العنوان بمناسبة رمضان الكريم الشيخ ابن باز يكتب توجيهات للمسلمين
الكاتب الشيخ عبد العزيز بن باز
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1974
مشاهدات 79
نشر في العدد 220
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 01-أكتوبر-1974
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين، وفقني الله وإياهم لاغتنام الخيرات، وجعلني وإياهم من المسارعين إلى الأعمال الصالحات، آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أما بعد: أيها المسلمون إنكم في شهر عظيم مبارك ألا وهو شهر رمضان، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، شهر العتق والغفران، شهـــر الصدقات والإحسان، شهــــر تفتــح فيه أبواب الجنات، وتضاعف فيـــه الحسنات، وتقال فيه العثرات، شهر تجاب فيه الدعوات وترفع الدرجات، وتغفر فيه السيئـات، شهر يجود اللـه فيه سبحانه على عباده بأنواع الكرامات، ويجزل فيه لأوليائه المعطيات، شهر جعل اللـه صيامه أحد أرکان الإسلام، فصامـــه المصطفى -صلى اللـه عليه وسلم- وأمر الناس بصيامه، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن من صامه إيمانًا واحتسابًا، غفر اللـه له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيمانًا واحتسـابًا، غفر اللـه له ما تقدم من ذنبه، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم، فاستقبلوه -رحمكم اللـه- بالفرح والسرور والعزيمـــة الصادقة على صيامه وقيامه، والمسابقة فيه إلى الخيرات، والمبادرة فيه إلى التوبة النصوح من سائر الذنـــوب والسيئات، والتناصح والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالأمـــر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى كل خير، لتفوزوا بالكرامة والأجر العظيم، وفي الصيام فوائد كثيرة، وحكم عظيمة منها: تطهيـر النفس وتهذيبها وتزكيتها من الأخلاق السيئة كالأشر والبطر والبخل، وتعويدهـا الأخلاق الكريمة كالصبـــر والحلـــم والجود والكرم، ومجاهـــدة النفس فيما يرضي اللـه ويقرب لديه، ومن فوائد الصوم أنه يعرف العبد نفسه وحاجته وضعفه وفقره لربه، ويذكره بعظيم نعم اللـه عليه، ويذكره أيضًا بحاجة إخوانه الفقراء، فيوجب لــــه ذلك شكر اللـه سبحانه، والاستعـــانة بنعمه على طاعته، ومواساة إخوانه الفقراء والإحسـان إليهم، وقد أشار اللـه سبحانه وتعالى إلى هذه الفوائد في قوله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
فأوضح سبحانه أنه كتب علينــــــا الصيام لنتقيه سبحانه، فدل ذلك على أن الصيام وسيلة للتقــــــوى والتقوى هي طاعة اللـه ورسوله، بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنـــه، عن إخلاص للـه عز وجل ومحبة ورغبـــة ورهبة، وبذلك يتقي العبد عــذاب اللـه وغضبه، فالصيام شعبة عظيمة من شعب التقوى، وقربة إلى المولى عز وجل ووسيلة قوية إلى التقوى بقية شئون الدين والدنيا، وقـد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بعض فوائد الصوم في قـوله صلى اللـه عليه وسلم: «یا معشر الشباب من استطاع منكم البـــاءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصـــن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الصوم وجاء للصائم، ووسيلة لطهارته وعفافه، وما ذاك إلا لأن الشيطان يجري مـــن ابن آدم مجرى الدم، والصـــوم يضيق تلك المجاري، ويذكر باللـه وعظمته فيضعف سلطان الشيطان، ويقوي سلطان الإيمان، وتكثر بسببه الطاعات من المؤمنين، وتقـل به المعاصي، وفي الصوم فوائد كثيرة -غير ما تقدم- تظهر للمتأمل من ذوي البصيرة، منها: أنه يطهر البدن من الأخلاط الرديئة ويكسبـــه صحـــــة وقوة، وقد اعترف بذلك الكثير من الأطباء، وعالجوا به کثيرًا من الأمراض، وقـــــد ورد في فضلـه وفریضته آیات وأحاديث كثيرة، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). إلى أن قال عز وجل: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (البقرة: 185).
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي اللـه عنهما قال: قال رسول اللـه -صلی اللـه عليه وسلم-: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللـه وأن محمدًا رسول اللـه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». وأخرج الترمذي عن معاذ بن جبل -رضي اللـه عنـــــه- قال: «قلت یا رسول اللـه، أخبــــرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عـــن النار. فقال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبــد اللـه ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. ثم قال النبي -صلى اللـه عليه وسلم-: ألا أدلك علـــى أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا رسول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (السجدة: 16 - 17)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ كف عليك هذا، وأشار إلى لسانه.
