العنوان بمناسبة تفجير الهند الوثنية قنبلتها الذرية..لماذا يظل المسلمون هم المتخلفون؟
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يونيو-1974
مشاهدات 60
نشر في العدد 206
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 25-يونيو-1974
بمناسبة تفجير الهند الوثنية قنبلتها الذرية..
لماذا يظل المسلمون هم المتخلفون؟
بقلم : الأستاذ محمد المجذوب
إيجاد صناعة حربية متقدمة في بلادنا هو الحل.
عقولنا المفكرة تجد الجفوة والغلظة في بلادنا وفي أمريكا وأوروبا تجد كل تكريم وإجلال.
1 - كان المذياع مفتوحًا على محطة لندن عندما وقع في سمعي تعليق إحدى الصحف البريطانية على زيارة رئيس وزراء لوبية لموسكو، والذي استرعى انتباهي من ذلك بوجه أخص قولها: إن استيراد لوبية للأسلحة والخبرة الروسية لا يمكن أن يتجرد عن التأثر بالأساليب الفكرية، ومعنى ذلك أن لوبية شاءت أو أبت ستجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع طرائق الحياة القائمة في روسية..
وفتح هذا التعليق في ذهني كوة كانت مغلقة منذ سنين، فإذا أنا أطل منها على صفحتين تامتين من إحدي الجرائد اليومية، التي كانت تصدر في سورية أثناءئذ.. وتذكرت فجأة يوم جاءني ذلك الصحفي يريد استطلاع أفكاري حول استيراد مصر وسورية للسلاح الروسي.. وكان غرضه من ذلك معرفة اتجاه الجماعة الإسلامية التي كنت أشارك في حركتها، فكان مما قلته في ذلك الحديث: إن السلاح جماد لا دين ولا أيدلوجية له، فمن حقنا أن نحصل عليه من أى مصدر؛ لنرد به كيد العدو الذي لا يزيده ضعفنا في هذه الناحية إلا جرأة علينا، واستخفافا بحرماتنا.. ولكن علينا أن نعي تمامًا أن روسية- أو غيرها- لا تبيعنا هذا السلاح لمجرد الحصول على أموالنا فقط، بل لتجعل منه ذريعة لربطنا بعجلتها على المدى البعيد.. ذلك أن العدو الذي نعد السلاح لحربه هو صديقهم الذي لا ينفكون عن المجاهرة بتأييده، وعلى هذا فسيظل إمدادهم إيانا بهذا السلاح في نطاق المحافظـة عــلى مصالح هذا العدو أولًا، ثم في حدود الخضوع لإيحاءاتهم التي تقتضيها مصلحتهم في المستقبل ثانيًا. وبما أن معركتنا مع اليهود مستمرة أبدًا حتى القضاء على أحد الفريقين، فسنضطر إلى مزيد من العتاد في كل جولة جديدة، وسيعوزنا الكثير من قطع التبديل بصورة متصلة.. وطبيعي أن ذلك سيضعنا تحت المساومة، فلا نحصل على الحاجة إلا بالتنازل عن الكثير مما نحن به اليوم أضناء.، وضربت له الأمثال على ذلك، بانفتاح ديارنا لدعاية المصدر المزود، واستغلال طيبة عامتنا بتوجيههم لحبه والثقة به.. هذا فضلًا عن شحن مصالحنا بخبرائه المدربين على الدعاية ضد مقوماتنا الروحية، وإخضاع تحركنا الاقتصادي لتوجيهاته ثم لسلطانه المطلق، بحيث لا نزرع إلا ما يشاء، ولا نصنع إلا ما يريد وإلا قطع عنا المدد في أشد اللحظات حرجًا وحاجة.
