العنوان بوادر التمرد الأوروبي: الحرب الأمريكية والأهداف الصهيونية
الكاتب إبراهيم صلاح
تاريخ النشر السبت 10-أغسطس-2002
مشاهدات 59
نشر في العدد 1513
نشر في الصفحة 22
السبت 10-أغسطس-2002
ماذا يدور في الغرف المغلقة لأجهزة الاستخبارات وصناع القرار.. عن عالمنا الإسلامي؟
قال محدثي السياسي الأوروبي: لقد تكلم الرئيس بوش بعد 11 سبتمبر، فقال إنه يعلن الحرب الدائمة المستمرة على الإرهاب، الذي عرفه بأنه كل عمل يهدد أمن وسلامة ورخاء الولايات المتحدة وحلفائها، وأضاف إلى ذلك أصدقاءها.. ويعني إسرائيل.. ثم تكلم عن محور الشر والدول الخارجة التي تسعى إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وبهذا تشكل تهديدًا لـ«النظام الديمقراطي الحر»، الذي تمثله وتتزعمه وتحميه الولايات المتحدة في العالم، وأضاف إلى ذلك أن حربه على الإرهاب سوف تشمل الدول التي تؤوي وتساعد وتمول الإرهابيين، وأن من لم يكن معنا فإنه سيكون علينا، وبهذا يكون رئيس أكبر دولة في العالم قد أعلن حربًا مفتوحة لا نهاية لها ضد كل من يعارض السياسة الأمريكية ويهدد أمن إسرائيل، مما يلقي بظلال كثيفة من الشك والريبة على شخصية واهداف مخططي ومنفذي عمليات 11 سبتمبر.
رويدًا رويدًا، بدأت ملامح الحرب على الإرهاب تأخذ صورتها الحقيقية التي تتمثل في جر العالم بالعصا والجزرة إلى المشاركة في حرب تمكن أمريكا من السيطرة على اقتصادات العالم وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتأسيس إسرائيل الكبرى، التي تسيطر على المنطقة بمواردها واقتصادها، ولقد تحركت الولايات المتحدة بقوة وعزم وتصميم لتنفيذ مخططاتها بغزو أفغانستان والسيطرة على باكستان، مدفوعة إلى ذلك بعوامل بوادر انهيار الاقتصاد الأمريكي والفضائح المتلاحقة للشركات الكبرى، ثم تورط كبار رجال الإدارة- بمن فيهم الرئيس نفسه - في عمليات الفساد المالي، مما يهدد بالإطاحة به وبالحزب الجمهوري نفسه.
هناك أسباب أخرى كثيرة وراء تسرع الولايات المتحدة للإعداد للحرب، منها ما يتعلق بالفساد الأمريكي ثم التقارير الاقتصادية التي تشير إلى أنه خلال العقدين المقبلين سيتفوق الاقتصادان الصيني والياباني على الاقتصاد الأمريكي، وإذا أضفنا إلى ذلك الاقتصاد الأوروبي الذي يزداد قوة، فمعنى هذا أن أمريكا لن تكون القوة الاقتصادية الكبرى في العالم، ومع هبوط منزلتها الاقتصادية، تهبط أيضًا سلطتها الاستعمارية ونزعتها الإمبريالية.
أما بالنسبة للحليف الاستراتيجي «إسرائيل»، فإن آثار الانتفاضة على الاقتصاد الإسرائيلي - وعلى المجتمع الصهيوني، وعلى سمعة إسرائيل «السوبرمان»، وسمعة الكيان الصهيوني كواحة للديمقراطية وحقوق الإنسان «في وسط عالم متأخر ومتوحش» قد وصلت إلى الحضيض. بالإضافة إلى أن عامل التغير الديموجرافي يسير بسرعة ضد الدولة اليهودية، فالتقارير تثبت أن العرب سيكونون أغلبية سكانية في فلسطين مع حلول عام ۲۰۲۰، ولهذا فهي الفرصة الكبرى الإسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية، إذ ليس عندها ما تقدمه لهم سوى الاستسلام الكامل غير المشروط والقبول بما تفرضه الدولة العبرية عليهم.