فقلت: بلى يا رسول اللـه. قال:كف عليك هذا، وأشار إلى لسانه.
فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال -صلى اللـه عليه وسلم-: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟».
أيها المسلمون: إن الصوم عمـــل صالح عظيم، وثوابه جــــزيل، ولا سيما صوم رمضان، فإنه الصوم الذي فرضه اللـه على عباده وجعله مــــن أسباب الفوز لديه، وقــــد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي -صلـــي اللـه عليه وسلم- قال: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشرة أمثالهــا إلى سبعمائة ضعف، يقول اللـه عـــز وجل إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي. للصائم فرحتان: فرحة عنــــد فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فم الصائم أطيب عند اللـه من ريـــح المسك». وفي الصحيح عن النبي -صلى اللـه عليه وسلم- أنه قــال: «إذا كان أول ليلة من رمضـــــان صفـــدت الشيـــاطين، ومردت الجن، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وينادي مناد: يا باغــي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة».
وجاء عن النبي -صلى اللـه عليه وسلم- أنه كان يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان ويقول لهم: «جاء شهـــر رمضان بالبركات فمرحبًا به مــــن زائر وآت» وعن عبادة بن الصامت -رضي اللـه عنه- أن رسول اللـه -صلى اللـه عليه وسلـــــم- قال: «أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم اللـه فيه، فينزل الرحمــــة ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر اللـه تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا اللـه من أنفســكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة اللـه» رواه الطبراني.
وعن أبي هريرة -رضي اللـه عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمـــــانًا واحتسابًا، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» رواه النسائي.
والمشروع للمؤمن في قيام رمضان وفي غيره من الصلوات، الطمأنينة في القيام والقعود، والركوع والسجود، وترتيل التلاوة وعـــدم العجلة، لأن روح الصــلاة هو الإقبال عليها بالقلب والخشوع فيها، وأداؤها كمــــا شرع اللـه، بإخلاص وصدق ورغبة ورهبة وحضور قلب، كما قال اللـه سبحانه: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ﴾ (المؤمنون:1 - 2).
وقــال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» وقال للذي أساء في صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معــك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتــــى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صـــــلاتك كلها، وكثير من الناس يصلي في قيام رمضان صلاةً، لا يعقلها ولا يطمئن فيها، بل ينقرها نقرًا، وذلك لا يجوز، بل هو منكر لا تصح معــــه الصلاة، فالواجب الحذر من ذلـــك، وفي الحديث عنه -صلى اللـه عليه وسلم- أنه قال: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته قالوا: يا رسول الله كيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها. وثبت عنه -صلى اللـه عليه وسلم- أنه أمر الذي نقر صلاته أن يعيدها».
فيا معشر المسلمين، عظموا الصــــلاة وأدوها كما شرع اللـه، واغتنموا هذا الشهر العظيم، وعظموه -رحمكم الله- بأنواع العبادة والقربات، وسارعوا فيه إلى الطاعات، فهو شهر عظيـــــم جعله الله ميدانًا لعباده، يتسابقون إليه فيه بالطاعات، ويتنافسون فــي أنواع الخيرات، فأكثروا فيه -رحمـــكم اللــه- من الصلاة والصدقات، وقراءة القرآن الكريم، والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، والإحسان الى الفقراء والمساكين والأيتام، وقد كان رسول اللـه -صلى اللـه عليــه وسلم- أجود الناس، وكان أجــــود ما يكون في رمضان، فاقتـــــدوا به -رحمكم اللـه- في مضاعفة الجــــــود والإحسان في شهر رمضان، وأعينوا إخوانكم الفقراء على الصيام والقيام، واحتسبوا أجر ذلك عند الملك العلام، واحفظوا صيامكم عما حرمه اللـــه عليكم من الأوزار والآثام، فقد صـــح عن النبي -صلى اللـه عليه وسلم- أنه قال: «من لم يدع قـــول الزور والعمل به، فليس للـه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» وقال عليه الصــلاة والسلام: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفت ولا يفســق، فإن امرؤ سابه أحد، فليقل إني أمرؤ صائم» وجاء عنه -صلى اللـه عليه وسلم- أنه قال: «ليس الصيام عـن الطعام والشراب، وإنما الصيـــام عن اللغو والرفث، وخــــرج بن حبان في صحيحه عن أبي سعید -رضي اللـــه عنه- قال: قال رسول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم-: «من صــــام رمضان وعرف حدوده، وتحفظ ممـــــا ينبغي له أن يتحفظ منه، كفر ما قبله». وقال جابر بن عبد اللـه الأنصاري -رضي اللــه عنه-: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