ولم يجد الصحفي- الضالع مع السياسة الموجهة- قدرة على رد هذه الحجج فراح يسأل: ما السبيل المأمونة إذن؟..،، فقلت: السبيل واضحة لكل ذي عينين. وهي أن نشترى السلاح بيد.. ونقيم المصانع التي تنتجه بيد.. على أن نضع لذلك تخطيطًا علميًا يؤمن لنا الاكتفاء الذاتي ضمن سنوات معدودة.. ولكن هذا يقتضي أول كل شيء توافر الوعي المخلص لدى أولي الأمر، وبه يدركون أن الطريق الأقصر لذلك هو توحيد الهدف، ثم إقامة الاقتصاد العربي على أساس متكامل، سواء في العملة أو الإنتاج، بحيث يؤلف الوطن العربي وحدة تعاونية، يتخصص كل جزء منه بجانب من المحصول، وعلى هذه القاعدة تنهض الصناعة التكنولوجية لمصلحة الهدف الأعلى وبهذا وحده يتم تكاملنا الاجتماعي، واكتفاؤنا الذاتي، فيتم استقلالنا في مقدراتنا وفي حريتنا على أكمـل الوجوه
وكان لا مندوحة عن التطرق إلى مصادر الخبرة التي تعوزنا لتنفيذ ذلك المخطط ، فأكدت له أن الواجب يقضي بالاتجاه في هذا إلى الجهات المحايدة كاليابان وألمانيا الغربية.. فمن هنا وهناك يمكننا الحصول على أجود الخبرات العالمية، مقابل أجور مغرية تؤمن لنا حاجتنا في أقصر وقت ممكن، وفي منجاة من كل المعوقات السياسية..،،
2 - وكانت نفسي لا تزال مشغولة بالنبأ، الذي رددته الإذاعات العالمية أمس عن تفجير العسكرية الهندية قنبلتها الذرية الأولى.. وما أحدثه ذلك من صدى في المحافل الدولية، وفي سياسيي باكستان، التي لم تر- وحق لها- في هذه الخطوة سوى مزيد من التهديد لوجودها خارج مخالب السرطان الهندي.. وسرعان ما اختلطت الصور في ذهني، فلم أعد قادرًا على الفصل بين الأخبار الثلاثة، الاتفاق اللوبي الروسي، والحديث الصحفي القديم، والتفجير الهندي النووي..
وكنت أتتبع أنباء المؤتمر العسكري العربي المنعقد في القاهرة هذه الأيام، وقد أذيعت بعض مقرراته قبل ساعة، فكان في رأسها الاتفاق على إنشاء صناعة حربية متقدمة..
ووجدتني أتساءل في شبه ذهول: الآن وقد انقضى ربع قرن على قيام الكيان الصهيوني، وخسرنا في حروبه عشرات الآلاف من الضحايا، وآلاف الكيلومترات من الأرض، والعديد من المدن والقرى التي تحول أهلها لاجئين أو دمرت حتى أصبحت قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا..
إذا كان اتفاق الساعة على استحداث هذه الصناعة الحربية محققًا للواجب، ومتفقًا مع المنطق، فلماذا تأخر إلى اليوم. وأين كانت منه عبقريات حكامنا الأبطال، وعسكريينا المحسوبين من كبار الرجال؟!..
إن هذه السنين الطوال التي مرت على تحرر الأقطار الإسلاميـة والعربية، ما بين خليجي ملقـة والبوسفور، كانت محكًا خطـيرًا لطاقات هذه الأمة، ومواهب حكامها، وقدرات عسكرييها، ومدى إخلاصهم جميعًا لقيمها العليا، التي لا بقاء لأمة أسقطتها من حسابها.. فما الحصيلة التي انتهت إليها خلال هذا الزمن!.. وما المفخرة التي تستطيع الاعتزاز بها، عندما تقارن بما حققته الشعوب الأخرى، حتى الجديدة منها الصغيرة جدًا، كهذه العصائب اليهودية، التي التقطت من أكناف الأرض، لتحشد في قلب المجموعة الإسلامية.
3 - شيء واحد فقط هو القدر المشترك الذي حققته أقطار الإسلام طوال هذه الحقبة.. هو أكداس الأوراق والمسجلات، التي حملت كلام القادة عن وعودهم ومشروعاتهم وغضباتهم العنترية، على الاستعمار والإمبريالية، وعن مجتمعات الكفاية والعدالة..
ثم شيء لا يقل عن ذلك أهمية وآثارًا في حياة العرب والمسلمين، هو ذلك الجيل الذي غسلت أدمغته في محاضن الصهيونية العالمية من فضائل الإسلام، لتشحن بالأثقال الهائلة من اللغو والرفث والكره لقيم أمته، والطعن على سلفها، الذي أورثهم الأرض والمجد وحق الوجود في تاريخ البشر... حتى الذين ابتعثوا للدراسات العلمية والتكنولوجية، قد أثبتوا عجزهم- إلا من رحم الله- عن إدارة آلة أو صنع جرس كهربائي، على حين ملئوا غرورًا بما حملوه من أوراق، هي- في الكثير منهم- کالأسفار يحملها الحمار..
