العنوان بوش يتجرع الكأس الإسرائيلية ويدفع الفاتورة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1989
مشاهدات 58
نشر في العدد 927
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 08-أغسطس-1989
وسط أجواء الاستياء والحزن التي اجتاحت جنبات البيت الأبيض في أعقاب تنفيذ حكم الإعدام في الجنرال هيغنز الذي كان رهينة في لبنان، وجدت الولايات المتحدة أنها مجبرة -مرة أخرى- إلى «دس» أنفها في المحرقة اللبنانية، وأيًّا كان مستوى ذلك الدس سواء بتحريك الأسطول الأمريكي إلى الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط أو رفع درجة الاستعداد لحاملة الطيران -أمريكا- إلا أنه في خاتمة المطاف لا يعدو أن يشكل دفع «فاتورة» لم تستخدم الولايات المتحدة «مشترواتها»، والمستفيد كالعادة هو دولة الكيان الصهيوني اليهودية، فهي التي أقدمت على إثارة الفتنة واعتدت بخطف الشيخ عبد الكريم عبيد من بلدته الصغيرة في جنوب لبنان لتفتح ردود فعل ناقمة لدى المنظمات اللبنانية الشيعية، فأقدمت على إعدام الجنرال الأمريكي هيغنز. وتحمل أمريكا لمصاعب نتائج القرارات اليهودية ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير بالطبع، فالولايات المتحدة ظلت تنقلب في الحبائل المنصوبة من قبل دولة الكيان الصهيوني منذ أن غاب عصر الإمبراطوريات التقليدية وانقسمت في العالم قوى أخرى تسعى لإعادة الصياغة في النظام الدولي، وكانت الولايات المتحدة يومها تخطو خطواتها الابتدائية في تكوين احتكاراتها المصلحية، وكانت دولة الكيان الصهيوني ما زالت ترى الأمان في جانب الإمبراطورية البريطانية- والفرنسية، غير أنها تأكدت بعد أن خاضت حرب السويس في عام ١٩٥٦ بأن زمن الإمبراطوريات التقليدية قد ولى وإن صوت إيزنهاور بالرغم من المسافة الفاصلة أكثر تأثيرًا من مدافع الإمبراطورية التي غربت شمسها فعلًا، وهنا تمت العلاقة غير الشرعية بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، ولكي تستمر هذه العلائق الشاذة، فقد سعت دولة الكيان الصهيوني لتعميق الدوائر الاستيعابية حول الإدارة الأمريكية، فاستخدمت الاتصالات المباشرة والعلاقات الدبلوماسية كأقنعة تخفي وراءها نشاط جماعات الضغط المنظمة في «اللوبي الصهيوني»، ودوائر المال الكبرى، وطورت أساليبها الاستحواذية بالهيمنة على دائرة الإعلام داخل الولايات المتحدة في كثير من المؤسسات الصحفية الكبرى في الغرب. والأكثر خطورة من كل ذلك هو التسلل من الأبواب الخلفية وصولًا إلى دائرة المخابرات الفيدرالية وامتطاء مؤسساتها من أجل إبقاء القرار الأمريكي محاصرًا في دائرة المصلحة اليهودية، وعندما ينتفض أحد الرؤساء الأمريكان على تلك الحقائق المذهلة فإن لليهود أساليبهم العقابية وهم في ذلك أساتذة الشيطان، والمصير قد يكون القتل أو الإبعاد عن مناطق النفوذ. وأقرب الأمثلة تلك التي تجرعها نيكسون في مطلع السبعينيات عندما حاول التفلت من الوصايا اليهودية وطالب جهارًا بانسحاب اليهود عن الأراضي العربية المحتلة، فما كان من المخابرات الصهيونية إلا أن حركت قضية التجسس على مبنى الحزب الجمهوري فكانت الفضيحة التي عرفت بـ «ووتر غيت»، وما ينطبق على رؤساء البيت الأبيض ينطبق أيضًا على الدوائر الدنيا، فما من مسؤول يقف ضد المصلحة الصهيونية أو حتى يتشكك في انطباق المصلحة الصهيونية مع المصلحة الأمريكية حتى يلقى مصيرًا نكدًا، وفي هذا يمكن أن يراجع سجل الفضائح الذي يتابع كبار المسؤولين في دوائر الأمن والكونجرس والبيت الأبيض والمخابرات المركزية، وسجِل اليهود في هذه الأساليب حافل متنوع.
أما كيف أن الولايات المتحدة سقطت في تلك الشراك المنصوبة؟! فتلك قصة
أخرى أبدع «الإبليس» اليهودي في صوغها وتمويه إشارات الخبث فيها، فبالرغم من
قناعتنا بأن السياسة الخارجية لأية دولة لا تتبع هكذا عفو الخاطر، وإنما بالتأكيد
تأتي نتيجة فلسفة تبريرية ومواقف ومصالح تنسج في مجموعها نوعية العلائق مع الآخر.
والولايات المتحدة بالقطع هي أقدر من يتمثل ذلك ويحيط به، إلا أنها بالرغم من
الإمكانات الفنية والمتقدمة قد رمت بكنانتها وما تحمل من أسهم نحو أهداف وهمية،
سيما في البند المتعلق بالمصالح. لكن الصهيونية هي التي حاورت وأقنعت الإدارة
الأمريكية، أليس في هذا أحد المبررات الكافية لتعلم أن الإدارة الأمريكية مورس
عليها أساليب خداع كافية لما هي فيه من تورطات؟!
