; بند «الأدلة السرية» يفضح مخالفة قانون مكافحة الإرهاب للدستور الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان بند «الأدلة السرية» يفضح مخالفة قانون مكافحة الإرهاب للدستور الأمريكي

الكاتب علي رمضان أبو زعكوك

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997

مشاهدات 59

نشر في العدد 1261

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 05-أغسطس-1997

مأساة موسى أبو مرزوق تتكرر مع مازن النجار في السجون الأمريكية

السؤال المحيّر في ذهن الأمريكي ذي الأصول العربية والإسلامية هو: ما المدى الذي أستطيع أن أكون فيه أمريكيًا بدون ذوبان هويتي العربية والإسلامية؟ أو هل بالإمكان أن أكون مواطنًا أمريكيًا مع هويتي الإسلامية أو العربية؟

إضافة إلى سؤال آخر مُلِح وهو: هل بإمكان المجتمع الأمريكي أن يقبل المسلم عندما يتجنس بالجنسية الأمريكية كبقية أفراد المجتمع؟ وهل بإمكان المسلم الأمريكي العمل في المؤسسات الأمريكية دون أن يضطر للتضحية بقيِّمه، وبدون أن يذوب في مناخ الثقافة الأمريكية؟ وما مدى استفادة المسلم الأمريكي من الحريات المتاحة؟ 

هذه بعض الأسئلة التي تدور في مخيلة عدد من المواطنين العرب والمسلمين الذين أختاروا، أو وجدوا أنفسهم- بظروفهم- جزءًا من المنظومة البشرية لسكان أمريكا.. وتزداد الأسئلة إلحاحًا عندما يجد أحد أبناء الجالية نفسه مُعرّضًا للتحرشاتوالمضايقة من الأجهزة الإدارية والأمنية لأسباب قد لا يعرف الإنسان خباياها.

الذي جعلني أفتح الموضوع بهذه الأسئلة هو أننا نواجه في هذه الأيام قضيتين حساستين شبيهتين بقضية الدكتور موسى أبو مرزوق، وهي قضية احتجاز أنور هدام- عضو الهيئة البرلمانية المنتخبة عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، والذي أصبح من المتحدثين الرسميين باسمها في الخارج، والذي اعتقلته السُلطات الأمريكية ووضعته في السجن، وقضيته لا علاقة لها بأي حوادث إرهاب أو إجرام على الساحة الأمريكية.. بل هو مثال حي على الموقف الأمريكي المتناسق مع موقف فرنسا- وغيرها من الدول الأوروبية التي قررت تأييد السُلطة العسكرية في الجزائر.

والقضية الثانية قضية احتجاز الدكتور مازن النجار في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، ومحاولة السلطات إبعاده عن الولايات المتحدة، والدكتور مازن النجار يمثل قصة أليمة لما يمكن أن يحدث لأمثاله من النشطاء العرب والمسلمين خصوصًا، إذا كانت لديهم مواقف سياسية معارضة لما يجري طرحه وفرضه على المنطقة العربية تحت اسم «مفاوضات سلام الشرق الأوسط».

 بداية القصة

والقصة ترجع إلى ٢٦ أكتوبر ١٩٩٥م عندما جرى اغتيال مسؤول منظمة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور فتحي الشقاقي- رحمه الله- أمام الفندق الذي كان ينزل فيه في مالطا بعد عودته من ليبيا، إذ قررت منظمة الجهاد أن تختار الدكتور رمضان عبدالله شلح أمينًا جديدًا بدلًا عن الدكتور الشقاقي.

وكان خبر اختيار الدكتور رمضان قد هز مدينة تامبا في ولاية فلوريدا، إذ إن الدكتور رمضان كان يدرس في جامعة جنوب فلوريدا.. في الوقت الذي كان فيه مسؤولًا عن مركز دراسات الإسلام والعالم المعروفة باسم «وايز» World and Islam Studies Enterprise «Wise»، وقام مكتب التحقيقات الاتحادي بحملة على المؤسسة فجمِّد أرصدتها، وحجز على مكاتبها، بل وعمل على حجز أوراق ووثائق أعضاء المؤسسة الآخرين في حملة اعتبرتها الأجهزة الأمريكية التي شحنتها بعض وسائل الإعلام المحلية- بأنها حملة ضد خلايا الإرهاب الإسلامي في أمريكا، وقد سبق للإعلامي «إستيفن إمرسون» استعداء السلطات الأمريكية على رجال مؤسسة «وايز» وعلى أعضاء لجنة فلسطين الإسلامية التي يترأسها الدكتور سامي العريان.

وبعد مضي أكثر من ١٨ شهرًا من التحقيقات والتحرشات، لم تستطع أجهزة التحقيقات الاتحادية أن تجد ما يمكن أن يحفظ لها ماء وجهها؛ فأخذت تطرح معظم تحقيقاتها، ولم تجد ما يمكنها من أن تبرهن على فرضيتها أن «وايز» كانت مركزًا للإرهاب، أو أنها كانت تحوِّل الأموال لمؤسسات إرهابية في الخارج.