الهند الوثنية.. التي تأكل القرود طعام أهلها، ويتلف البقر زرعها، وتحطم التفرقة الطبقية جهودها ويقتل الجوع سنويًا الملايين من أهلها... تقضي على كيان أمة تحمل هوية الإسلام خلال بضعة أيام، وتضع قيود العبودية في أيدي تسعين ألفًا من جنودها، الذين لم يتح لهم أن يخوضوا معركة متكافئة مع عباد البقر والحيات والقرود!..
هذه الهند، التي تقودها امرأة لا ميزة لها على أية امرأة إلا بما في قلبها من التعصب للأرض، والحقد على الإسلام.. تملك من مواهب العلماء ما يخضع لها أكبر الطاقات الكونية، فتدخل بفضلهم ميدان التنافس مع أعظم دول العالم تفوقًا في التغلغل إلى أسرار هذه الطاقات!..
فهل هناك مستند لدعاة الإلحاد أقوى في الهجوم على الإسلام من هذه المفارقات المدهشة، بين الوثنية التي توصلت إلى تفجير الذرة، والإسلام الذي لم يستطع أهله تأمين حاجتهم حتى من حبوب الذرة!..
من المسؤول عن هذا التخلف في عالم الإسلام كله، من طنجة إلى الصين، ومن ملقة إلى إسلامبول؟!
4 - لقد كان بين مكتشـفي البنسلين طبيب مصري، عاد إلى بلده ليحقق مطامحه في خدمته، فكان مصيره الاتهام بالجنون، حتى انتهى إلى مشافي الأمراض العقلية أيام فاروق، وفي ظل وزارة النحاس..
وكان في مصر مهندس ذري شاب تعلق عليه الآمال في التقدم المنشود.. فساقه النظام الناصري إلي السجن، ومزقت جسده سياط التعذيب، ثم ختمت حياته على المشنقة مع سيد قطب وإخوانه الشهداء..
ولئلا يظن قارىء أن اضطهاد المواهب مقصور على النطاق الفردي، نلفت نظره إلى ألاف الرجال من ذوى الكفايات العلمية العالية جدًا، الذين ضربوا في الأرض يعملون طاقاتهم في خدمة أميركا وألمانيا ومختلف المناطق الأوروبية.. وفي أرفع المستويات العلمية.. ولا نكشف سرًا إذا زعمنا أن معظم جهودهم تتسرب إلى إسرائيل، أسلحة وأعتدة وألوانًا لا تحصى من التحسينات التكنولوجية، على غير علم منهم ولا حساب من أمتهم..
ومن حقي، وأنا في صدد الحديث عن هجرة الكفايات الإسلامية والعربية، أن أذكر الناس بواحد من أبرز الموهوبين العالميين في صناعة الكهرباء والعلوم الفيزيائية، ذلك هو كامل الصباح الذي قضى نحبه خلال ظروف مشبوهة في الولايات المتحدة، قبل ثلث قرن، بعد أن سجل للشركة التي عمل فيها أكثر من مئة وخمسين اختراعًا، قدمت للبشرية أجل الخدمات، وكان لبعضها أثر كبير في صيانة الحياة لملايين العاملين في الصناعات المكهربة، ضد الصدمات الصاعقة، التي كانت تذهب سنويًا بآلاف الضحايا، فوضع لها المصارف التي مكنت العامل من استخدام التيار وفق الحاجة، كما تستخدم أنابيب توزيع الماء على مختلف المقاييس، بدلًا من إجرائه في الأقنية المضخمة وحدها.. وكان- رحمه الله- يخطط لإقامة محطات للطاقة الشمسية بين العراق وسورية، تزود السيارات والقطارات- وربما الطائرات أيضًا- بالوقود الحرارى بدلًا من النفط.. يوم عاجله الردى بحادث سيارة في أجازته