فينبغي للصائم الإكثار من تلاوة القرآن بتدبر وتعقل، والإكثار من الصلوات والصدقات والذكر والاستغفار، وسائر أنـــواع القربات في الليل والنهار، اغتنامًا للزمان ورغبة في مضاعفة الحسنات، ومرضات فاطر الأرض والسمـــــوات، واحذروا -رحمكم الله- كل ما يجـــرح الصوم وينقص الأجر، ويغضب الرب -عز وجل- من سائر المعاصي، كالتهاون بالصلاة والبخل بالزكاة وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى وأنواع الظلم في النفس والمال والعرض، وعـقــــوق الوالدين وقطيعة الرحـــم، وشرب المسكرات والتدخين، والغيبة والنميمة والكذب، وشهادة الزور والدعاوى الباطلة، والأيمان الكاذبة، وحلق اللحى وتقصيرها وإطالة الشوارب، والتكبر وإسبال الثياب، واستماع الأغاني وآلات الملاهي، وتبرج النساء وعدم تسترهن من الرجــــــال، والتشبه بنساء الكفرة في لبس الثياب القصيرة، وغير ذلك مما نهى اللـه عنه ورسوله، وهذه المعاصي التي ذكرناها محرمة في كل زمــــان ومكان، ولكنها في رمضان أشد تحريمًا وأعظم إثمًا لفضل الزمان وحرمته، ومن أقبح هذه المعاصي وأضرها على المسلمين، ما ابتلي به الكثير من الناس من التثاقل عن الصلوات، والتهاون بأدائها في الجماعة في المساجد، ولا شك أن هذا من أقبح خصـــال أهـــــل النفاق، ومن أسباب الزيغ والهلاك، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ (النساء: 142).
وقال النبي -صلى اللـه عليه وسلم-: «من سمع النداء فلم يأت، فلا صلاة له إلا من عذر» وقال له -صلى اللـه عليه وسلم- رجل أعمى: يا رسول اللـه إني بعيد الدار عن المسجد، وليس لي قائد يلائمني، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي -صلى اللـه عليه وسلم-: هل تسمع النداء للصلاة ؟ قال: نعم. قال: أجب. وقال عبد الله بن مسعود -رضي اللــه عنه- وهو من كبـــار أصحاب رسول اللـه -صلى الله عليه وسلم-: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هــــؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة في الجماعة، إلا منافق معلوم النفاق أو مريض، ولا شك أن التهاون بأداء الصلاة فـــي الجماعة من أسباب تركها بالكلية، وقد صح عن الرسول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة». ومن أخطـــر المعاصي اليوم أيضًا، ما بلي به الكثير من الناس من استماع الأغاني وآلات الطرب، وإعلان ذلك في الأســـــواق وغيرها، ولا ريب أن هذا من أعظـــم الأسباب في مرض القلوب، وصدها عن ذكر الله، وعن الصلاة وعن استماع القرآن الكريم والانتفاع به، ومن أعظم الأسباب أيضًا في عقوبة صاحبه بمرض النفاق والضلال عن الهــــدى، كما قال تعالى:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ (لقمان: 6). وقد فسر أهل العلم «لهو الحديث» بأنه الغناء وآلات اللهو، وكل كلام يصــــد عن الحـــق، وقال النبي -صلى اللـه عليه وسلم: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» والحر هو الفرج الحرام، والحرير معروف، والخمر هو كل مسكر، والمعازف هي الغناء وآلات الملاهي، كالعود والكمان وسائر آلات الطرب، والمعنى أن يكون في آخر الزمان قوم يستحلون الزنا، ولباس الحــــــرير وشرب المسكرات، واستعمـــال آلات الملاهي، وقد وقع ذلك كما أخبر بــه النبي -صلى اللـه عليه وسلـــم- وهذا من علامات نبوته ودلائل رسالته عليه الصلاة والسلام، وقال عبد اللـه ابن مسعود -رضي اللـه عنه-: إن الغناء ينبت النفاق في القلب، كمــــا ينبت الماء الزرع.
فاتقوا الله أيها المسلمون، واحذروا ما نهاكم الله عنه ورسوله، واستقيموا على طاعته في رمضان وغيره، وتواصوا بذلك وتعاونوا عليه، لتفوزوا بالكرامة والسعادة، والعزة والنجاة في الدنيا والآخرة، والله المسئول أن يحفظنا وسائر المسلمين من أسباب غضبه، وأن يتقبل منا جميعًا صيامنا وقيامنا، وأن يصلح ولاة أمر المسلمين، وأن ينصر بهم دينه ويخذل بهم أعداءه، وأن يوفق الجميع للفقه في الدين والثبات عليه، والحكم به والتحاكم إليه في كل شيء، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على عبـده ورسـوله نبينــا محمــد وآله وصحبه وســــلم.
رئيس الجامعة الإسلامية
الرابط المختصر :