العنوان بين أوسلو والكامب.. والغيب المجهول
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-2000
مشاهدات 69
نشر في العدد 1409
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 18-يوليو-2000
في المثل الشعبي عندنا يقولون: «صام وفطر على بصلة» يعني بعد الصبر الطويل في انتظار الفرج إذا به يأتيه الكرب العظيم، فبعد أن كافح العرب من سنة ٤٨ إلى سنة ٢٠٠٠م، وحاربوا أربع حروب، وبعد الأماني العزاز بطرد إسرائيل من فلسطين، وبعد تعب وكفاح الشعب مع المحتل الغاصب، بعد أهازيج النصر، وأناشيد الفتح، يأتي المر والعلقم والصاب، يأتي اتفاق «أوسلو» الذي ضرب بعرض الحائط كل الثوابت المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والحقوق الخاصة بالشعب الفلسطيني، وهذا أمر لا ينكره حتى موقعو الاتفاق، وقد بنى هذا الاتفاق أساسًا على أمرين، الأول: أن كلًّا من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق وعددًا من الدول الأوروبية اتجهوا لصنع تسوية على أساس الشروط الإسرائيلية، أما السبب الثاني فهو رضوخ الحكومات العربية ومعها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية للضغوط الأمريكية بشكل لا مثيل له من قبل، وكان من نتائج هذا الاتفاق الكارثي ما يلي:
أولًا: تجنيد السلطة الفلسطينية للحفاظ على أمن إسرائيل ومنع الانتفاضة ومطاردة وسجن وقتل المجاهدين، وما الممارسات التي تقوم بها السلطة دائمًا إلا تنفيذًا لهذا التجنيد، ومنها إطلاق النار من قِبَل الشرطة الفلسطينية على المصلين في مسجد فلسطين في غزة، وملاحقة المجاهدين والتنسيق الأمني مع المخابرات الإسرائيلية لتصفيتهم أو تسليمهم، كما حدث مع الشهيد كمال كحيل، ويحيى عياش، ومحيي الدين الشريف، وخلية صوريف، والاعتقالات الواسعة بحق شباب حماس، وترويع الأهالي وتحديد إقامة الشيخ أحمد ياسين.
ثانيًا: حكم ذاتي بلا سيادة على الأرض: والذين وقعوا على الاتفاق أو أيدوه لم يستطيعوا أن يحددوا موضعًا واحدًا نص الاتفاق على زوال الاحتلال عنه نهائيًّا أو تدريجيًّا، فهو حكم ذاتي، يستمد أمنه من حماية الجيش الإسرائيلي، ولا يدخل أحد إليه أو يخرج إلا بإذن إسرائيل، ولا حتى عرفات، ونكون مبالغين إذا قلنا إنه معسكر اعتقال محاط بالأسلاك الشائكة، وأبراج المراقبة، وحواجز التفتيش، والمعتقلون في هذا السجن مسؤولون عن أمنهم الداخلي وأمن إسرائيل، ومعاشهم وما يحتاجونه من خدمات والاقتصاد مرتبط باقتصاد العدو... إلخ.
ثالثًا: الالتفاف على قضية القدس: حتى تاريخ توقيع اتفاق أوسلو، كانت القدس الشرقية مدينة محتلة وضمها إلى الكيان الصهيوني غير قانوني ومناقض للأعراف الدولية، وعلى الجيش الإسرائيلي الانسحاب منها، ولسكانها العرب حق تقرير المصير، ومع أن دولًا كثيرة قد اعترفت بإسرائيل، فإنها لم تعترف بسيادتها على القدس بما في ذلك الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفييتي، فجاء الاتفاق وجعل وضع القدس غائمًا أطمع إسرائيل في التمادي في تغيير معالمها بالعمل أو بالقول، فقد صرح شيمون بیریز -رئيس وزراء إسرائيل-: أريد أن أبدأ بوصف موقف حكومة إسرائيل في الماضي وفي الحاضر والمستقبل من القدس، القدس لن تكون عاصمة لكيانين، وإنما عاصمة دولة إسرائيل، القدس لن تكون برلين لن يقام فيها سور ولن تُجزأ، وستبقى موحدة وفق الخريطة التي صادق عليها الكنيست، وتحت سيادة إسرائيل، ولعل في الأمثلة الآتية ما يثبت ذلك:
1 - استمرار تغيير الوضع القائم من خلال مصادرة المزيد من الأراضي العربية حول القدس والتخطيط لبناء مستعمرات جديدة، في جبل أبو غنيم، وغيره، ومنع الامتداد الإسكاني للعرب، ومضايقة المؤسسات الفلسطينية في القدس، واستمرار العمل على فصل القدس عن الضفة.
2- استمرار الحفريات في منطقة الحرم وتحت المسجد الأقصى الأمر الذي يهدد بالانهيار.
٣ - منع مرشحين فلسطينيين من دخول القدس، وإغلاق بيت الشرق في القدس.
٤ - منع العرب من غير سكان القدس من الدخول إلى المدينة إلا إذا كانوا مزودين بتصاريح.
رابعًا: المستوطنات التي زرعت في الأرض الفلسطينية، زرعت لتبقى وقد أحيطت بكل أوجه الحماية، واستمرار الإشراف الإسرائيلي عليها وعلى تسليحها، وفرض قيود على المناطق المجاورة للمستعمرات.
خامسًا: لا حق لعودة اللاجئين، الذين يزيدون على ثلاثة ملايين من المشردين في العالم والبلاد المجاورة.
سادسًا: التسليم بالمناطق المحتلة عام ١٩٤٨م وأشياء أخرى، منها أن تظل المعابر بيد اليهود، واستمرار تدجين الفلسطينيين إعلاميًّا وتعليميًّا... إلخ.
هذا هو حصاد اتفاق أوسلو غير المبارك، والذي تسبب في دوام وكوارث أكثر من أن تحصى، حتى تنازلت القوى الفلسطينية المخدوعة عن ميثاقها الوطني الفلسطيني دون مقابل وقتلت كفاحها بأيديها، ومزقت أجساد مجاهديها، وأودعت من تبقى منهم في السجون الفلسطينية، ودلت على عوراتهم، فماذا إذن سيأتي به الوفد المفاوض الإسرائيلي اليوم من كامب ديفيد، وقد قام السيرك الإسرائيلي في الكنيسة قبل سفر باراك بتمثيليات تبعتها مزايدات من الليكود وغيرهم لإرهاب الفلسطينيين وضرب معنوياتهم.
ولا أظن أن هناك شيئًا بعد ذلك يمكن لأي فلسطيني -ولو كان خائنًا- أن يعطيه للإسرائيليين الذين لا يشبعون حتى يأخذوا فلسطين وشعبها لقمة سائغة، ولكن بالمفاوضات وبالتيئيس والمساومات حتى يعطي الفلسطينيون ما تبقى لليهود عن يد وهم صاغرون.
ألا يا قوم كفى صغارًا وذلة وانكسارًا، وكفى تمزقًا في الأوحال، فلن يعطيكم اليهود شيئًا دون كفاح وجهاد ورجولة، وأنتم أصحاب الحق فهل تريدون الحياة بعزة، والوطن بكرامة، والدولة بسيادة فاجعلوها عزمة إيمانية، وحينئذ وحين ذاك لا بد أن يستجيب القدر، ولا بد لليل أن ينجلي، ولا بد للقيد أن ينكسر، وفي الغيب أقدار وأقدار للمجاهدين، وأنصار الحق المبين.