الأسبوعية.. ولعل كثيرين من القراء يفاجئون بخبر هذا النابغة، الذي عرف في الأوساط العلمية الأميركية باسم أديسون الثاني، إذ يسمعون به لأول مرة، وهم لا يعلمون أن غير قليل من نعم الكهرباء، التي يستمتعون بها في بيوتهم ومتاجرهم، هي من صنع وتصميم ذلك الفتي المسلم، الذي لم يجد في وطنه من يحتضن مواهبه، فهاجر بها إلي الولايات المتحدة، التي لم تسمح له باستغلال أي اختراع صنعه لمصلحته الشخصية، بل لقد حاسبت المؤسسة التابع لها ذويه في لبنان بكل التكاليف التي تحملتها في نقل جثمانه إلى مرفأ بيروت، حتى ثمن الدبوس الذي شبك به كفنه ـ كما أخبرني خاله العلامة الفقيد عالم جبل عامل الشيخ أحمد رضا-
ومرة ثانية نعيد التساؤل. من المسؤول عن هجرة تلك الكفايات العلمية، التي كان بوسعها، لو وجدت التشجيع الحق، أن تجعل من وطنها الإسلامي قطب الرحى في عالم اليوم!.. ثم من المسؤول عن تخلف هذه الأمة، التي لا تبرح تشترى القذيفة، التي تدفع بها عن نفسها، من مصانع أعدائها؟..
5 - ما أكثر المساكين الذين يحسبون المدنية مجرد القدرة على «استعمال» الآلة المستوردة، دون أن يكون لهم أى نصيب في إيجاد البديل أو تكميله أو استدراك ما يطرأ على الآلة من النقص!..
مثل هذه الأمة «المستهلكة» لا يحق لها أن تعد في الأحياء، لأن أزمة وجودها في يد الأمة الصانعة لهذه الأداة.. فإذا حجبتها عن سوقها، لسبب ما، فقدت القدره على الاستمرار كما تفقد الأرض القدرة على الإنبات إذا انقطع عنها الغيث.. وقد جربنا هذا الواقع أكثر من مرة، وبخاصة في عهود الحروب، حيث يتحول كل شيء لخدمة المقاتلين.. فماذا كانت الحصيلة؟.. ضياعًا حتى الجنون، وفراغًا حتى الاختناق، وحرمانًا حتى الموت!.. ومع ذلك لا تلبث الأزمة أن تنجلي حتى نعود إلى دوامتنا التقليدية، استهلاكا بغیر إنتاج.. واستعمالا بدون إبداع.. وهكذا دواليك. وفي تقديري أننا لو أغلقنا باب الاستيراد عامًا واحدًا لتحولنا ركامًا من الجثث التي قتلها الجوع والعرى.. والدليل على ذلك أقرب إلينا من أعيننا، فلينظر كل منا إلى ثيابه ونعله وطعامه وأثاثه وآلة نقله.. ثم ليسأل: هل لنا في شيء من ذلك كله أثر سوى «القدرة» على الاستعمال!. وحتى الاستعمال نفسه لا نكاد نحسنه وفق النظام المدني الصحيح..
المدنية بأوجز تعريف، هي: إنسان موهوب، أمن نفسي، مواد خام، حوافز إبداع.. فما الذي نملكه، وما الذي ينقصنا نحن المسلمين والعرب، من هذه العناصر؟..
أما الموهبة فلسنا والله دون أرقى البشر في هذا الجانب.. وتجاربنا في عهود العزة برهان لا يدفع.
وأما الخامات فأرضنا هي مستودعها الطبيعي.. وهي الكنز الذي عليه يتنافس الأقوياء.
وأما حوافز الإبداع فحاجتنا الماسة من أهم مصادرها.. فكيف إذا أضفنا إلى الحاجة الواجب الذي تلزمناه رسالتنا الخالدة، التي تجعل البحث في السنن الكونية، والتأمل في ملكوت السموات والأرض فرض عين كل مطيق!..
وهل في الوجود حافز على الإبداع يضاهي إيمان المسلم بأن بارع الوجود قد سخر له ما في السموات والأرض وأن مداد العلماء يفضل دم الشهداء، وأن المتوافرين على دراسة القوانين الشرعية والكونية هم الأنبياء، وأن أكرم ما ميز به المسلم هو العلم، لأن من أول ما نزل من كتاب الله على رسول الله ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:3-4-5)
ولكنه الأمن.. الأمن النفسي هو الذي تفتقده أمتنا في كل جزء من عالمنا العربي والإسلامي.. وفقدانه هو الذي يجمد المواهب في القيم، ويدفع المستطيع إلى الهجرة، ليضع طاقاته في خدمة الأخرين، الذين يوفرون لمواهبه كل ما يعوزها للإثمـار والازدهار.. وإنما يكون الأمن حيث تكون الشورى هي المسيطرة على نظام الحكم، لأنها الضمان الوحيد لكرامة الفرد، وبالتالي لإشعاره بالمسؤولية الكاملة نحو نفسه وأهله ومجتمعه وإنسانيته.. فهو في ظل الشورى مفوض باستغلال قدراته الفطرية كلها للإسهام في حركة البناء الحضاري، فلا يحجزه الخوف عن الجهر بكلمة الحق، ولا تمنعه هيبة حاكم عن توجيه النصح إليه، ولا يكرهه التسلط العنصري أو الطائفي أو الحزبي على التذبذب، الذي ينتهي به إلى النفاق فالبلادة..
أجل.. إن الشورى الإسلامية هي النظام الفريد الذي يطلق المواهب لتتفاعل وتنمو وتنتج، وكل انحراف عن سبيلها مؤد بها إلى الشلل.. فلكي نؤكد شخصية المسلم، ونستجلي قدرته المدنية على حقيقتها، يجب أن نوفر لها جوها الطبيعي الذي أراده لها الإسلام، وإذ ذاك لن يكون الحكم إرهابًا وطغيانًا، بل رعاية وتعليمًا وحماية للحرية والكرامة، وتعاونًا على البر والتقوى.. ويومئذ فقط سنعود كما كنا خير أمة أخرجت للناس لا يتخلف عن ركبها الصاعد أبدًا سوى العجزة المعذورين، والمرضى المعطلين، الذين لا يملكون ما يعطون.
٦ - وأخيرًا.. إن معركة رمضان المباركة كشفت لنا من طاقاتنا ما كنا في غفلة عنه.. فأدركنا لأول مرة أننا نمسك بأزمة الكرة الأرضية كلها؛ لأن الله قد شحن أرضنا الخيرة بكل حاجات البشر، فهم مشدودون إلينا بروابط المصلحة، التي لم يعودوا يؤمنون بما وراءها.. ومن هنا تعلمنا أننا نملك القدرة الكافية على استخدام أغنى الخبرات التكنولوجية للأخذ بيد شعوبنا إلى قسم التقدم، ريثما يأتي اليوم الذي نستعيد به مركزنا المسلوب في قيادة العالم... الذي لم يعرف أرحم منا رعاة، ولا أكرم منا هداة.
ولكن هذا يقتضينا أولًا وضوح الرؤية، حتى نحسن اختيار الأمم أو الرجال الذين يصلحون لمعونتنا في هذه المسيرة الخطيرة.. ومن كمال الوعي أن نحصر تعاوننا في نطاق الأمم المحايدة، التي لا تطمع منا بأكثر من المقايضة على المنافع.
وطبيعي أن تصورنا هذا سيظل في مدار الأحلام ما لم نعد إلى شعوبنا الثقة التامة بجهاز الحكم، على أساس النظام الشورى، الذي يضمن لكل فرد حقه في الحرية والكرامة والعدالة، ويضع كل ذى كفاية في مكانه المناسب، فلا يطغى قوي، ولا يهن ضعيف، ولا يوسد الأمر لغير أهله.. ويقيم دعائمه على شريعة الإسلام..
هنا فقط ستبرز خصائصنا على حقيقتها، فننقذ أمتنا من وصمة التخلف، وننتشلها من ذلة التنمية، ويومئذ لن يكون كل ما يملكه مثل السيد بهوتو، في وجه التهديد النووى الهندي، شحن الفضاء بالاحتجاج، وشغل مجلس الأمن بالشكوى.. لأننا سنكون أثناءئذ في مكاننا الطبيعي من التفوق العلمي، والصلاحية العالية للمنصب الذي اختيرت له أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- منذ أن أنزل الله- تبارك وتعالى- على رسوله العالمي تقريره الخالد: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33)
الرابط المختصر :