والاستسلام نفسه مطلوب أيضًا من الدول العربية، ومطلوب منها أن تدخل في شرق أوسط جديد تسيطر عليه إسرائيل اقتصاديًا وتتدخل في إدارته من فرض الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى إصلاح مناهج التربية والتعليم من منظور إسرائيلي بما يقطع صلة هذه الشعوب بماضيها وبأي مرجعية عربية أو دينية، ويكون دور إسرائيل مع هذه الدول هو دور الولايات المتحدة مع جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية.
أطماع كبرى لا يمكن أن تتحقق إلا بحرب مدمرة تنتهي بانتصار عسكري صهيوني ساحق، ومن المعروف أن الحروب في النظام الرأسمالي وسيلة للخروج من الأزمة الاقتصادية، وصرف الأنظار عن المشكلات الداخلية، كما أنها أيضًا وسيلة للتخلص من الخصوم وفرض واقع جديد يحفظ استمرار التفوق والسيطرة الأمريكية على العالم.
الحرب إذن، أصبحت مطلبًا أمريكيًا وهي كذلك مطلب لوبي السلاح والاحتكارات الكبرى وأنصار العولمة ثم هي مطلب الأصولية المسيحية التي تنتظر بشوق كبير معركة «هرمجدون» التي ننتصر فيها على إسرائيل ويعود المسيح، وبعد هذا كله فهي هدف الصهيونية منذ نشأتها، تسعى إليه بإلحاح وإصرار، والآن وقد سنحت الفرصة الكبرى.. يجب أن تقوم الحرب.
أنظمة.. عمرها مُقترض !
الحروب في النظام الرأسمالي وسيلة للخروج من الأزمة الاقتصادية وصرف الأنظار عن المشكلات الداخلية والتخلص من الخصوم وفرض واقع جديد.. هذا ما تسعي إليه واشنطن الآن
ثم يجب تصفية الحسابات وإعادة رسم الخرائط والحدود، فكثير من الأنظمة الموجودة لم تعد لها منفعة تذكر، وقد انتهى عمرها الافتراضي وتعيش الآن على عمر مقترض Borrowed Time وقد استشرى فيها الفساد وأصبحت تشكل عبئًا ماليًا وأخلاقيًا على الدول الكبرى التي أنشأتها، والمظالم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية سوف تمكن في النهاية الأصولية - الإسلامية من الوصول إلى السلطة، ولهذا يجب أن يتم التغيير تحت شعار «حقوق الإنسان وحماية الأقليات ومحاربة الفساد».
يجب أن تقدم هذه الحرب للعالم - ولشعوب المنطقة خاصة - بأنها حرب من أجل العدالة والحرية والتعليم والانفتاح والرخاء، وتخليص الإنسان العربي المظلوم من براثن المرض والجهل والتخلف والسير به نحو حياة كريمة أفضل، ومن أجل ذلك وجب القضاء على «التعصب والجمود والإرهاب»، لب الصراع العربي والإسرائيلي، والعائق الوحيد أمام شرق أوسط جديد تسوده مقاييس الحداثة والتقدم العلمي وحقوق المرأة والطفل.
ومصر من أولى الدول المرشحة للتغيير لوزنها العربي وثقلها الإقليمي، فهي لا تزال تمثل الخطر الأكبر على إسرائيل، وعشرون سنة من السلام والتطبيع لم تنتج أي أثر يذكر في قبول الشعب المصري بإسرائيل والتعامل معها.