وبدأت حملة مركزة على العناصر النشطة التي كانت لها علاقة بالدكتور رمضان شلح الذي انتقل لدمشق بعد اختياره أمينًا للجهاد، وبالذات على الدكتور سامي العريان- أستاذ الهندسة بجامعة جنوب فلوريدا- وعلى صهره الدكتور مازن النجار رئيس تحرير مجلة «قراءات سياسية».

وقامت بالحملة الشعواء ضد هذه العناصر النشطة صحيفة تصدر في مدينة تامبا باسم «تامبا تربيون» التي لم تتوقف في حملتها ضد من أسمتهم بالإرهابيين لمدة سنتين، وقد أدت الحملة الصحفية إلى تكثيف السُلطات الاتحادية تحقيقاتها حول مركز دراسات الإسلام والعالم، وكل الباحثين والعاملين المرتبطين بالمركز، ولم تستطع هذه السُلطات أن تثبت على المركز أو العاملين به أي تهمة بمخالفة القوانين الأمريكية.

وقد أدّى هذا الوضع المؤلم إلى أن كتب الصحفي ريتشارد كول في وكالة أنباء «الإسوشيتيد برس» في ٢٦ مايو ١٩٩٧م أن «رجال مكتب التحقيقات قد فشلوا في إيجاد ولو وريقة من الوثائق التي جمعوها تثبت أن «وايز» أو القائمين عليه قد أرتكبوا أي مخالفة قانونية».

كما توصل المحامي المشهور ويليام ربس سمیت جونيور- عضو منظمة المحامين الأمريكية- في تحقيقه الذي كلفته به جامعة جنوب فلوريدا إلى انعدام أي مخالفات قانونية من جانب لجنة الشرق الأوسط بالجامعة، أو من جانب مركز دراسات الإسلام والعالم، أو من جانب المسؤولين عن المركز، بل ذكر أن برامج مركز دراسات الإسلام والعالم قد أفادت جامعة جنوب فلوريدا والمجتمع الأمريكي.

وقد أدت الحملة الإعلامية إلى تركز حملة رجال مكتب المهاجرة على الدكتور مازن النجار، حيث كانت أوراقه موجودة في ذلك المكتب لإتمام إجراءاته القانونية لإقامته، إذ أوقفوا الإجراءات، وعملوا على تقديمه لقاضي الترحيل لإبعاده بصفته «عنصرًا غير مرغوب فيه» بناءً على الإثارة التي نشرتها صحيفة «تامبا تربيون» في حملتها التي بدأتها في يوليو ١٩٩٦م، واستمرت حتى ديسمبر ١٩٩٦م، وبالرغم من أن محامي النجار قدم للقاضي أكثر من ۷۰۰ صفحة من الوثائق، بما فيها وثائق حسابات النجار الصادرة من المصرف خلال السنوات الثمان الماضية، مشروحًا بها كل تفاصيل المدخولات والمصروفات.

وفي ٣١ مايو ۱۹۹۷م أصدر القاضي أمرًا بإبعاد الدكتور النجار وزوجته، وذلك رغم أن النجار لا يملك وثائق للسفر منذ سقوط صلاحية وثيقة سفره، والتي رفضت السُلطات المصرية- التي كانت قد أصدرتها- طلبه لتجديدها 3 مرات.

وبالرغم من وجوده على الأرض الأمريكية لمدة ١٦ سنة، وارتباطاته العائلية والاجتماعية، وكذلك لرفض سُلطات الدولتين العربيتين اللتين أرادت الولايات المتحدة ترحيل النجار وزوجته إليهما لكونهما لا يحملان جنسية أي من البلدين، كذلك لعدم وجود إقامة قانونية لهما بالبلدين.

وقد قامت سلطات الهجرة الأمريكية بإلقاء القبض على الدكتور مازن النجار، ووضع القيود على معصميه في ١٩ مايو ۱۹۹۷م في منزله أمام أطفاله الصغار، كما سمحوا لمصور من صحيفة «التامبا تربيون» لتصويره وهو على تلك الحالة، كما لو كان من عتاة المجرمين لتنشرها الصحيفة على صفحاتها الأولى -مظهرة الشماتة- في أحد العناصر العربية الإسلامية التي كانت تتصدى لها ولحملاتها ضد العرب والمسلمين، وضد الاحتلال اليهودي للأرض المقدسة. 

وحاولت القوى المناصرة للدكتور النجار إطلاق سراحه بكفالة، وبعد أيام من المداولاتوالإفادات حول الدور المهم الذي كان يقوم به في الجالية العربية والإسلامية، بما في ذلك إفادة خاصة من المدعي العام الأمريكي السابق «رامزي كلارك» الذي تكلم بقوة عن عدم جدوى استخدام «الأدلة السرية» في المحاكمة، إلا أن القاضي رفض الالتماسات المقدّمة لإطلاق سراح النجار بكفالة، بناًء على ما وصفه من وجود «أدلة سرية» قدمت إليه من الأجهزة الحكومية!

ومن المعروف أن استخدام «الأدلة السرية» في الإجراءات القضائية حين تكون نتيجتها حرمان الفرد من التعرف عليها والتصدي لها، تعتبر أمرًا غير دستوري، لأنها لا تمكّن الفرد من التصدي في دفاعه لأي إشاعات، أو تُهم باطلة، أو تقارير كيدية، إضافة إلى أن من عادة القضاء الأمريكي إطلاق سراح المقبوض عليهم بكفالة حتى تنتهي محاكمتهم إلا في حالات القتلة والمجرمين العتاة.

وقد ظهرت الآن آثار القانون الذي أصدره الكونجرس ووافق عليه الرئيس الأمريكي باسم مكافحة الإرهاب، ذلك القانون الذي يُمكن السُلطات الأمنية من تقديم «وثائق سرية» لا يسمح للمتهمين أو لمحاميهم الاطلاع عليهم لتحديها والتصدي لها.

وقد استخدمته السُلطات الأمريكية حتى الآن ضد ۸ شخصيات إسلامية في الولايات المتحدة يقبعون الآن رهن الاعتقال، ولم يسمح لهم بالخروج من حالة الاعتقال بضمان الكفالة، وقد تبيّن الآن من حالة الدكتور مازن النجار ومن الحالات الأخرى مثل حالة الدكتور أنور هدام، أن هذا الإجراء غير الدستوري وغير الإنساني موجه بالدرجة الأولى ضد النشطين من الإسلاميين.

وهذه القضية تفتح الباب واسعًا لكل المنظمات العربية والإسلامية ومنظمات حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة للتصدي للإجراءات الظالمة، ولمحاولة التصدي لها لإبطال مفعولها، ليس فقط ضد الأمريكيينالعرب والمسلمين، بل وضد كل إنسان يُتهم ظلمًا، ولا تُتاح له فرصة التصدي لهذا الظلم.

 

نبذة شخصية

وُلِد الدكتور مازن النجار في قطاع غزة في 4 يونيو ١٩٥٧م، وقد انتقلت أسرته إلى إحدى الدول العربية؛ حيث أمضى فيها المدة من ١٩٥٧م إلى ۱۹۷۱م، وكان من الطلاب المتفوقين في دراستهم؛ حتى إنه كان الأول على طلاب المدارس الابتدائية والإعدادية، ثم انتقل إلى مصر حيث حصل على شهادة إتمام الدراسة الثانوية بامتياز، ودخل كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وتخرج فيها عام ١٩٧٩م. 

قدم إلى الولايات المتحدة في ديسمبر ۱۹۸۱م لمواصلة دراسته العُليا فيها، وقد حصل في ١٩٨٤م على درجة الماجستير، ثم على درجة الدكتوراه عام ١٩٩٤م في مجال الهندسة الصناعية والإدارة الهندسية.

ويُعرف عن الدكتور مازن حبه للاطلاع والقراءة، حتى إنه كان يوصف بين زملائه بالموسوعة المتنقلة، كما إنه كان يتحلى بصفات الدماثة والخلق الحسن، مما جعله محبوبًا لدى كل من عرفه.

عمل كرئيس تحرير لمجلة «قراءات سياسية»، وهي مجلة علمية فكرية فصلية كانت تركز على القراءات السياسية، وصدرت أعدادها في الفترة ما بين ۱۹۹۰ و1995م، وكانت تصدر عن مركز دراسات الإسلام والعالم، وقد استطاع أن يحرر منها ۲۰ عددًا، كما أنه عمل على تحرير 3  كتب مهمة كتب أبحاثها أكثر من ٨٠ باحثًا وكاتبًا. 

والدكتور مازن متزوج من السيدة فداء عام ۱۹۸۸ م، وهي صيدلية مرخص لها بالعمل، وقد رزقهما الله بثلاث بنات: يارا «8 سنوات»، وسارة «6 سنوات»، وصفاء «سنتان»، وهؤلاء الأطفال يحملون الجنسية الأمريكية.

لجنة دفاع 

تكونت لجنة في منطقة خليج تامبا للدفاع عن الدكتور مازن النجار باسم «تآلف خليج تامبا للعدالة والسلام».

وأصدرت اللجنة نداءً تطالب فيه بدعم القضية، ذكرت فيه أن «الدكتور مازن النجار قد اعتقل بدون سبب قانوني، ولم يسمح له بالخروج من معتقله بضمان الكفالة، وأن هذا بسبب التحيز السياسي والديني ضده من طرف رجال مكتب الهجرة.

وطالبت اللجنة المحبين للعدالة والسلام بمطالبة السُلطات الأمريكية بإطلاق سراحه لحين موعد محاكمته؛ لأنه قدّم استئنافًا، وبدعم الحملة للدفاع عنه بالمساهمة في نفقات الدفاع.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل