرعات والهدايا من المسلمين داخل البلاد أو خارجها.
وتحقيقًا لتنفيذ فكرة إنشاء هذه الجامعة في المدينة المنورة فقد تم اختيار الشيخ عبد العزيز جاويش 1293 - 1347هـ 1876 - 1925م أحد العلماء المصريين وممن أتم تعليمه في الأزهر وبعض المعاهد العليا بمصر ليكون مديرًا لهذه الجامعة فأخذ بعد الاستعدادات اللازمة لذلك.
وفي شهر أغسطس عام 1913م وصل الشيخ عبد العزيز جاويش إلى المدينة المنورة، وبرفقته كل من الشيخ شكيب أرسلان والشيخ عبد القادر الجزائري وعدد كبير من الخبراء والمهندسين الفنيين.
وخلال فترة قصيرة تم تحديد موقع الجامعة وشراء الأرض المراد إنشاء مباني الجامعة عليها والذي يقع في أول شارع العنبرية للقادم للمدينة، كما تم وضع الخرائط اللازمة لذلك وتبع ذلك إقامة احتفال كبير في اليوم الأول من شهر محرم عام 1332هـ الموافق لليوم التاسع والعشرين من شهر نوفمبر من العام نفسه وذلك بمناسبة وضع الحجر الأساسي لمنشآت الجامعة المذكورة.
وقد حضر هذا الحفل لجنة رسمية مرسلة من إسطنبول وأعضاء مجلس إدارة الجامعة بالمدينة وعدد كبير من العلماء والوجهاء وجمع من المواطنين في طيبة الطاهرة.
وتقع منشآت هذه الجامعة في نهاية شارع العنبرية والموصل إلى المسجد النبوي الشريف، وقد اختيرت تصاميم المباني بما يتناسب مع فن العمارة الإسلامية وكذلك بما يتناسب وفن العمارة ومواد البناء المتوفرة في الحجاز، وتبلغ المساحة الإجمالية لمنشآت الجامعة ستة عشر ألف ذراع مربع يحيط بها حديقة كبيرة تبلغ مساحتها الإجمالية مائتين وستة وثمانين ألف ذراع مربع خصص جزء منها لإجراء التجارب الزراعية الخاصة بالمدرسة الزراعية الثانوية وكلية الزراعة.
وما كادت أنباء تأسيس هذه الجامعة في المدينة المنورة تصل إلى أسماع الناس حتى انهالت طلبات الالتحاق بهذه الجامعة من داخل البلاد وخارجها وخاصة ممن تخرجوا من المدرسة الإعدادية بالمدينة أو غيرها في العراق والشام وشمال أفريقيا. وتم قبول الطلاب الذين توفرت فيهم شروط الالتحاق المطلوبة وأوعدوا بمباشرة الدراسة حال الانتهاء من الإنشاءات الأولية لمباني الجامعة.
ولكن التطورات السياسية التي حلت بالعالم والتي أدت إلى قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914م صرفت الدولة العثمانية بجميع أجهزتها لمواجهة تلك الحرب العظيمة كذلك انفصال السلطة في الحجاز عن الدولة العثمانية نتيجة للثورة التي قام بها الشريف حسين بن علي في مكة وإعلانه استقلال بلاده وذلك في اليوم التاسع من شهر شعبان عام 1334هـ الموافق لليوم العاشر من شهر يونيه عام 1916م. فكانت هذه الأحداث مجتمعة سببًا في عدم الاستمرار في إنجاز هذا المشروع التعليمي العظيم على أنه بالرغم من بقاء السلطة العثمانية في المدينة المنورة حتى عام 1337هـ الموافق عام 1919م. إلا أن الحالة السياسية التي خيمت على منطقة الحجاز بكاملها وانتشار الفتن والحروب في هذه المنطقة أدت إلى ضعف في الموارد المالية وبالتالي إلى توقف جميع الأعمال الإنشائية بهذه الجامعة تدريجيًّا ثم رحيل جميع المشتغلين والمشرفين على هذا المشروع من فنيين وإداريين ممن أوفدتهم الحكومة العثمانية للإشراف على تنفيذ هذا المشروع إلى بلادهم وعلى رأسهم مدير الجامعة الشيخ عبد العزيز جاويش الذي انتدبته الحكومة العثمانية إلى برلين للقيام ببعض المهام السياسية.
وعندما قام جلالة الملك عبد العزيز بتوحيد مناطق الجزيرة العربية وتأسيس المملكة العربية السعودية أخذ على عاتقه نشر العلم والمعرفة في ربوع هذه المملكة العظيمة على أسس سليمة فأنشئت المدارس بمختلف مراحلها والجامعات، وتحقق للمدينة المنورة مشروع الجامعة الإسلامية في هذا العهد السعودي الزاهر فلقد قامت الحكومة التأسيس الجامعة الإسلامية بطيبة الطاهرة وخصصت لها المباني الضخمة وجعلت لها ميزانية عظيمة تزداد عامًا بعد عام. أما عن مباني الجامعة التي كانت الحكومة العثمانية تنوي تأسيسها في المدينة المنورة فلقد قامت الحكومة السعودية بإتمام تلك المباني حسب مخططات جديدة وأسكنت فيها مدرسة طيبة الثانوية ولا تزال حتى يومنا هذا، وفق الله العاملين إلى كل خير ونجاح.