أما تركيا فرغم أنها قاعدة متقدمة لأمريكا ولإسرائيل، إلا أنها مثقلة بالفساد والديون وانتهاك حقوق الأقليات، وعلى الرغم من أنها قامت بقمع الإسلاميين وإخراج نجم الدين أربكان من رئاسة الوزارة إلا أنه لا تزال هناك خلافات مع رئيس الوزراء الحالي، بولنت أجاويد الذي يعارض ضرب العراق لعلاقاته الشخصية مع صدام حسين. كما أن الأحزاب القومية ما زالت تشكل عقبة كبيرة، وهم الذين حرضوا بعض القادة العسكريين على الاعتراض على تخصيص وبيع شركة الاتصالات الهاتفية لشركة إسرائيلية بداعي الحفاظ على الأمن القومي.
أما إيران فقد خرجت عن بيت الطاعة الأمريكي وهي تؤيد سورية وحزب الله والمنظمات الإرهابية والأصولية، وهي ترفض الأسباب دينية أي اعتراف أو صلح مع إسرائيل، وتسعى لحيازة أسلحة الدمار الشامل لتهديد أمن إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وقد فشلت كل محاولات التطبيع والتطويع معها، وهي عضو أساسي في محور الشر.
أما سورية التي تدعي أنها ساعدت أمريكا في حربها ضد الإرهاب، فهي في الحقيقة حاولت التخلص من بعض المنشقين الإسلاميين الذين يشكلون خطرًا عليها نفسها، ومازالت تفتح أبوابها ل «المنظمات الأصولية» التي تهدد أمن إسرائيل والولايات المتحدة، بالإضافة إلى رعاية «حزب الله» القاعدة المتقدمة لإيران والمعادية لإسرائيل.
أما العراق التي كانت حليفًا للولايات المتحدة، وحاربت ضد إيران الثورة لتحجيمها ومنع انتشار ثورتها، فلم يكن هناك أي حاجة وقتها للتكلم عن الدكتاتورية وعن حقوق الإنسان وأسلحة الدمار الشامل وخطرها على المنطقة وعلى السلام العالمي، ولكن الأمور تغيرت فقد خرج العراق عن بيت الطاعة الأمريكي، ورفض الاعتراف بإسرائيل ودخول العملية السلمية، وهو يساعد المنظمات الإرهابية المعادية للمصالح الأمريكية، ولهذا جاء دوره في التغيير، ويجب أن يجرد - ويجرد معه العرب - من وزنه الاقتصادي ومخزونه البترولي وثقله العسكري والفني.
الحرب إذن يجب أن تقوم والمخططات الأمريكية تتلخص في أن تستخدم الولايات المتحدة سلاح الطيران والصواريخ الذكية الموجهة بكثافة عالية لمدة أسابيع لترجم المنشآت الدفاعية والصناعية وخطوط المواصلات والجسور، ثم يتم الغزو البري من جهات عدة، ويلي ذلك تقسيم العراق.
وتدل الأخبار الموثوقة من مصادر عليمة أن إسرائيل سوف تقوم بنشر ۱۲ فرقة عسكرية ميكانيكية على الحدود مع كل من مصر والأردن وسورية ولبنان، وتقوم أيضًا بنشر غواصاتها المسلحة بالصواريخ النووية لتهديد العواصم العربية والإسلامية، ووقتها سيقوم شارون بتحقيق حلمه القديم بطرد الفلسطينيين إلى الأردن والعراق البلدين المرشحين لتوطين اللاجئين، تمهيدًا لإغلاق هذا الملف وتصفيته.
أما سورية فسيتم إمطارها بالصواريخ وإخراج المنظمات الفلسطينية منها، وتصفية حزب الله وطرده من جنوب لبنان وتطهير المنطقة من الإرهاب.
أما إيران فسيتم تدمير منشآتها الصناعية والعسكرية، وضرب مفاعلاتها النووية، وتحطيم قدراتها الاقتصادية والبترولية بل سيعاد تقسيمها بضم أجزاء منها إلى باكستان وأفغانستان، وسيتم مكافأة تركيا بالإعفاء من بعض الديون وضم الموصل وكركوك إليها بعد اقتطاعهما من العراق، أما مصر فسيتم التغيير فيها بواسطة قيادات شابة موالية تحمل مشروعات الإصلاح الاقتصاد ومحاربة الفساد والحفاظ على حقوق الإنسان، وسوف تتحول من دولة مركزية إلى دولة فيدرالية أو كونفيدرالية.