في البدء ربما كانت نظرة الإدارة الأمريكية إلى دولة الكيان الصهيوني
نابعة من عقدة الذنب الغربية والظلم الذي حاق باليهود، بناء على ما أشاعه الإعلام
العالمي -الموجه من قبل اليهود- عقب الحرب العالمية الأولى، وربما تلمست الإدارة
الأمريكية -أيضًا- في دولة الكيان الصهيوني بأنها دولة ذات أطر حديثة وتتفاهم مع
الثقافة الغربية بصورة أجود من جاراتها العربيات، كما أنها تأخذ بالنظام
الديمقراطي مما يجعل منها نموذجًا مشعًّا في عالم تحكمه النظم الاستبدادية. ولكن
اليهود ما كان لهم أن يتركوا الولايات المتحدة وهي تضع موازين مصالحها العالمية أن
تبني علائقها معهم على هذا النحو، وإنما انبثوا حول مصادر القرار الأمريكي يوحون
لصُنَّاعه بأن مصالح الولايات المتحدة الأبدية تكمن في دولة الكيان الصهيوني، وإن
مفتاح العلائق الدولية وليس الشرق الأوسط فحسب يبدأ من تل أبيب. وبالطبع ساقت دولة
الصهاينة في ذلك مبررات وتعزيزات منطقية في بعض جوانبها وهلامية وهمية في أكثرها،
إلا أنها -وهذا هو المهم- قد استحوذت تمامًا على حسابات وتقديرات الموازنة
الخارجية، وهو سعي ليس بالجديد تمامًا في الأساليب اليهودية؛ إذ إنه أحد المورثات
الثوابت في الشخصية اليهودية. وفي التاريخ نجد أمثلة صارخة على طرائق الهيمنة على
القوى الكبرى وتسييرها من أجل المصالح اليهودية والتاريخ ينضح بالوقائع المؤكدة
لتلك المواقف، ففي فرنسا كما في ألمانيا وبريطانيا قديمًا كانت الوطأة اليهودية
وراء كثير من المواقف المحرجة وأحيانًا المخزية لتلك الدول، ففي الحرب العالمية
الأولى وقف اليهود ضد الحلفاء بعد تأدية أدوار مزدوجة في تأجيج الفتنة بين الحلفاء
«تركيا، ألمانيا، إيطاليا» وبين بريطانيا وروسيا وفرنسا، وكانت النتيجة هي توريط
ألمانيا في الحرب وتحطيمها من ثم بعد أن كانت الأرض التي آوتهم وفتحت لهم مؤسساتها
وجامعاتها، وكل ما اقترفته من ذنب هو إنزالهم مواضع حجمهم الطبيعي، فكانت الآزفة
جزاء مسلكهم وصنو إحسانهم. ومثل مواقفهم تلك من ألمانيا، مواقفهم من فرنسا عند
تأميم قنال السويس، فقامت دولة الكيان الصهيوني تسعى بالفتنة فأقنعت كلًّا من
فرنسا وبريطانيا بأن مصالحها تتشابك والمصلحة اليهودية، ودخلتا حرب خاسرة منذ
بداياتها، كما كسبا سخط الرأي العام العالمي وعلى رأسه الولايات المتحدة
-إيزنهاور- والاتحاد السوفيتي. ولعل هذا ما جعل فرنسا -خاصة أيام الديغوليين-
تتحفظ في علاقاتها مع دولة الكيان الصهيوني.
إن الولايات المتحدة ما زالت تؤدي دور
الزوج المخدوع في علاقاتها مع دولة الكيان الصهيوني، وربما أحيانًا ترى خيانة بأم
عينها لكنها تؤثر الصمت، كما حدث عندما انفجرت قضية التجسس الصهيوني على الأسرار
الصناعية «قضية بولارد»، وعندما جاء بوش إلى البيت الأبيض انطلقت بعض الأصوات
المتفائلة داخل وخارج الولايات المتحدة تطالب بتعديل الأوضاع في العلائق الصهيونية
الأمريكية، غير أن الأيام كشفت أن تلك الأصوات ما زالت أضعف عن أسماع سيد البيت
الأبيض، وفي كل دورة انتخابية للرئاسة الأمريكية يتطلع العرب وإعلامهم إلى موقف
مغاير من أجل الحقيقة الموضوعية الملموسة، وهي أن مصلحة الولايات المتحدة ليست مع
الحصان الصهيوني الخاسر، وإن تصنيف العالم العربي في دائرة أضيق من الدائرة
الوهمية للكيان الصهيوني تصور يعوزه المنطق وتأباه حقائق الكون، غير أن النتيجة ما
زالت في إطارها الخاطئ. ويبدو أن الولايات المتحدة وما ذاقته من مرائر إسرائيلية
ما زالت أقل من الجرعة الكفيلة بإيقاظها، غير أن الأيام بالتأكيد سوف تحمل الجرعة
المفتقدة حتى تصحو سيدة العالم من غفلتها، ويومها فلن يشفع لأمريكا مواقف الغفلة
التي خاضتها من أجل «عيون» الكيان الصهيوني.