هذه هي المخططات المتداولة في الغرف المغلقة الأجهزة الاستخبارات وصناع القرار، ولكن في المقابل هناك معارضة شديدة من الدول الأوروبية: فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، وحتى إنجلترا منقسمة على نفسها، البعض يخشى من المضاعفات، وهو يرى أنه يجب حل المشكلة الفلسطينية أولًا، وأن أي مغامرة جديدة محفوفة بالأخطار، وأن الانفجار في المنطقة سوف يهدد أمن أوروبا نفسها واستقرارها، وأن استفراد إسرائيل بالشرق الأوسط سوف يجعل الدخول إلى البلاد العربية وتنمية المصالح الأوروبية المشتركة لا يتم إلا عبر البوابة الإسرائيلية بعد دفع الثمن المناسب.
أوروبا تعرف الأخطار وتقدر العواقب، ولكن العقبة تتمثل في رغبة الثنائي الأمريكي الصهيوني في الحرب من ناحية وسيطرة المنظمات الصهيونية على صناعة القرار الأمريكي من ناحية أخرى، بحيث لا يجرؤ أي سياسي أمريكي على أن يقف في وجه المخططات الصهيونية.
ثم قال محدثي بلغة فيها الرجاء والأمل: طبعًا هذه مجرد خطط معدة وجاهزة للتنفيذ، يرجو واضعوها أن تمر بنجاح وبسرعة للتفرد بالسيطرة على العالم، ولكن الأقدار قد علمتنا أن الأمور لا تسير دائمًا كما خطط له، وأن الرياح كثيرًا ما تأتي بما لا تشتهي السفن، ويقينًا فإن هناك عوامل أخرى كبيرة متوقعة وغير متوقعة يمكن أن تقلب كل شيء رأسًا على عقب، فمن المعروف أن هناك شعورًا كبيرًا معاديًا للولايات المتحدة من أعداء العولمة يتكون في هيئة إعصار شديد يمكن أن يهب في أي وقت لا يتوقعه أحد- ثم هناك الانتفاضة التي – على الرغم من الحرب المعلنة عليها ومحاولة وأدها، بزعم الإرهاب - ما زال يتسع مجالها، بل ويزداد تحت الرماد لهيبها، يضاف إلى ذلك أن ورطة أمريكا في المستنقع الأفغاني تسير في اتجاه التصعيد إلى فيتنام جديدة.
ثم أردف المسؤول الكبير قائلًا: مع بدء العدوان الأمريكي سوف ينطلق كثير من القوى المكبوتة الكامنة في هيئة حرب ضد المصالح الأمريكية تزداد عنفًا كلما اشتد العدوان ظلمًا، واتسع مجالًا وطال أمدًا.
ثم نظر إلى بقلق وقال: في ضوء هذه المخططات الرهيبة فإننا نشهد فترة تحول خطيرة، لا في تاريخ الشرق الأوسط فحسب بل وفي مصير الإنسانية كلها، وإن الشهور القادمة سوف تبين مدى نجاح الرئيس الأمريكي في حربه الجديدة. هل سيدمر المعمورة ليقضي على «الإرهاب الإسلامي» المزعوم؟ أم أنه سيكون مع إسرائيل أول ضحية لجنون العظمة والأطماع الصهيونية في السيطرة المنفردة على العالم؟
قلت لمحدثي مطمئنًا ومؤكدًا: إن علم الاجتماع وتاريخ الدول والسنن الكونية.. تؤكد الفرضية الأخيرة، والشرط الوحيد هو صمود أصحاب الحق واستمرار الانتفاضة على الظلم.
قال محدثي وأنا أيضًا أؤمن بذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل